الفصل (38) Garden of may_حديقة مايو,



# 📖 حديقة مايو - الفصل الثامن والثلاثون: وعود الطفولة الباهتة وسكون القصر المهجور

"بفضل الصداقة التي جمعت بين أمهاتنا، كنا معاً منذ أن كنا في المهد. كل تجاربي الأولى كانت معكِ، وكل تجاربكِ الأولى كانت معي".

بدا ملمس يد بلير فوق يدها رطباً، لاذعاً وغير مريح بالمرة. تماماً مثل تلك الوعود التي تبخرت، ومثل الصداقة السطحية التي جمعت والدتيهما وتشتتت بمجرد أن غيبها الموت.

فمنذ أن جُرّ اسم عائلة سومرست في الوحل، عُملت فكرة تزويج الأبناء عندما يكبرون باستهانة شديدة تشبه حذاءً بالياً. ولطالما نظرت مارشيزة وينشستر إليهما بنظرات غير راضية كلما وجدا معاً، كأنها تتساءل في نفسها عما يمكن لـفتاة شابّة أن تتعلمه في كنف عمّ عُرف بفساده وجنونه، وكأنها ترى في فانيسا خطراً قد يفسد ابنها.

تابع بلير هامساً: "أتمنى لو كان بإمكاننا مواصلة العيش بهذه الطريقة، بل وقضاء العطلات معاً أحياناً".

وبينما كانت فانيسا تجلس شاردة ويدها بين يديه، راح يداعب أطراف أصابعها بجرأة، ليمتد دفء أنفاسه إلى نفس البقعة التي لامستها شفاه ريفر روس من قبل.

وجعلها هذا الشعور الغريب تسحب يدها بسرعة، فأطلق ضحكة خفيفة، وكأن رد فعلها العفوي كان تماماً ما يتطلع إليه.

قَطبت روزالين جبينها بضيق من تصرفات شقيقها، لكنها سرعان ما استعادت هدوء ملامحها وقالت متوجهة بحديثها لـفانيسا: "مهما كان قراركِ، فـلستِ مضطرة لتنفيذه الآن. تزوّجي أولاً ثم التحقي بالجامعة كما خططتِ سابقاً، فهذا سيمنحكِ بعض الوقت، إذ يمكنكِ تأجيل واجبات الحياة الزوجية طالما أنكِ تواصلين دراستكِ".

لكن المعضلة الحقيقية كانت تكمن في مدى قبول الكونت رودين بفكرة ارتياد زوجته للجامعة من الأساس، هذا ناهيكِ عن وجود عقبة أكثر واقعية.

علقت فانيسا بنبرة خافتة: "لطالما أردتُ الذهاب إلى الجامعة، لكن الأمر يبدو صعباً في الوقت الحالي؛ إذ يتعين عليّ أولاً توفير تكاليف الدراسة".

سألها بلير مستنكراً: "رسوم الدراسة؟ هل تمازحيننا؟"

أجابت بـثبات: "أنا جادة تماماً يا بلير وينشستر".

"وهل ستتخلين حقاً عن الجامعة لمجرد المال؟"

"لم أقل إنني سأتخلى عنها، بل سأذهب في نهاية المطاف..."

قاطعها بـحدة: "هذا يؤدي إلى النتيجة نفسها".

صمت بلير للحظة قبل أن يرفع رأسه قائلاً: "إذا كنتِ بحاجة إلى المال، فلماذا لا تبحثين عن وظيفة مناسبة؟ معلمة منزلية، موظفة مكتب، أو سكرتيرة... شيء من هذا القبيل. هذا أكثر استقراراً وضماناً من كتابة الروايات ".

اعترضت روزالين بنبرتها المتعالية المعتادة: "بلير، هذا النوع من الأعمال يخص الطبقة العاملة الفقيرة فقط، ووضع فانيسا مختلف تماماً".

وأمام كلمات روزالين، آثرت فانيسا الصمت؛ فنظرة صديقتها للعمل تتطابق تماماً مع نظرة معظم نبلاء إنغرام. فحتى لو كانت الفتاة تنتمي لعائلة منهارة، فإن العمل من أجل "كسب المال" وليس كـهواية، يُعد أمراً مخزياً في عرفهم. فالنبلاء، مهما ساءت أحوالهم، هم من يمنحون الوظائف للآخرين، وليسوا من يشتغلون لدى الغير لقاء أجر.

تابعت روزالين وهي تنظر بازدراء إلى النادل الذي يتحرك بنشاط حاملاً صينيته، ثم التفتت بأناقة نحو فانيسا قائلة: "هي تريد فقط بعض الخبرة الاجتماعية، وليس من العدل مقارنتها بمن يعملون من أجل البقاء، أليس كذلك يا فانيسا؟"

كانت الإجابة في أعماق فانيسا تقول إنها مخطئة تماماً؛ فـفي الحقيقة، كانت تتوق بشدة لـتلك الفرص التي يملكها عامة الشعب. ومع ذلك، أجبرت نفسها على الابتسام وأومأت برأسها قائلة: "بالتأكيد".

ابتسمت روزالين برضا وتناولت ملعقة كبيرة من السوربيه، وفعلت فانيسا الشيء نفسه، لكنها لـمست شفتيها بـاستغراب؛ فقد بدا لها أن السوربيه، الذي كان حلو المذاق قبل قليل، قد فقد كل طعم فجأة.

ومع مرور الأيام وتعمق الفصل، أصبحت زخات المطر أكثر تكراراً. كان هذا هو الوقت الذي يسبق حرارة الصيف الشديدة، حيث تبدأ براعم الزهور الصغيرة بالظهور، معلنة عن حيوية الطبيعة، لـتحل تبدلات جديدة على حدائق قلعة غلوستر.

فقد أصبحت غابات لينوس، المحاذية للحديقة الخلفية، مليئة بـثمار التوت والمشمش والخوخ البري الصغير، وأضافت زهور البرقوق وبراعم التفاح الأخضر الباهت مزيداً من البهجة على هذا الفصل الجديد.

وفتح موظفو القلعة النوافذ التي ظلت مغلقة طوال فصل الربيع بـالكامل لاستقبال هذه النسمات العليلة.

كان يوماً مشمساً على نحو استثنائي، ويشبه أيام منتصف الصيف. وتوقفت أعمال الترميم الخارجية التي بدأت منذ الصباح، نظراً لـعدم قدرة العمال على تحمل حرارة ورطوبة الظهيرة.

وقرر العمال والخدم الذهاب للصيد والسباحة في النهر، وسارعت الخادمات نحو فانيسا بحماس يطلبن الإذن بتأجيل أعمال بعد الظهر لبضع ساعات.

وسألن بـرجاء: "هل تسمحين لنا بذلك يا ليدي؟"

ولم يكن هذا التسيب ليحدث إلا بعد نصف يوم فقط من مغادرة الكونت سومرست نحو العاصمة برفقة كبير الخدم. ورغم أن روزالين استاءت من تصرف الخادمات اللواتي لا يطلبن إذن "السيدة" إلا عندما يردن التهرب من المسؤولية، إلا أن فانيسا وافقت دون تردد.

وقالت: "حسنًا، شريطة ألا تتأخرن في العودة".

"وماذا عن وجبة الغداء؟ كنا نفكر في إعداد بعض الشطائر البسيطة".

"اجعليهن يجهزن بعض الشطائر في سلة ويرسلنها إلى الأعلى، ما يكفي لشخصين أو ثلاثة من فضلكِ".

التفتت روزالين التي كانت تتأمل نفسها في المرآة وهي تقيس قبعتها الجديدة، وقالت بـقلق: "لماذا لا تخرجين معي لـتناول وجبة غداء حقيقية؟ لا تخططي لـجعل تلك الشطائر وجبة لـلعشاء أيضاً". لكن فانيسا هزت كتفيها قائلة:

"سيسي جاءت لرؤيتكِ ورؤية بلير، وستشعر بعدم الارتياح لو كنتُ موجودة".

عقبت روزالين: "إنها مخلصة للغاية، وتكبدت عناء الحضور إلى هنا فقط لرؤيتكم قبل أن تبحر".

"هي تحبكما كثيراً".

"هي طيبة ومثالية أكثر مما يستحقه بلير... إذن، ألن تأتي حقاً؟"

"استمتعي بوقتكِ، وأخبريني بكل التفاصيل عند عودتكِ".

وانتهت استعدادات روزالين بمجرد اختيارها للقبعة المناسبة لثوبها. وبعد أن ودعتها فانيسا عند العربة، وتحملت سلسلة تذكيراتها ونصائحها التي تشبه العتاب اللطيف، خيم سكون عميق ومفاجئ على المكان.

وفي الواقع، أصبح القصر بأكمله هادئاً بشكل مخيف، اندفع الجميع بحماس نحو النهر. وانتقلت نظرات ثيودور من الممر الخالي إلى الحراس الذين يمشطون محيط القصر، وراح يتأمل وجوههم التي لوحتها أشعة الشمس لـلحظات، دون أن يدري بـالضبط عما كان يبحث عنه.

**💡  Sweetnoveltime 




تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة