الفصل (51) Garden of may_حديقة مايو,



"إذا كانت امرأة فاضلة ومتميزة إلى هذا الحد، فلماذا لا تتزوجها أنت يا ابن عمي؟"

بصوت غلبت عليه نبرة غريبة من السخرية الخفية من الذات، أجاب إدغار:

"ابنة مورتون؟ أنا؟"

التفت ثيودور عن النافذة ليوجه نظره مباشرة نحو ابن عمه؛ وفي تلك اللحظة، اختفى القناع الودود واللامبالي الذي اعتاد إدغار ارتداءه دائماً أمام الجميع، وحل محله سكون عميق وغير مألوف. وتتبعت عينا ثيودور امتداد نظرات إدغار المركزة، ليرى أنها تستقر عند تلك الشابة ذات الشعر البني، هيلي مورتون، التي أفرط في مدحها قبل قليل.

تابع إدغار، بعد أن أزاح نظره سريعاً عن هيلي، وغمز لثيودور محاولاً إعادة الأجواء إلى طبيعتها العفوية والاقتراح بخفة:

"فكر في الأمر فحسب، فزواج متميز ومثالي كهذا سيرضي جدتكِ بالتأكيد ويجلب الاستقرار لعائلتنا."

لو لم يلمح ثيودور تلك اللمحة الخاطفة والمستترة في عيني ابن عمه، لكان قد انخدع بمظهره الخارجي العفوي وكلامه العابر. لكن تمكنه من رؤية المشاعر الحقيقية العميقة التي يحرص إدغار على إخفائها عادةً، جعلت هذه الهفوة الصغيرة تكشف الكثير عما يدور في قلبه.

مرر ثيودور ظهر أصابعه ببطء فوق شفتيه الجافتين، واختار رداً ذكياً يعلم أنه سيثير حنق ابن عمه ويختبر مشاعره الحقيقية، فقال بهدوء:

"إنها تملك حضوراً وأناقة لافتة للأنظار."

جاء الرد من إدغار فورياً تقريباً، وكأنه كان ينتظر تعليقه:

"...أنا متأكد أنها ستكون مسرورة وفخورة للغاية بسماع هذا المديح منك. حسناً إذن، سأكون على تواصل معك في القريب العاجل."

واستعاد إدغار تعابيره المدروسة والمثالية بسرعة، والتقط حقيبته ب حسم ثم ترجل من العربة. وبعد أن خطا بضع خطوات في الخارج، التفت إلى الخلف ملوحاً بيده بخفة واستهتار كعادته، قبل أن يسير بخطى واسعة ومقتربة نحو الليدي هيلي.

ومهما كان الكلام اللطيف الذي ألقاه عليها فور وصوله، فقد كان كفيلاً بأن يجعلها تبتسم بإشراق وابتهاج. ثم التفتت الشابة، وهي تمسك بمظلتها الواقية من الشمس برقة، وانحنت برأسها وجسدها باحترام وأناقة أرستقراطية نحو العربة التي غادرها إدغار للتو؛ وبدت في تحيتها تلك وكأنها تستطيع رؤية ما يدور في الداخل، أو كأنها على علم يقين بأن ثيودور يراقبها ويثبت نظراته عليها من خلف النافذة.

بدا واضحاً وجلياً لثيودور أن سبب وجودها في المحطة في هذا التوقيت بالذات كان أمراً مرتباً ومدروساً بعناية منذ البداية، ولمع بريق من الطموح والرغبة في كسب المكانة في عينيها اللتين خفضتهما بحياء مصطنع.

وللحظة خاطفة وعابرة في البداية، أرجعت خطوط قامتها ذاكرته إلى فانيسا، لكن الآن بعد أن واجهها ورأى ملامحها بوضوح، وجد أنها لا تشبهها في أي شيء على الإطلاق. وتعجب في سره؛ كيف أمكنه حتى أن يخطئ بينهما ويشبهها بها ولو لثانية واحدة؟ وتراجع خطوة إلى الخلف، خافضاً يده التي كانت تمسك بستارة النافذة.

"آه..."

ومع حلول الغسق واشتداد عتمة المساء، بدأت صورة فانيسا وصوتها يترددان في عقله بوضوح وحيوية لا مثيل لهما. أخذ ثيودور نَفَساً عميقاً وبطيئاً؛ وبدا الأمر وكأن عطرها العبق ورائحتها الذكية لا تزال تلازمه وتلتصق بثيابه، بل إن قوة الذكرى خلقت لديه في بعض الأحيان وهماً جميلاً بأنه لا يزال ينعم بدفء حضورها وبأنها قريبة منه وتحتضنه بملء حنانها.

واستحضر عقله ملامح وجهها الرقيق المليء بالمشاعر، وحركاتها الهادئة، ونبرة صوتها العذبة وهي تناديه باسمه؛ كان كل تفصيل يخصها يحمل جمالاً ساحراً يجعله راغباً في التفكير فيه والعيش داخله إلى الأبد.

ورغم أن تفكيره غرق في تفاصيل أيامهم الماضية معاً، وتوسلاتها اللطيفة له في لحظات صفائهما بأن يأخذ قسطاً من الراحة وألا يجهد نفسه، إلا أن هذه الذكريات والخيالات التي تعاد في ذهنه الآن بدت حقيقية ونابضة بالحياة كأي حقيقة عاشها.

ومع تزايد الشوق والشعور برغبة عارمة في العودة إليها لم تهدأ في صدره بعد، تذكر كيف كانت تتشبث به بجرأة دافئة وتهمس باسمه بصدق. أطلق زفيراً طويلاً يحمل الكثير من الهدوء، وأغلق عينيه مستمتعاً بتلك السكينة.

*«أوه، ثيودور... أرجوك...»* تردد صدى صوتها العذب في مسامع روحه، وتخيل ذراعيها الرقيقتين وهما تحيطانه بلهفة، ودفء أنفاسها العطرة، وشفتيها اللطيفتين وهما تنطقان اسمه بنعومة. أمال ثيودور رأسه إلى الخلف ببطء، بينما كانت نبضات الشوق تتنامى وتتدفق بقوة في أعماقه.

لقد كان قراره العفوي والاندفاعي بالبقاء معها والاقتراب منها مرضياً وممتعاً لنفسه إلى أبعد حد، وتولد لديه شعور راسخ ويقين بأنه سيتذكر هذا المكان واللحظات الثمينة التي قضاها برفقتها لفترة طويلة جداً من عمره، حتى بعد أن ينتهي فصل الصيف ويتلاشى؛ إذ انطبعت ذكراها في كيانه كبصمة فريدة وعلامة مميزة ترافقه طوال حياته.

ولم يكن هذا الارتباط أو هذا الشعور الجارف يسبب له أي انزعاج أو ضيق على الإطلاق، بل كان مرحباً به وبشدة.

وعندما وصل فصل الصيف إلى ذروته وأوج قوته، أصبحت حتى ساعات الصباح الباكرة حارة بشكل يصعب تحمله. وكان الطقس في هذه الأنحاء متقلباً ومزاجياً؛ إذ تكون السماء صافية تماماً في الصباح، ثم تتلبد بالغيوم الكثيفة بحلول فترة ما بعد الظهيرة، ويتصاعد ضباب عميق يحجب الرؤية عند الفجر، وكثيراً ما كان رذاذ المطر الخفيف يتحول فجأة ومن دون سابق إنذار إلى هطول أمطار صيفية غزيرة.

وتزامناً مع تبدل الفصول وتغير الأجواء، بدأت نباتات الحديقة الواسعة في التبرعم والازدهار بشكل لافت؛ وازداد حجم ثمار الخوخ الصغيرة على الأشجار، ونمت شجيرات الخلنج البرية بسرعة كبيرة حتى وصلت إلى مستوى الخصر في غضون ليلة وضحاها تقريباً.

وحطت طيور الماء الصيفية المهاجرة والقادمة من جهة النهر فوق أغصان أشجار الحور الباسقة، تأخذ مكانها لتشدو بأغانيها العذبة والجميلة التي تملأ الأرجاء بهجة، وتفتحت زهور زنبق الوادي البيضاء المغسولة بحبات الندى بكثافة وبشكل عشوائي أينما خطت الأقدام في الممرات.

وكانت فانيسا تحب منطقة "سومرست" وتعشق طبيعتها أكثر من أي شيء آخر في العالم في هذا الوقت بالذات من العام.

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة