الفصل (54) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 54: تبادل الأدوار
دفعت فانيسا كتفيه برفق، فتراجع إلى الخلف مستلقياً على السرير، وكأنه يريد أن يرى إلى أي مدى ستذهب في هذه اللعبة. أحكمت فانيسا قبضتها على معصميه بيديها الصغيرتين، ونظرت في عينيه بثبات لتثبته في مكانه.
انسدل شعرها حولهما كأنه ستارة تغطي العالم الخارجي. كان الرجل المستلقي تحتها، والمحاصر بنفس الطريقة التي كان يحاصرها بها دائماً، يبدو في غاية الوسامة والهدوء. سرى شعور غريب بالثقة في جسدها وهي ترى هذا القائد القوي مستسلماً تماماً للغتها ونبرتها، ورغم أنها كانت تعلم جيداً أنه يفعل ذلك بمحض إرادته ويسمح لها بأخذ زمام المبادرة.
همست وهي تتأمل ملامحه بدقة: "أنت تبدو هادئاً جداً على غير العادة...". كان وسيمًا لدرجة حبس الأنفاس، وفي هذه اللحظة فقط فهمت فانيسا كيف يمكن للمرء أن يشعر بالقوة عندما يسيطر على الموقف.
قطب ريفير روس حاجبيه وأطلق ضحكة قصيرة: "هذا أغرب شيء سمعته منكِ حتى الآن".
حسناً، لقد كان هذا أجرأ تصرف قامت به طوال حياتها. تجاهلت فانيسا اعتراضه، وأخذت تحرك أطراف أصابعها برفق على طول ساعده. كان من الغريب كيف بدا جو الغرفة دافئاً وهادئاً في هذا اليوم الصيفي القاحظ؛ ففي الأحوال العادية، كانت مجرد فكرة البقاء في مكان مغلق في هذا الطقس تبدو مزعجة لها، لكنها الآن تمنت لو بإمكان هذا الوقت أن يتوقف، ليبقى هذا الأمان بينهما إلى الأبد...
وقال ريفير وعيناه تلمعان بتسلية: "نظراتكِ بدأت تصبح مليئة بالتحدي والغموض".
وفي لمح البصر، قلب ريفير الوضع تماماً ليعيد فرض سيطرته بخفة وسرعة. وجدَت فانيسا نفسها مستلقية مكانه، محاصرة بنفس الطريقة التي كانت تستخدمها قبل قليل. نظرت إليه بحيرة ودهشة كطفل سُلبت منه لعبته فجأة، فابتسم ريفير روس وعيناه تفيضان بالدفء والذكاء.
وقال ونبرته تحمل لغة التحدي اللطيف: "المواقف يجب أن تكون عادلة ومتساوية يا فانيسا"، ثم وضع يده القوية فوق يدها وثبتها برقة، وتابعت ابتسامته العابثة تزيّن شفتيه: "هذا هو شرطكِ المفضل دائماً في كل نقاشاتنا، أليس كذلك؟ أن نتعامل كأنداد".
ثم انحنى برأسه قليلاً، متأملاً ملامحها القلقة في حوار صامت طويل طال انتظاره، ليعلنا معاً بداية تفاهم جديد ينهي كل الخلافات التي كانت تدور بينهما.
استيقظت فانيسا من نومها مع اقتراب الفجر، وكان العالم المحيط بهما يسبح في الضوء الأزرق الداكن الذي يسبق شروق الشمس. رمشت بعينيها بتعب ثم تمددت بخفة، وأدت حركتها البسيطة هذه إلى انتباه ريفير الذي كان يجلس بجانبها بوقار وحنان.
وتحدث ريفير بصوت منخفض: "أخيراً استيقظتِ... كنتِ تتقلبين في نومكِ منذ فترة، ويبدو أنكِ حلمتِ بكابوس".
اعتدلت فانيسا في جلستها وشهقت بخفة: "أوه... هل كنت متيقظاً طوال الوقت؟".
قال وهو يقترب منها ويمد لها كوباً من الماء الدافئ: "لقد كنت أحاول مراقبة هدوء المكان... والتفكير في خطوتنا القادمة".
ومع تجدد مشاعر الاطمئنان والدفء بينهما، شعرت فانيسا بالراحة تماماً واختفى ما تبقى من قلق في عينيها، وحل محله شعور بالثقة التامة في وجوده بجانبها.
تحرك ريفير روس وجلس على حافة السرير مواجهاً لها، وقال بنبرة رجولية منخفضة تحمل الكثير من الجدية: "عليكِ أن ترتاحي تماماً... ولا تقلقي بشأن الغد".
نظرت فانيسا إلى عاصفة الأفكار في رأسها ثم قالت بصوت متقطع: "أنا... لقد استيقظت للتو والمسؤوليات كثيرة...".
رد عليها بنبرة دافئة وساحرة: "انسَي أمر المسؤوليات الآن... وحاولي الحصول على بعض الهدوء إن استطعتِ ذلك".
همست: "لا يمكنني التجاهل...".
ولم يعد لكلماتها الرافضة أي معنى أمام نظرته الصادقة الواثقة التي كانت تطمئن قلبها دون حاجة للكثير من الكلام.
ساد الغرفة صمت مريح، وكانت ملامح فانيسا تبدو أكثر هدوءاً بفعل قربه. مد ريفير يده ليزيح خصلة شعر تمردت على وجهها برقة، لتخرج منه ضحكة خفيفة ودافئة مستمتعاً بملامحها الطفولية.
وقال بنعومة: "فانيسا... ثقي بي فقط، ودعي الأمور تسير بسلام".
أومات برأسها موافقة، وشعرت بأن جدران الخوف والشك بدأت تذوب تماماً، وكأن أفكارهما اتحدت لتصبح هدفاً واحداً غير قابل للانفصال للأبد في مواجهة الصعاب المقبلة.
*

تعليقات
إرسال تعليق