الفصل (56) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 56: ملامح الواقع
تذكرت فانيسا أنها رأت فراولة طازجة على طاولتها قبل بضعة أيام، وافترضت وقتها أنه تم شراؤها من السوق، ولم تكن تدرك أنها قطفت مباشرة من حديقة المنزل.
أثار مرأى حبات الفراولة الحمراء اللامعة شهيتها، وتذكرت فجأة أنها لم تتناول أي طعام منذ مساء أمس. قاطعت تفكيرها وقضمت حبة منها بنهم، لينتشر مذاقها الحلو والمنعش في فمها.
قالت بسعادة: "إنها لذيذة جداً".
رد ريفير بهدوء: "هذا جيد".
تناولت فانيسا عدة حبات أخرى بسرعة، وشعرت بارتياح كبير وهي تستعيد طاقتها بعد ليلة طويلة من القلق والتعب. ومع تلاشي شعورها بالجوع، بدأ عقلها يصفو وتعود إليها قدرتها على التفكير المنطقي.
بنظرة خجولة، ترددت قليلاً وهي تنظر إلى الحبة الأخيرة المتبقية في الوعاء، ثم سألته: "هل... تناولت أي شيء؟".
سألها ريفير بابتسامة خفيفة زينت شفتيه، وكأنه مندهش من اهتمامها المفاجئ به: "أنا؟". جعلها أسلوبه تشعر بنوع من الارتباك والوعي الذاتي. اقترب منها قليلاً، مستنداً بيده اليسرى على حافة الفراش، وأخذ حبة الفراولة الأخيرة من بين أصابعها الممدودة.
تناول الحبة بهدوء وهو يراقب ملامحها، بينما تراجعت فانيسا بنظراتها إلى الجانب وأطرقت برأسها قائلة: "لو كنت تريدها، كان يمكنك طلبها ببساطة".
قال وهو يمسح طرف شفته بإبهامه، وارتسمت على وجهه ابتسامة عابثة: "لم أكن أخطط لأكلها في الحقيقة، لكنني رأيتكِ مستمتعة بها كثيراً، ففضلت مشاركتكِ".
كان عذراً مازحاً، لكنها لم تستطع لومه على أخذ حبة واحدة. علق ريفير وهو يغلق عينيه قليلاً ممتعضاً من المذاق: "إنها حامضة بعض الشيء"، ثم أخذ منها الوعاء الفارغ ووضعه جانباً.
*دانغ...* دوى صوت جرس الفجر الأول في الأرجاء، وتزامن معه صوت صياح الديكة الذي بدأ يعلو منذ فترة. في تلك اللحظة، هبطت حقائق الواقع على رأس فانيسا دفعة واحدة. تذكرت فجأة أين هي، وكم تأخر الوقت، واجتاحتها موجة عارمة من التوتر والارتباك.
وتمتمت بذعر: "يا إلهي!".
شحب لون وجهها، وتحركت بسرعة لتغادر الفراش، وبدأت في ترتيب ملابسها وإصلاح هندامها بحركات مستعجلة ومتخبطة، ثم أسرعت تربط ساعتها حول معصمها.
وقالت بنبرة قلقة: "سأعود... سأعود غداً في المساء".
رد ريفير بنبرة هادئة: "آه، الغد لن يكون مناسباً. سأكون غائباً عن المدينة لبضعة أيام".
التفتت إليه وسألت بذهول: "لبضعة أيام؟ كم ستطول غيبتك؟".
أجابها: "أربعة أيام تقريباً، لدي أعمال طارئة في مدينة باث".
اقترب منها وأزاح خصلة شعر متمردة وراء أذنها برقة، ثم ربت على كتفها بحنان كعادته وقال: "كوني فتاة مطيعة بغيابي، وسأحضر لكِ هدية معي عندما أعود".
التفت عنها وغادر الغرفة وعلى وجهه ابتسامة دافئة، تاركاً فانيسا واقفة في مكانها، تلمس كتفها وتفكر في كلماته. شعرت بدفء غريب يسري في قلبها، وهو أمر فاجأها كثيراً.
لقد كان هذا النوع من الوعود يمنح المرء شعوراً بالأمان والاهتمام المتبادل. أحكمت فانيسا قبضة يدها، وشعرت باضطراب في معدتها؛ فكيف تجرؤ على الغرق في هذا الاطمئنان بينما تحيط بها المشاكل من كل جانب؟
"تبدين وكأنكِ صرتِ أكثر طولاً، أو ربما تحسنت طريقة وقوفكِ وسيركِ... سنحتاج إلى تقصير الأكمام قليلاً واستبدال الشريط بآخر أصغر حجماً... همم، نعم".
"...."
"يجب تعديل طول التنانير أيضاً لتناسب حركتكِ. والآن، هل يمكنكِ رفع ذراعيكِ قليلاً من فضلكِ؟".
"...."
"سيدتي؟"
انتبهت فانيسا فجأة وعادت إلى أرض الواقع. جالت بنظراتها ببطء على الخادمات المحيطات بها، ثم استقرت عيناها على الخياطة. ورغم تشتت انتباه فانيسا، كانت الخياطة البارعة تأخذ مقاساتها بدقة، وتسجل الأرقام في دفترها الصغير.
وتابعت الخياطة حديثها: "بفضل نظامكِ الغذائي الأخير، أصبح خصركِ أكثر نحافة، وتحسن قوامكِ بشكل ملحوظ. هذا يعني أن خزانة ملابسكِ الحالية ستحتاج إلى الكثير من التعديلات والترقيع. والأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو ملابس الصيد الخاصة بكِ لرحلة بعد غد...".
"سيدتي!".
قاطع حديثهما صوت خطوات سريعة ومستعجلة تقترب من الغرفة، وفُتح الباب فجأة. دفعت الخادمة "ماري" طريقها عبر الخادمات وأمسكت بمعصم فانيسا بنظرة مليئة بالجدية والاضطراب وقادتها قائلة:
"هناك مكان يجب أن تتواجدي فيه فوراً... الآن!".
*العوده للفصول السابقه

تعليقات
إرسال تعليق