الفصل (21) Garden of may_حديقة مايو,
## حديقة مايو - الفصل الحادي والعشرون
* * * 'حتى هذا أيضاً...' غطت فانيسا فمها، وفزعت من أفكارها الخاصة؛ فقد كانت خيالات جامحة لا تليق بوضح النهار.
بالطبع، كانت تعلم أنه لا ينبغي لها التفكير على هذا النحو، ومع ذلك كان عقلها يعيد اللحظة مراراً وتكراراً. تلك اللحظة التي انضغطا فيها معاً، وأنفاسه، ويده التي كانت تداعب عنقها برقة، والنسيج الرقيق لثوبها المتجعد بين يديه، ورغبته الواضحة والقوية التي استشعرتها بكل جوارحها.
'لقد كان ارتعاشاً غريباً، وحضوراً طاغياً لا يُصدق'.
وكلما حاولت جاهدة ألا تفكر في الأمر، ازدادت تلك الأحاسيس وضوحاً وعمقاً في ذهنها. وتحركت أصابعها، التي كانت تداعب شفتيها بتوتر، لتنساب ببطء نحو الأسفل، وترتجف قليلاً وهي تلمس بشرتها الدافئة عند خصرها.
"أنت ستغادر غداً، أليس كذلك؟ هل سنتمكن من الالتقاء هنا في عطلة الصيف المقبلة؟"
"لا، لا يمكننا اللعب معاً بعد الآن يا سيدتي؛ فوالداي يشعران بالقلق".(يشعران بالقلق والخوف من أن يلعب ابنهما البسيط مع طفلة من عائلة أرستقراطية ونبيلة، لأن القوانين والفروق الطبقية في المجتمع القديم كانت صارمة جداً، وخافوا أن يتعرض ابنهم للمشاكل أو العقاب إذا تم اكتشاف أنه يقضي وقته مع ابنة الكونت.)
"لقد كنتَ تعرف من أكون".
وذكريات طفولتهما النقية الصافية، وهما يركضان معاً في أرجاء الحدائق، والغبار يغطيهما؛ ذلك اليوم الذي تكشف فيه سرهما، والارتباك والمفاجأة اللذي صَحب انكشاف هويتهما المخفية.
"لقد التقينا طوال فصل الصيف؛ فكيف لي ألا أعرف؟"
كان وجه الصبي، وهو يجيبها، غائماً ومبهماً على نحو غريب؛ ولعله من الطبيعي ألا يكون دقيقاً بما أنها مجرد ذكرى من أيام الطفولة حين كانا في السادسة أو السابعة من عمرهما. بل ربما كان هذا الحوار مجرد نسج من الخيال، خيال تداخل مع تلافيف الماضي.
لكن ثمة أمر واحد كان مؤكداً: لم يعودا ذلك الصبي وتلك الفتاة البريئين كما كانا في تلك الأيام.
"الليدي فانيسا".
وبدلاً من صورة الصبي الغابرة، كان ريفر روس الحاضر يبدو مألوفاً وغريباً في آن واحد؛ فصوته اللطيف وعيناه الزرقاوان اللامعتان لم يعودا يحملان ذات الراحة والطيبة القديمة، بل غدا رجلاً يفيض بالجاذبية والإثارة بكل المقاييس. طريقته في الحديث، والابتسامة العفوية الساحرة في عينيه، ونبرته الهادئة، والطريقة التي يهتز بها الهواء عندما يضحك، وقوامه المتناسق وهو يتحرك برشاقة تحت أشعة الشمس الدافئة...
أطلقت فانيسا زفيراً مرتعشاً، وانزلقت أكثر مستندة إلى الجدار الذي كانت تتكئ عليه. وتحركت يدها الحائرة ببطء من عند الشريط المعقود عند صدرها نحو الأسفل؛ ومع كل حركة للنسيج، كان ثوبها الطويل يتحرك قليلاً، ليذكرها ملمسه بتلك اللمسات الآسرة.
وضغطت فانيسا بوجنتها الدافئة ببطء على الأرضية الباردة. لم تكن تدري ما الذي تريده تحديداً، أو كيف تطفئ هذه الحرارة المشتعلة في أعماقها... لكنها كانت على يقين بأن هناك خطوة أبعد بانتظارهما حتماً.
"ماذا لو، حتى بعد انقضاء الصيف، لم تملّي من التواجد بالقرب مني؟"
واجتاحها شعور غريب بالخطر والرهبة في اللحظة التي طفت فيها تلك الكلمات على السطح؛ وأفلتت تنهيدة من بين شفتيها المطبقتين خلف كفها بإحكام.
لقد غدا ريفر روس رجلاً بارعاً وفتاناً لدرجة تثير الإعجاب من كل النواحي؛ وهنا تكمن المشكلة الكبرى.
* * * "... وكما ترين يا سيدتي، فإن هذا الغصن الجديد قد نما وتجاوز الحد الذي كان ينبغي له التوقف عنده. ومن الآن فصاعداً، ستستخدم الشجرة العناصر الغذائية التي خزنتها خلال فصلي الشتاء والربيع لإنضاج ثمارها".
أطلقت فانيسا تنهيدة خفيفة، تاركةً شرح البستاني العجوز روس يدخل من أذن ليخرج من الأخرى؛ إذ تشتتت نظراتها لتعود مجدداً نحو الرجل الذي كان مصدرا لاضطرابها. ريفر روس. أصل كل هذا الشتات الفكري، وتجسيد لكل ما يشكل خطراً على وقار السيدة ورزانتها.
"الأغصان الزائدة والنامية على هذا النحو لا تفعل شيئاً سوى استهلاك الغذاء، وتجعل من الصعب على الشجرة حمل الثمار بشكل صحيح؛ لذا، عند التقليم، يجدر بكِ قطع هذا الجزء هكذا..."
والرجل الذي توقعت أن يكون مندفعاً وجامحاً وراء نزواته، كان يتصرف بوقار تام وتهذيب مثالي لعدة أيام متتالية، كأنه كاهن وقور؛ وكأنها هي الوحيدة التي تكابد العناء والاضطراب بمفردها. فلم تكن هناك نظرات مختلسة، ولا لمسات عابرة، ولا وعود هامسة بلقاءات سرية، ولا أي من تلك التبادلات المعتادة بين الحبيبن.
لقد تعاهدا على الإخلاص لبعضهما البعض، ولكنهما لم يكونا حبيبين حقاً في المقام الأول، ولعل هذا الجفاء كان نتيجة طبيعية. وفي حقيقة الأمر، كانت قد هيأت نفسها لعلاقة تقوم على مجرد الانجذاب والتقارب الجسدي البحت لـتحقيق غايتها، لكنها لم تتوقع أبداً هذا المستوى من البرود واللامبالاة من جانبه.
'كان ليكون أمراً جميلاً لو أننا تعرفنا على بعضنا البعض ببطء وبنينا شيئاً من المودة، لكننا لا نملك المتسع من الوقت لمثل هذه العلاقات المتأنية'.
لقد كنا لا نزال في أواخر فصل الربيع، أي في البداية المبكرة جداً لفصل الصيف، ولم تكن الحرارة الحقيقية قد حلت بعد، ومع ذلك كانت فانيسا تشعر باقتراب نهاية الفصل مع كل لحظة تمر؛ وبدا الوقت الذي يتسرب من بين يديها ثميناً، وثميناً، وثميناً للغاية...
"سيدتي".
Sweetnoveltime #

تعليقات
إرسال تعليق