الفصل (50) Garden of may_حديقة مايو,
"هل تستوعب حقاً حجم العرض والمكانة التي رفضتها؟ والأسوأ من ذلك... هل تقبل بهذا المكان النائي والمعزول في الجنوب كتعويض بديل؟ هذا أمر لا يصدقه عقل ولا يدخل رأس عاقل!"
أجابه الآخر ببرود تام وثبات:
"إذا كان هذا الزواج شرفاً عظيماً ومبهراً كما تراه، فيمكنك أن تأخذه وتتزوجها أنت."
رد إدغار بلهجة ساخرة:
"لو كنتُ أنا من تلقى عرض الزواج هذا من القصر الملكي، لكانت ليدي مارلبورو العزيزة (والدتي) قد لفتني في ورق هدايا وألقتني عند باب الأميرة بنفسها دون تردد!"
"وكنتَ ستوافق على ذلك وأنت في غاية السعادة والامتنان، أليس كذلك؟"
"بالطبع! إنه شرف هائل وفرصة العمر؛ نحن نتحدث عن أميرة ملكية في نهاية المطاف، وفوق هذا كله، هي امرأة جميلة وليست سيئة المظهر أبداً."
وأثناء حديثه عن شكلها ووجهها، قام إدغار بحركة بيده يقلد فيها انحناءات قوام المرأة، وهي حركة تكشف بوضوح عن تفكيره السطحي الذي يركز على المظاهر فقط. في المقابل، لم يحاول ثيودور إخفاء نظرة الاحتقار والازدراء التي يكنها له، وظل ينظر إلى إدغار ببرود وجفاء.
تابع إدغار محاولاً استفزازه وفهم سبب الرفض:
"لو كان لديك طفل سري مخبأ في الخفاء من عشيقة ما، كما تتداول الشائعات وتزعم، لكنتُ على الأقل وجدتُ عذراً وتفهمتُ موقفك. لكن هل تنوي حقاً الاستمرار في الهروب والاختفاء في كل مرة تعود فيها سفينتك إلى الشاطئ؟ هل ستظل هارباً حتى تجبر العائلة المالكة على سحب عرض الزواج تجنباً للإحراج والإهانة؟"
رد ثيودور بهدوء:
"لم أفكر في الأمر من هذه الزاوية، لكنها في الحقيقة ليست خطة سيئة. قد تنجح."
"الملك لن يرحمك، وكان ليأمر بقبرك وإنهاء حياتك فوراً!"
علّق ثيودور بلامبالاة:
"كل هذه العروض والزواج الملكي مجرد بريق زائف على السطح؛ فهذا الارتباط لن يقدم لي أي ميزة أو نفع حقيقي في حياتي."
سأله إدغار بفضول شديد محاولاً حشره في الزاوية:
"إذن، أنت تفعل كل هذا وتخاطر بغضب الملك دون أن يكون لديك حتى عشيقة سرية تختبئ لأجلها؟"
نفد صبر ثيودور وخرج صوته حاداً وبارداً كالثلج:
"هل يجب عليّ الاستماع إلى المزيد من هذا الهراء والكلام الفارغ؟"
ضغط ثيودور بأصابعه على جانبي جبهته (صدغيه) للتخفيف من صداعه وضيق صدره. لكن إدغار لم يتراجع، بل ضيق عينيه وأخذ يدقق النظر في تعابير ثيودور بحذر، ثم تراجع إلى الخلف مستنداً إلى مقعد العربة المريح، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وساخرة.
وقال بصوت خفيض وهو يميل برأسه المصفف بعناية بالمرهم (الجل اللامع):
"الأمر غريب ومريب للغاية... تبدو مختلفاً يا صاحب السمو... هناك شيء ما قد تغير فيك منذ آخر مرة رأيتك فيها."
قاطعه ثيودور بصرامة لينهي هذا التطفل:
"يكفي هذا الكلام الجانبي الذي لا فائدة منه. سلمني المستندات والأوراق فوراً، قبل أن أرسل خطاباً إلى عمي أشرح له فيه بالتفصيل مغامراتك العاطفية وعلاقاتك النسائية."
ضحك إدغار متظاهراً بالخوف وتساءل بخبث:
"يا ترى، ما الذي يمكن أن يكون هذا التغيير الذي طرأ عليك؟"
"إدغار!"
نطق ثيودور باسمه بنبرة تحذيرية أخيرة. وكأن إدغار أدرك أخيراً أن اللعب مع ثيودور قد يصبح خطيراً، فرفع يديه في الهواء علامة على الاستسلام، ثم فتح حقيبته وأخرج منها دفتر شيكات سميكاً ومجموعة من المستندات الرسمية.
أخذ ثيودور الأوراق وبدأ يراجعها ويدقق تفاصيلها بعناية وإتقان شديدين، ووقع على كل مستند منها قبل أن يعيده إلى إدغار.
وبالتوقيع على هذه الأوراق، كانت تلك الأسابيع المملة والمجهدة من المعاملات وحسابات العقارات، خطوط السكك الحديدية، والسفن تقترب أخيراً من نهايتها ويُغلق ستارها. وعلى الأقل، طوال فترة إجازته الحالية وقبل أن تنتهي ويعود لعمله، يفترض أن تسير أملاكه وأعماله بسلاسة ودون أي مشاكل.
تغيرت ملامح إدغار لتصبح جادة على غير العادته، وتفحص الأوراق الموقعة بدقة قبل أن يعيد ترتيبها ويضعها بحرص داخل حقيبته. كان هذا الالتزام والدقة دليلاً مفاجئاً على ذكائه، على عكس طبيعته المستهترة والمتهورة التي يظهرها دائماً أمام الناس. وربما كان تصرفه اللامبالي واستهتاره المعتاد مجرد قناع مدروس وخدعة يتعمد القيام بها لكي يجعل الآخرين يثقون به ويفكون دفاعاتهم وحذرهم أمامه...
قال إدغار وهو يغلق حقيبته:
"سأقوم بإنهاء هذه المعاملات وتوثيقها لتُسلَّم إلى ماركيز وينشستر خلال هذا الأسبوع. ولكن، ألا زلت ترفض إخباري بمكان إقامتك السري الحالي؟"
"نعم، لن أخبرك. فمعرفتك بالمكان لن تجلب سوى المتاعب والفضوليين."
نقر ثيودور بخفة بأصابعه على الخشب الفاصل بين مقصورة الركاب ومقعد السائق في الأمام، ليفهم السائق الإشارة وتبدأ العربة في التحرك مجدداً. كانت هذه العربة التي تجرها الخيول أشبه بقطعة أثرية قديمة، وهي بالطبع أقل سرعة وكفاءة من السيارات الحديثة بمراحل، لكن ثيودور يفضلها لسبب واحد مهم جداً: أنها عادية ولا تلفت الانتباه، مما يضمن له التواري عن الأنظار تماماً.
علق إدغار بنبرة إعجاب:
"إنه لأمر مبهر حقاً كيف نجحت في الاختفاء تماماً وأن تظل غير مرئي في هذا الركن الصغير والمنعزل من الجنوب. الصحفيون ومراسلو الصحف في حالة جنون عارم ويبحثون في كل مكان لالتقاط صورة واحدة لك. أين يمكن أن تكون مختبئاً يا ترى؟"
رد ثيودور بسؤال استنكاري:
"وإذا افترضنا أنني أخبرتك بمكاني؟ هل ستأتي في المرة القادمة وبرفقتك حشد من وسائل الإعلام والصحافة؟"
وضع إدغار يده على صدره متظاهراً بالصدمة:
"هل تعتقد حقاً أنني قد أخون ثقتك وأبيع سرك؟"
"الخيانة والمكر مكتوبان ومكشوفان بالكامل على ملامح وجهك."
ضحك إدغار بصوت عالٍ، وهي ضحكة خبيثة تشبه ضحكات الأشرار في القصص، ومع ذلك، ظلت عيناه حادتين وجادتين ولم تظهر فيهما أي تسلية حقيقية. في تلك اللحظة، شعر ثيودور وكأن كل تلك الاستفزازات والأسئلة الطائشة والمستمرة من إدغار ما هي إلا محاولات ذكية ومدروسة للبحث عن نقطة ضعف في درعه. كان إدغار يشبه الضبع الذي يتشمم الأرجاء بحثاً عن أي ثغرة أو جرح في فريسته، غير مدرك أن كل جهوده ومساعيه بلا جدوى ولن تجلب له أي نتيجة ضد ثيودور.
تباطأت العربة ثم توقفت مرة أخرى، وكان هذه المرة أمام محطة القطار. وإلى جانب سيارة عائلة مارلبورو الفاخرة واللامعة التي كانت تنتظر هناك، كانت تقف امرأة ممشوقة القوام. وجعلت الخطوط الأنيقة والراقية لعنقها الأبيض الناعم، والذي يظهر بوضوح بسبب رفع شعرها بعناية إلى الأعلى، أفكار ثيودور تتوقف وتتذكر فانيسا فوراً.
استقرت أفكاره وتفكيره عند فانيسا للحظة خاطفة، قبل أن يقطع إدغار حبل أفكاره سائلاً:
"هل تود أن تلتقي بها وتتعرف عليها؟"
التفت إليه ثيودور وهو لا يزال مشتت الذهن وقال:
"...ماذا؟"
أشار إدغار نحو المرأة وشرح له:
"إنها الليدي هيلي مورتون، ابنة عائلة مورتون الماركيزية العريقة. أنا أعلم جيداً كم هو عميق انعدام ثقتك في البشر وشكك المستمر في نواياهم، لكنني ظننت أن الليدي هيلي امرأة متميزة وراقية، وربما تكون الشخص المناسب الذي يغير رأيك ونظرتك السوداوية للعالم."

تعليقات
إرسال تعليق