الفصل (55) Garden of may_حديقة مايو,
## رواية حديقة ماي (Garden of May)
### الفصل 55: نقاش الصباح
كانت الكلمات والنقاشات تدور بينهما، وكل فكرة تشغل بالها كانت تجعلها تشعر بمدى تسارع الوقت من حولهما. تلاشت كل الأفكار المشوشة وحل محلها هدوء غريب، وكأن العالم الخارجي قد توقف تماماً خلف أسوار الغرفة.
كانت تعلم، من الناحية المنطقية، أن الوقت قد داهمهما، وأنه يجب عليهما العودة إلى القصر فوراً؛ فربما تكون الخادمة "ماري"، التي أُرسِلت لإيقاظها، قد اكتشفت غيابها بالفعل ووجدت السرير فارغاً. لكن هذا الإدراك ظل مجرد فكرة مجردة بعيدة عن الواقع، ولم تدفعها للتحرك. فكل تفاهم وكل نظرة كانت تبدد مخاوفها وتتركها عائمة في بحر من الطمأنينة.
تغيرت ملامح الغرفة مع هدوء أنفاس فانيسا المترددة، واعتدلت في جلستها وهي تشعر بأن عاصفة الأفكار الطويلة قد انتهت أخيراً لتصل معها إلى لحظة من السلام الداخلي الصامت والمريح.
"نيسا. استيقظي".
كان هناك صوت مألوف ينادي اسمها برقة. أجبرت جفنيها الثقيلين على الانفتاح لتجد ريفير روس واقفاً أمامها. امتدت يده لتلامس وجنتها برفق، موجهاً وجهها نحو عينيه الثاقتين.
"لا تعودي إلى النوم مجدداً. خذي نفساً عميقاً وببطء".
كانت لمسة يده الباردة على بشرتها الدافئة تمنحها شعوراً غريباً بالراحة والهدوء.
سألته بنبرة كسلانة: "ماذا حدث...؟".
أجابها باهتمام: "لقد غلبكِ النعاس فجأة من شدة التعب. سأحضر لكِ شيئاً لترتشفي منه وتستعيدي نشاطكِ. ابقي مكانكِ ولا تتحركي؛ وإلا ستشعرين بالدوار".
وعندما اطمأن إلى أنها استعادت وعيها تماماً، تركها وتحرك ليرتدي سترته، وكان يبدو عليه الهدوء التام والتماسك الشديد، وكأنه لم يبذل أي مجهود يذكر في نقاشات ومشاكل الأمس.
راقبت فانيسا تحركاته وهي ترتدي معطفها، وامتزجت بداخلها مشاعر الضيق الطفولي مع عدم التصديق. بدا وكأنه لم يتأثر بكل ما حدث، بينما كانت هي تشعر بالإرهاق التام، ولا تملك حتى الطاقة الكافية لتنظر إليه بحدة وتظهر عنادها المعتاد.
بدأت تراقبه بنوع من التحدي، بعد أن جُرح كبرياؤها بسبب التناقض الكبير بين حالتها المتعبة وحالته المسترخية القوية. ولكن بينما كانت تراقبه وهي مستندة إلى الأغطية الحريرية، اشتعلت بداخلها شرارة خفيفة من الإعجاب؛ ففي ضوء الصباح الباكر، كانت حركاته تبدو رشيقة ومثيرة للاهتمام. كان يتحرك، ينحني، ويجمع أشياءه بكل خفة، وظهرت قوة ملامحه وجسده بوضوح مع انعكاس أشعة الشمس. وعلى عكس طاقتها المستنفدة، كان جسده ينبض بالحيوية والنشاط، كأنه يملك طاقة لا تنتهي.
وقعت عيناها على ملامحه الهادئة، ثم هبطت نظراتها نحو تفاصيل الغرفة، لتجده يلتفت نحوها فجأة وكأنه شعر بتركيز عينيها عليه. التقت نظراتهما، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وذكية. عدلت فانيسا جلستها بسرعة وأمسكت بالغطاء لترفعه أعلى نحو كتفيها بخجل تظاهرت بأنه برود، بينما ضاقت عيناه بتسلية واضحة، وكأنه يقرأ كل أفكارها ويعرف أنها كانت تتأمله قبل قليل.
وقال بنبرة مازحة: "تبدين جميلة...".
شعرت فانيسا بالارتباك للحظات وضاعت منها الكلمات، ثم أطلقت ضحكة خفيفة ومترددة وقالت: "لقد قلت قبل قليل إن كلام المديح هذا مجرد سخافة لا معنى لها".
رد عليها وهو يبتسم: "إذن استمتعي بها الآن. أنتِ فقط تسمعين صدى كلماتكِ القديمة يعود إليكِ مجدداً".
ارتدى قميصه وتوارى خلف الستار للحظات، ثم عاد ومعه كأس من الماء البارد ووعاء صغير. جلس على حافة السرير بجانبها، ومَد لها الكأس قائلاً: "تفضلي، اشربي هذا".
كان يعاملها برقة شديدة كأنها شخص ضعيف يحتاج للرعاية. أحنت فانيسا رأسها إلى الخلف مطيعة وشربت الماء حتى آخر قطرة. وبمجرد أن انتهت، قام بتعديل الوسائد خلف ظهرها لتستند إليها بارتياح، ثم وضع الوعاء الصغير المليء بالفراولة الصيفية الطازجة في حجرها.
نظرت إلى الوعاء بدهشة وسألت: "فراولة؟ من أين أتيت بهذه في مثل هذا الوقت؟".
أجابها ريفير وهو يمرر أصابعه على طرف شفته السفيرة بتفكير، وهي حركة مألوفة اعتاد فعلها عندما يحاول التركيز أو التفكير في موضوع هام: "لقد أحضر السيد روس سلة كاملة منها في الصباح الباكر".
أومات برأسها وفهمت الأمر وقالت: "آه... هكذا إذن".
*

تعليقات
إرسال تعليق