الفصل (12) Garden of may_حديقة مايو,
## حديقة مايو - الفصل الثاني عشر
* * * نجح بلير —الذي كان مفعمًا بالنشاط والاضطراب منذ الصباح الباكر— في سحبها أخيرًا إلى ملعب التنس. راحت فانيسا تعدل من إمساكها بالمضرب وهي غارقة في أفكارها؛ تذكرت أنها في سن العاشرة كانت تملك روحًا تنافسية عالية، أما الآن، فقد بات الأمر يبدو لها مرهقًا ومستنزفًا للطاقة فحسب.
مسحت بكفها العرق الذي أخذ يتصبب من ذقنها، وشعرت ببلوزتها المبتلة تلتصق ببشرتها بشكل غير مريح. ألقى بلير إليها بزجاجة ماء وقال وعرض عليها قائلًا: "هل تريدين التوقف إن كنتِ متعبة؟"
أومأت فانيسا برأسها موافقة على الفور وبلهفة. وعلى العكس من إنهاكها الشديد، كان بلير يبدو منتعشًا ونشيطًا وكأنه عاد للتو من نزهة خفيفة. وبعد أن أفرغ زجاجة الماء الخاصة به، سلم مضربه لأحد الخدم الواقفين بالقرب منهما وأردف: "لقد كانت روزالين قلقة؛ وأخبرتني أن أجهدكِ في اللعب حتى لا تعود لديكِ القدرة على التفكير في أي شيء آخر".
"آه... لا عجب إذن في أنك كنت ملحًا ومصرًا هكذا..."
"دعنا نذهب إلى الداخل؛ سيكون من المثالي أن تأخذي حمامًا ثم نتناول الغداء في 'باث'. وسأترك لروزالين مهمة الحصول على إذن من عمكِ".
وما إن همت بالموافقة دون تردد، حتى لمحت "ريفر روس" واقفًا بمفرده على الممر المنعزل المؤدي إلى حديقة الورود، بعد أن نجح ببراعة في التملص من سرب الخادمات اللواتي كن يلاحقنه كقرش جائع. ودون تفكير، أفلتت من بين شفتيها قائلة: "انتظر يا بلير".
"لماذا؟"
"تذكرت للتو شيئاً أحتاج لإخبار السيد روس به، ولن يستغرق الأمر طويلاً".
"أهو أمر عاجل؟"
"اذهب أنت أمامي، وسألحق بك سريعاً".
"مهلاً، لا تدفعيني". تظاهر بلير بالتعثر إثر دفعتها الخفيفة له، ثم التفت لينظر إليها بتعبير يحمل الفضول والتساؤل: "لن تتخلي عني وتتركيني لتلتقي برجل آخر، أليس كذلك؟"
"...بلير".
"حسنًا، حسنًا". هز كتفيه بلامبالاة، والتقط زجاجة الماء والمنشفة وغادر الملعب. وما إن تأكدت فانيسا من غياب بلير عن الأنظار، حتى التفتت وبدأت تسير بخطوات سريعة، بينما جعلتها رائحة التبغ النفاذة المنتشرة في الهواء تشعر بتوتر وقلق متزايدين.
'أين ذهب؟ لقد كان هنا قبل بضع لحظات فقط...'
كان الممر المؤدي إلى حديقة الورود مغطى بالأعشاب الضارة والجامحة التي تحجب موضع قدمها، وكانت الأرض طينية وموحلة أثر أمطار هطلت قبل بضعة أيام.
وصلت فانيسا إلى نهاية الممر ببعض الصعوبة، لتواجه بوابة حديدية مغلقة؛ وكان هذا هو المسار الوحيد الذي يربط بين الحديقة الخلفية —حيث يقع ملعب التنس— وحديقة الورود.
لو كان ريفر روس يحاول المغادرة، لكان قد مر بجانبها مرة واحدة على الأقل. وبما أنه لم يفعل...
'فهذا يعني أنه في الداخل'.
تأملت فانيسا الحديقة بعينين حائرتين متضاربتين؛ كانت البوابة مرتفعة للغاية بحيث يصعب تسلقها بتنورتها الطويلة الفضفاضة، كما أن أغصان الورد الميتة والمتشبثة بها جعلت الأمر ينطوي على خطورة. وكانت البوابة تحمل أثار ثلاثة أعوام من الإهمال والتخلي، وهي الفترة ذاتها التي قضتها بعيداً في المدرسة الداخلية.
'لا يمكنني التردد الآن'.
قبضت فانيسا على يديها وكأنها تشحذ عزيمتها؛ فلن يتغير أي شيء إن وقفت في مكانها مترددة. جثت على ركبتيها بسرعة، وأدخلت ذراعها من بين القضبان الحديدية، وأخذت تتحسس الأرض أسفل تمثال مائل.
'لقد تركت المفتاح هنا في مكان ما...'
هل خانتها ذاكرتها منذ أيام الطفولة؟ فمهما امتدت يدها، لم تتمكن من لمس أي شيء معدني. وفي تلك اللحظة، سمعت حفيفاً ووقع خطوات تقترب.
انتصبت واقفة على عجلة وبذعر؛ كان الصوت يقترب أكثر فأكثر، ويتجه نحوها مباشرة. وفي زحمة ارتباكها، داست فانيسا على لوح خشبي غير ثابت دون أن تنتبه له. وانكسر الخشب الرقيق، واندفعت قدمها اليسرى نحو الأسفل.
"آه!" صرخت متألمة وسقطت على الأرض. وسقط وزن جسدها بالكامل فوق كاحلها الملتوي، مما أرسل موجة من الألم المضني واللاذع في أرجاء جسدها.
شهقت فانيسا متألمة وهي تمسك بكاحلها، وتذكرت حينها فقط تحذير رئيس الخدم الصارم بعدم الاقتراب من الحديقة؛ حيث قال إنهم حفروا الأرض من أجل أعمال الكهرباء... ومن السخرية أنها نسيت كل شيء في غمرة سعيها الأعمى نحو هدفها.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بمزيج من البؤس والمهانة وهي مغطاة بالطين، سقط ظل داكن فوقها، كصقيع مفاجئ يجتاح حديقة صيفية: "ما كل هذا؟"
* * * نظر ثيودور —والسيجارة غير المشتعلة تتدلى بين شفتيه— إلى الأسفل نحو المرأة الممددة على الأرض. وشعر فجأة وكأنه تحول إلى شخصية في مسرحية رخيصة ومبتذلة؛ دور لم يكن يرغب فيه، وفُرض عليه على خشبة المسرح رغماً عنه. فالنساء دائماً ما يكنّ على النحو ذاته.
عندما يتواجدن حوله، يسقطن الأشياء من أيديهن، ويضللن طريقهن نحو غرفهن، ويتعثرن فوق أرض مستوية، ويُصبن فجأة بالمرض؛ وكل حادثة تكون درامية ومبتذلة للغاية.
بالطبع، بدا وضع الليدي فانيسا أكثر خطورة من مجرد تمثيل للمرض أو لفت للانتباه؛ فالكاحل الذي ظهر من تحت تنورتها الملطخة بالطين كان يتورم بسرعة ويتحول إلى اللون الأرجواني. ضيّق ثيودور عينيه الباردتين بطبيعتهما، ومد يده لمساعدتها على النهوض، دافعه في ذلك عادته العسكرية في حماية الضعفاء، لا من قبيل اللباقة الأرستقراطية.
"أنت..."
شهقت الليدي فانيسا، وقبضت على ذراعه بيد طينية مبللة. لم تكن قبضتها قوية بشكل خاص، لكنها بدت يائسة، وشبه ضارية: "لدي عرض أقدمه لك، ريفر روس".
Sweetnoveltime ##

تعليقات
إرسال تعليق