قيود من حرير أسود -الفصل(9) رهان الدوقة وظلال المجد العائد
بينما كانت خيوط القدر تُغزل بعناية في قصر الدوقة الأم، كان الجانب الآخر من العاصمة يشهد سكوناً من نوع مختلف؛ سكون العمل والمسؤوليات التي لا تنتهي.
داخل مكتبه الفاخر الذي تفوح منه رائحة الورق والتبغ الخفيف، كان **الدوق ثيو كاستيلار** غارقاً بين أكوام من الملفات. بعد قراره الطموح بامتلاك سلسلة فنادق تغطي أركان الإمبراطورية كافة، تحولت حياته إلى حلقة مفرغة من الأرقام والاتفاقيات. بالنسبة لثيو، لم تكن الأيام سوى ساعات روتينية تُقاس بالإنجازات العملية فقط.
كسر الصمت صوت خادمه الوفي "سيباستيان" وهو يخطو بحذر:
"سيدي الدوق، أظن أن برقية قد وصلتكم هذا الصباح."
سأله ثيو دون أن يرفع عينه عن الورقة التي بيده: "من المرسل؟"
"إنها الآنسة راتشيل.. هل تود قراءتها؟"
رد ثيو ببرود قاطع: "لا، فقط ضعها فوق المكتب."
"أهناك شيء آخر؟" أردف ثيو متسائلاً بنبرة توحي برغبته في العودة لعمله.
"نعم سيدي، أرسل السيد انزو يخبرك أنه سيأتي لزيارتك عند نهاية رحلته."
تنهد ثيو بضيق: "قل له أني مشغول."
"لقد أصرّ سيدي، وقال إنه سيزورك ."
"حسناً، فهمت.. اترك الأمر الآن."
سأل سيباستيان بحذر قبل انصرافه: "ماذا عن الدوقة الأم؟ لقد وصلتني أخبار بأنها ستعود اليوم مساءً، وتضمنت الرسالة أنها تحمل معها أخباراً سعيدة."
ارتسمت ابتسامة ساخرة وباردة على شفتي ثيو، ورفع رأسه أخيراً ليقول: "**أخبار سعيدة؟** وما هي الأخبار التي يمكن جلبها من قرية صغيرة ومنسية مثل 'أكوجا'؟"
"إذن سيدي، سأنصرف الآن.. هل ستعود للمنزل اليوم؟ فقد تسأل عنك الدوقة عند وصولها."
أجاب ثيو وهو يغرق مجدداً في أوراقه: "لن آتي اليوم، سأبقى في المكتب.. لدي الكثير لإنهاءه."
على الجانب الآخر من الطريق، كانت عربة الدوقية تشق طريقها بسرعة غير معهودة. لم تستطع **الدوقة مارغريت** تمالك سعادتها؛ كان من المفترض أن تعود غداً، لكن الحلم الذي طال انتظاره بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، مما جعلها تحث الخيول للعودة بأقصى سرعة.
ومع ذلك، كان هناك حملان ثقيلان يرهقان كاهلها:
**الأول**، هو كيفية إقناع حفيدها ثيو بالزواج. كانت تفكر بأسى: "لو كان هذا المكتب امرأة لتزوجها ثيو منذ زمن!". هو يعمل أكثر مما يتنفس، وفي زاوية صغيرة من قلبها، شعرت بذنب طفيف لأنها ستدفع برينا الرقيقة للتعامل مع هذه **الكتلة الجليدية **. لكنها سرعان ما طمأنت نفسها: "مهما اشتد الشتاء وقسوته، لا بد أن تشرق شمس صيفية تذيب كل تلك العوائق".
أما **الأمر الثاني**، فقد كان "كذبتها" بشأن مرضها واقتراب موتها. مارغريت امرأة متزنة، لم يعرف الكذب طريقاً للسانها قط، لكنها رأت أن الموقف يستحق التضحية بأحد مبادئها. كانت تعلم أن رينا ما كانت لتقبل لولا هذا السبب الإنساني، وثيو أيضاً قد يلين أمام رغبتها الأخيرة.
"ربما هي كذبة بيضاء تحمل في طياتها خيراً للجميع"، هكذا هدأت روعها وهي تتطلع نحو أفق العاصمة.
وفي تلك الأثناء، في منزل عائلة بيلوفا المتواضع، كان الجو مشحوناً بالعواطف. نقلت رينا خبر قبولها للعرض، فنزلت الكلمات كالصاعقة على والديها. رغم معارضتهما الشديدة في البداية، إلا أن شيئاً في عيني رينا -تلك النظرة الواثقة والصلبة- جعلهم يصمتون احتراماً لقرارها.
وقفت رينا أمامهما، وأمسكت يدي والدها وقالت بصوت يملؤه الإصرار:
"أمي.. أبي.. حتى لو كان الطريق صعباً، فهو يستحق المجازفة. لا تقلقا عليّ، أنتما تعلمان أنني قوية."
ثم أضافت بافتخار: "أنا ابنة من؟ أنا ابنة فيكتور ومارثا.. ابنة أقوى امرأة وأصلب رجل عرفتهما. لذا، ثقا بي أرجوكما.. سوف أكافح، أشعر في أعماقي أن هذا هو قدري ."
لم يملك الأبوان أمام هذا العنفوان إلا القبول، رغم الغصة التي شعرا بها والقلق الذي كان ينهش قلبيهما من ثقل المسؤولية التي ألقتها ابنتهما على عاتقها الصغير. لقد بدأت الرحلة،
ولم يعد هناك مجال للرجوع.

تعليقات
إرسال تعليق