الفصل (30) Garden of may_حديقة مايو,



 * * * "أنا متأثر لأنكِ وجدتِني جديراً بكل هذا الاهتمام".

ومع تلك الكلمات، تحركت المنشفة الرطبة لتزيل بقايا غبار الحديقة العالق بثوبها وأطرافها. ضغطت فانيسا على شفتيها؛ فقد كانت نبرته الماكرة شيئاً، لكن شعور المنشفة وهو يعيد ترتيب مظهرها بهدوء وحزم كان شيئاً آخر... لقد كان يتحكم في زمام الموقف بسهولة بينما تحاول هي استجماع شتات نفسها.

وبدت مذهولة أمام تعابير وجهه الهادئة وهو يهتم بأدق تفاصيل هندامها المبعثر. كتمت فانيسا أنفاسها؛ فقد كانت تعلم يقيناً أنها لو أبدت أي تذمر، فستتلقى منه نظرة معينة تجعلها تبدو متهورة في عينيه، ولعلها كانت تبدو كذلك بالفعل.

التقطت فانيسا أنفاسها، وبالكاد نجحت في كتمان ارتباكها. لم يكن هذا الموقف ليختلف عن الوقوع تحت تأثير تيار عاطفي جارف؛ إذ جعلها مجرد اقترابه الشديد واعية بوجوده بكل جوارحها.

ولحسن الحظ، انتهى ذلك الموقف المربك سريعاً. فبعد أن أزال بعناية آخر آثار الغبار العالقة بثيابها، سحب يده بهدوء واسترخاء مذهل، وقال: "استريحي الآن، ولا تتحركي كثيراً".

جمع الحوض والمنشفة ونهض واقفاُ. وأشارت خطواته المبتعدة إلى أنه ذاهب لإفراغ الماء. كانت طريقته في الاهتمام بها تحمل نوعاً من الرعاية المفرطة، وكأنها مريضة؛ وكان ذلك الإحساس يثير ريبتها وراحتها في آن واحد، رغم أنها لم تكن تشعر بوعكة شديدة اليوم. تمددت فانيسا على الفراش، مستمتعة بالراحة والسكينة الرائعة التي يمنحها لها.

تأخر ريفر روس في العودة، وبدأ النعاس يتسلل إلى جفونها. وبعد أن حدقت طويلاً في السقف، اعتدلت فانيسا في جلستها فجأة؛ وشعرت بأنها قد تغط في نوم عميق إن استسلمت أكثر. أصلحت أزرار بلوزتها بخرق، وحاولت جاهدة كيّ تجاعيد تنورتها بيديها. ولعجزها عن ترتيب شعرها المتشابك، مررت أصابعها بين خصلاته الذهبية كالمشط. كانت تتمنى لو أن هنالك مرآة تساعدها، فتطلعت حولها للحظة تجمع شعرها بين كفيها، ثم استسلمت للأمر الواقع.

وتذكرت دفتر الرسم في نفس اللحظة التي عاد فيها ريفر روس. وبدا أنه قد اغتسل للتو؛ إذ كان عنقه وشعره الداكن مبللين بالماء.

سألها بنبرة هادئة وهو يضع كوباً من الشراب على المكتب: "هل تريدين بعضاً منه؟" وفاحت منه رائحة خشب الصندل الذكية. وكلما رأته وتأملت تفاصيله، شعرت بأنها تعجز عن فهم حقيقته أكثر فأكثر.

فعطره الأنيق، وساعته العسكرية الفاخرة المتروكة بإهمال على الطاولة، وقلم الحبر الثمين... كل تلك الأشياء كانت تدل بوضوح على ذوق باذخ وثمين، ومع ذلك بدا وكأنه يفضل المشروبات البسيطة وسجائر العمال العادية.

'ربما يعامله دوق باتنبرغ بكرم بالغ وسخاء، أو لعله ليس مسرفاً بطبيعته وإنما يتلقى هدايا مستمرة من سيدات الطبقة الراقية'. وأمام ملامحه الوسيمة الجذابة، بدا كل شيء ممكناً وقابلاً للتصديق. هزت فانيسا رأسها لتبعد تلك الأفكار عن مخيلتها.

"لا، شكراً لك. لا أريد أن تفوح مني رائحة الشراب".

"لقد بلغتِ السن القانونية على أي حال".

"هذا صحيح، ولكن... لستُ في المزاج المناسب. هل يمكنني حقاً تصفح دفتر رسوماتكِ؟"

أومأ برأسه موافقاً على الفور أمام سؤالها المتلهف. وبحماس بالرغبة والفضول، حلت فانيسا الخيط الذي يربط الدفتر بعناية. وكان هناك فانوس صغير يضيء عتمة المستودع التي أخذت تزداد شيئاً فشيئاً. وأفلتت منها شهقة إعجاب وانبهار ما إن قلبت الصفحة الأولى.

لقد كانت اللوحة لطائر بحري بديع ذي ذيل طويل؛ وبدت الأجنحة والريش المرسومة بحيوية بالغة، والمنقار المفتوح، والأرجل الممتدة، مذهلة للغاية. وكان التباين بين الخطوط القاسية والتظليل المدمج بدقة يآسر الأنظار. وحتى لعينها غير الخبيرة بالفنون، كان الرسم مبهراً ومثيراً للإعجاب بشكل لا يُصدق.

وتوخت الحذر تماماً لئلا تلطخ الرسم بأصابعها وهي تقلب الصفحة. وكانت الصفحات الخشنة المصفرة، والتي أثرت فيها رطوبة هواء البحر، مليئة بشتى الموضوعات واللوحات: أخطبوط يتسلل بين الصخور، حوت ضخم يشق سطح الماء، ومخلوقات غريبة من أعماق البحار لم ترها من قبل. وحملت إحدى الصفحات رسمة لسمكة قرش تكشر عن أنيابها الحادة وكأنها على وشك الانبثاق من الورقة لتنقض عليها.

وضم الدفتر أيضاً لوحات تجسد البحارة وهم يلفون الحبال الثقيلة ويصونون المدافع الضخمة، وسماء داكنة ملبدة بغيوم العواصف. وسرعان ما تجاوزت فانيسا ببعض الحرج الصفحات التي حملت تخطيطات لرجال البحرية بقوامهم القوي وعضلاتهم المرسومة بتفاصيل دقيقة بارزة.

ومع استمرارها في تقليب الصفحات، بدأت المشاهد تقترب أكثر من اليابسة والحياة اليومية: مرفأ مزدحم بالحركة، رجل ينتظر القطار بملل، امرأة عجوز تخيط الثياب، أم تحتضن طفلها برقة، وعمال يوقدون غلايينهم، وحتى السيد روس، البستاني، وهو يحفر في التربة بهمة. وفي الصفحة الأخيرة تماماً...

'مَن تكون هاته؟'

لم تكن هناك سوى خطوط قليلة وعفوية، وكأن الرسام قد بدأ في تخطيط ملامح وجه جانبي لشخص ما، لكنه لم يكمله ووضعه جانباً قبل أن ينتهي منه.

## sweetnoveltime 

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة