الفصل (39) Garden of may_حديقة مايو,
# 📖 حديقة مايو - الفصل التاسع والثلاثون: نبضات هاربة ولقاء في كوخ الورود
كان الممر الضيق المؤدي إلى حديقة الورود شاهداً على لمسات ريفر روس؛ فقبل بضع سنوات، عندما وجدت الحديقة تفتقر إلى الحيوية، بدأت بزراعة زهور الفاوانيا ()، لتعيد الحياة إلى حدائق غلوستر التي كانت تبدو عادية قبله.
التقطت فانيسا بعناية زهرتين أو ثلاثاً من الفاوانيا النقية التي سقطت على الأرض، وأحكمت قبضتها على السلة الثقيلة التي تحتوي على وجبة الغداء. وكلما اقتربت من حديقة الورود، تملّكها تردد أكبر.
وتساءلت في نفسها: 'هل كان ينبغي لي أن أرسل خبراً بمجيئي؟ هل من اللائق أن أظهر هكذا فجأة؟'.
وراحت تمشي وهي تجمع الزهور، ثم رفعت رأسها فجأة لتجد البوابة الحديدية في نهاية الممر مفتوحه قليلاً. حدقت خلفها لـلحظة، ثم أسرعت في خطواتها.
وكان هناك حدس غامض يهمس لها بأن ريفر روس قد لا يكون هناك.
'ربما نزل إلى النهر مع الخدم من أجل النزهة، أو ربما غادر إلى مدينة باث...'.
فقد اعتاد كثيراً أن يترك كوخه مهجوراً لأيام. وفي الليالي التي كان يجافيها فيها النوم، وتظل تراقب من نافذتها، كانت تلاحظ أن كوخه يظل مظلماً طوال الليل.
وتحولت خطوات فانيسا الوئيدة إلى ركض سريع. ودَفعت البوابة الصدئة لـتندفع عبرها بنَفَس واحد، وكأنها تسقط في عالم آخر تماماً.
وهناك كانت أمامها الحديقة البرية النابضة بالحياة؛ حديقة مايو. وحجبت عينيها عن أشعة الشمس التي انسكبت فوق وجهها، حتى وضحت الرؤية أمامها. وبلفتة واحدة من رأسها، وجدت ما كانت تبحث عنه—أو بالأحرى، الرجل الذي كانت تبحث عنه.
وأطلقت فانيسا زفيراً طويلاً لتخرج ذلك النَفَس القلق الذي حبسته في صدرها؛ فقد كانت دقات قلبها تتسارع من شدة الارتباك، وأدركت أنها ظلت تحبس أنفاسها طوال ركضها في الممر، وهو ما يعكس حجم توترها.
'ربما كنتُ خائفة من أن يكون قد غادر إلى الأبد'.
وكانت الجروة الصغيرة البيضاء "داليا" هي أول من انتبه لـوجودها؛ إذ راحت تنبح بسعادة عند قدمي الرجل، ثم قفزت نحو تنورة فانيسا. وتوقف هو عن تقليم أغصان الورد المتشابكة، والتفت نحوها.
وتحت ظل قبعته القشية، ضاقت عيناه الآسرتان وهو يتأملها. وفجأة، شعرت فانيسا بجفاف في شفتيها، فرسمت ابتسامة خجولة وقالت: "مرحباً، ريفر روس".
"مرحباً، ريفر روس". وبينما كانت تلقي تلك التحية القصيرة، لم تفت فانيسا ملاحظة تلك القطبة الخفيفة التي ظهرت بين حاجبيه، كأنه ينظر إلى شيء مزعج ومثير للملل.
وأرسلت تلك النظرة قشعريرة عابرة في قلبها. لكن في لمح البصر، عادت ملامحه إلى برودها المعتاد، وكأن ذلك الانزعاج العابر لم يكن سوى وهم في مخيلتها. وقال بنبرة هادئة: "لم نلتقِ منذ فترة يا فانيسا".
وبدت الطريقة التي نطق بها اسمها أشبه بتنهيدة خافتة؛ شعرت وكأنها عتاب مبطن يلمح إلى أنه ما كان ينبغي لها أن تأتي مجدداً.
'رغم أن هذا قد يكون مجرد انعكاس لـقلة ثقتي بنفسي...'.
وخيم الارتباك على الأجواء، مما جعلها تتحرك بغير راحة في مكانها. وقطع ريفر روس المسافة بينهما بخطوات معدودة، ونزع قفازات البستنة السميكة، ثم أخذ السلة الثقيلة من يدها. ورفع القماش الذي يغطي المحتويات، ونظر إليها بتعجب.
"أنتِ من أحضر هذا؟"
"ظننتُ أنه يمكننا تناول الطعام معاً، بما أن الوقت يسبق الظهيرة، ولأننا لم نلتقِ منذ فترة".
"سمعتُ أنكِ كنتِ مريضة".
"نعم، لكنني تعافيتُ الآن".
وكان قميصه الكتان النظيف وسراويله المكوية بعناية يمنحانه مظهر صاحب الحديقة، أو ضيفاً رفيع المستوى، بدلاً من كونه مجرد عامل بسيط. وبدا كأنه يملك موهبة خاصة في جعل الخادمات يمتثلن لأوامره؛ عبر الدفع لهن بالطبع.
'أو ربما... عبر منحهن شيئاً آخر'.
وإنقبضت أصابع فانيسا لا إرادياً حول حقيبة مخطوطاتها.
وقال وهو يفتح باب الكوخ ويقودها نحو الداخل المظلم: "تفضلي بالدخول".
ووضعت فانيسا الجروة داليا التي كانت تتحرك بحماس أرضاً، وتبعت خطاه. وبدا الكوخ من الداخل تماماً كما تتذكره.
سألها: "شاي؟"
أجابت: "نعم، من فضلك".
ووضع ريفر روس السلة التي أحضرتها على الطاولة، وثبّت الغلاية فوق الموقد الصغير الذي يستخدمه كـمدفأة. وعلى العكس من الرجال الذين تعرفهم، والذين لا يدرون حتى كيف يسخنون الحليب، كان ريفر روس ماهراً ومتقناً لكل شيء. وراحت فانيسا تراقبه وهي تسند ذقنها على يدها.
وأصبحت مشاعرها تجاهه الآن مشوبة بـنوع من اليأس؛ فـبالنسبة لرجل وافق على أن يكون عشيقاً لها، كان موقفه بارداً وفاتراً للغاية.
ففكرت في نفسها: 'ربما تكون معاييري لـكلمة "عشيق" مرتفعة أكثر من اللازم'.
فمنذ البداية، كانت تتوق لشيء يتجاوز مجرد عقد أو اتفاق مكتوب.
**💡 Sweetnoveltime

تعليقات
إرسال تعليق