الفصل (48)

 


كان مكتب الدراسة الواقع في قلب مصنع إريك للأصباغ انعكاساً لشخصيته: منظماً، راقياً، وجاداً.

اصطفت على أحد الجدران رفوف من خشب البلوط المصقول، لم تكن تعرض كتباً، بل زجاجات مملوءة بأصباغ بودرة زاهية. كانت لفافات من الحرير والمخمل المصبوغة ببراعة مرتبة بدقة على طاولة كبيرة، وكان الهواء يحمل رائحة ترابية خفيفة للنيلي وجذور الفوة.

جلس إريك خلف مكتبه الكبير الخالي من الفوضى، وبجانبه وقف "آيدن" بصفته المساعد المهني الدائم. وفي المقابل، جلس الكونت "روبرت"، وهو نبيل بدين ومرح يمتلك تقديراً حقيقياً للجودة.

قال الكونت بصوت يدوّي بالحماس: "يجب أن أقول يا صاحب السمو، لقد أحببتُ حقاً الصبغة الملكية التي حصلتُ عليها منك في المرة الأخيرة. فستان ابنتي لمهرجان الصيف كان يتمتع بأروع وأبهى لمعان، والجميع كان يسأل عنه. شكراً لك يا صاحب السمو".

ابتسم إريك، في إيماءة تدل على سعادته الحقيقية: "يسعدنا دائماً سماع مثل هذه الآراء الإيجابية عن عملنا يا لورد، فهدفنا هو تقديم جودة لا تُضاهى".

تابع روبرت: "بالفعل، بالفعل! وهذا هو بالضبط سبب وجودي هنا مرة أخرى. أحتاج إلى طلبية أخرى؛ فابنتي الكبرى ستتزوج، وأريد أن أقدم لها هدية زفاف تكون حديث المملكة لسنوات قادمة. أود الحصول على لترين من صبغتكم الأرجوانية الملكية المميزة".

انحنى إريك للأمام وتعبيرات وجهه مفكرة: "خيار رائع. ولكن هل لي أن أقدم اقتراحاً؟" توقف قليلاً، مما جعل الكونت ينحني باهتمام، ثم تابع: "ماذا لو حصلتَ على لتر واحد من الأرجواني الملكي، ولتر واحد من صبغتنا الجديدة 'الليلكية'؟ لون مشرق أثيري مقترن بآخر عميق وداكن سيخلق تناقضاً مذهلاً. تخيل موكب الزفاف بأقمشة من كلا الظلين، سيكون أمراً لا يُنسى".

برقت عينا الكونت روبرت: "يا للهول، يا لها من فكرة مذهلة يا صاحب السمو! مثالية!" ثم سأل بابتسامة عريضة: "ما هو السعر لمثل هذه التشكيلة؟"

قال إريك ببساطة وبصوت هادئ: "عشرة آلاف عملة ذهبية".

تلاشت تعابير الكونت المرحة، وارتعش جسده البدين قليلاً من الصدمة: "يا صاحب السمو،" بدأ حديثه وصوته فقد بعضاً من قوته، "اعذرني لقول هذا، ولكن... السعر تضاعف تقريباً منذ مشتراي الأخير".

أجاب إريك بصدق ونبرة منطقية ومباشرة: "للأسف، تكلفة إنتاج صبغتنا الأرجوانية الملكية ارتفعت بشكل ملحوظ؛ فالحلزونات البحرية النادرة التي نستوردها من السواحل الجنوبية أصبح الحصول عليها أصعب بكثير. لذا، اضطررنا لزيادة أسعارنا لتتناسب مع ذلك. إنها مسألة عرض وطلب".

أومأ روبرت ببطء، ووجهه مزيج من الخيبة والتفهم؛ فقد كان رجلاً عاقلاً. وقبل أن يتمكن من الموافقة على السعر الجديد، فُتح باب المكتب بقوة لدرجة أنه ارتطم بالجدار الداخلي.

"هل هذه هي الطريقة التي تدير بها عملك يا صاحب السمو؟"

وقف "جورج بيمبروك" عند المدخل، وجهه محتقن بالغضب وأنفاسه ثقيلة. وخلفه مباشرة كان اثنان من حراس إريك يحاولان منعه.

قال أحد الحراس معتذراً بغزارة: "أنا آسف يا صاحب السمو، لقد كان سريعاً جداً، حاولنا إيقافه".

أشار إريك لهما بالمغادرة دون أن تتغير تعابير وجهه، ثم التفت نحو جورج بابتسامة هادئة وودودة لم تصل إلى عينيه: "وإلى ماذا أدين بفضل زيارتك غير المتوقعة يا لورد جورج؟"

تجاهل جورج انصراف الحراس وخطا داخل الغرفة وجلس بجانب الكونت روبرت المذهول: "أنا هنا للحصول على صبغة أرجوانية لأختي،" أعلن بحدة، "ولكن لم يسعني إلا سماع هذا الارتفاع السخيف في السعر".

بدأ إريك بالنقر بأصابعه برفق على سطح مكتبه المصقول، بإيقاع بطيء ومتعمد. نظر آيدن إلى جورج، وإلى أسلوبه غير الرسمي والمفتقر للاحترام الذي يتحدث به مع الدوق، وتصلب جسده بعدم رضا.

أجاب إريك بسلاسة: "بالطبع. وكما كنت أشرح للكونت، ارتفعت تكلفة الإنتاج، لذا يجب أن يرتفع سعر البيع أيضاً. أم أنك تتوقع مني أن أدير جمعية خيرية وأتحمل الخسائر يا لورد؟"

بادل جورج ابتسامة إريك بأخرى متحدية: "بالطبع سيرتفع سعر البيع يا صاحب السمو، ولكن بالتأكيد ليس بهذا الهامش. لا يمكنك ببساطة استغلال الناس والمبالغة في الأسعار لأنك نبيل رفيع المستوى وصاحب عمل ناجح".

لم يستطع آيدن البقاء صامتاً أكثر: "لورد جورج،" قاطعه بصوت حاد وبارد، "هذه كلمات قوية جداً ولا أساس لها من الصحة".

رفع إريك يده ليُسكت مساعده، وسأل جورج بهدوء: "إذا لم أتمكن من إدارة عملي بالطريقة التي أراها مناسبة، فلماذا يجب أن أكون المالك؟"

عند رؤية التوتر المتصاعد، حاول الكونت روبرت لعب دور صانع السلام: "بخصوص العشرة آلاف عملة ذهبية، سأرسل..."

لكن جورج قاطعه، وكان تركيزه منصباً بالكامل على إريك: "إذاً، صوت الزبون لا قيمة له عندك؟ هل تشكك في حكم زبون وفيّ؟"

تلاشت ابتسامة إريك الهادئة أخيراً: "نعم،" أجاب بصوت فاتر، "وخاصة حكمك أنت يا لورد جورج". بدا جورج مصدوماً، فتابع إريك بصوت لا يزال منخفضاً ولكن مشوباً بالجليد: "أنت لا تستطيع حتى تمييز ما إذا كانت المرأة صالحة ووفية أم لا، فلماذا يجب أن أثق في حكمك على أسعار أصباغي؟"

خيمت هذه الإهانة الشخصية الحادة وغير المتوقعة على الأجواء. هرع آيدن فوراً إلى جانب الكونت روبرت، وساعد الرجل المرتبك على النهوض: "يا لورد، من فضلك اتبعني، لننهي إجراءات طلبيتك في مكتبي الخاص".

تمتم روبرت وهو ينظر تارة إلى وجه إريك البارد وتارة إلى وجه جورج المصدوم: "ولـ- لكنني لم أنتهِ من..."

تابع آيدن وهو يقود الكونت نحو الباب: "صاحب السمو أصبح مشغولاً جداً فجأة، سأتولى أنا الأمر من هنا".

سمح روبرت لنفسه بأن يُقاد للخارج، وأُغلق الباب خلفهما، تاركاً إريك وجورج وحدهما في المكتب الذي ساده الصمت الآن. استرخى إريك في كرسيه ووضع قدماً فوق الأخرى، في مظهر ينم عن الراحة التامة.

قال إريك بصوت يقطر ازدراءً: "توقف عن اختلاق الأعذار بشأن شراء الأصباغ وقل ما تريد قوله حقاً يا لورد جورج. فليس الأمر وكأنك تملك المال للقيام بمثل هذا الشراء على أية حال".

أخذ جورج نفساً طويلاً وعميقاً، متجرعاً الإهانة ومحاولاً الحفاظ على رباطة جأشه، ثم زفر وأجاب: "أنت رجل محترم يا صاحب السمو، أو هكذا ظننت. لكن الطمع في خطيبة رجل آخر... هو قمة انعدام المروءة. ألا تعتقد أنك تماديت كثيراً؟"

عدل إريك وضعيته قليلاً، متظاهراً بالتفكير العميق: "أعتقد،" قال ببرود، "أنني وصلت إلى الساحة بعد أن تم التخلي عنك يا لورد جورج. لم تكن هناك خطيبة لأطمع فيها".

أصر جورج وصوته يرتفع: "لا! أنا وديليا كنا ببساطة نأخذ استراحة! لنفكر في الأمور!"

قال إريك بهز كتفيه: "وديليا فكرت في الأمور، ثم اتخذت قرارها".

قال جورج واليأس يتسلل إلى صوته: "هي لا تعني ذلك!"

نظر إليه إريك بفضول حقيقي: "هل كنت حقاً تعرفها جيداً؟"

أجاب جورج بثقة: "أعرف كم كانت تحبني، ولكم من الوقت. أعرف أنها مستاءة فقط الآن، وأنا أحاول وضع كل شيء تحت السيطرة!"

ارتمست ابتسامة شفقة صغيرة على شفتي إريك أمام غباء جورج المذهل.

تابع جورج محاولاً أن يبدو متعاطفاً: "أنا آسف لأنك تُستغل في لعبتها الصغيرة يا صاحب السمو".

أجاب إريك ببساطة: "لا يهمني".

فاجأ هذا الرد الصريح والصادق جورج: "ماذا؟"

انحنى إريك للأمام، واختفى قناعه الودي تماماً، وأصبحت تعبيراته الآن تتسم بالجدية القاتلة: "أنا غارق في حبها لدرجة أنني لا أهتم إذا كنتُ أُستغل. في الواقع،" قال بصوت انخفض إلى همس مكثف وعميق، "إنه لشرف لي أن تستغلني هي".

سقط فم جورج قليلاً من الصدمة.

تابع إريك ونظرته ثابتة: "أنا أمقت سماع اسمها الجميل يخرج من فم رجل آخر. هذا يجعلني أرغب في القيام بأشياء... غير معقولة. يمكنني قطع لسانك وكوي شفتيك لإغلاقهما حتى لا تتمكن من نطق اسمها مرة أخرى أبداً".

استحوذت قبضة باردة من الخوف على جورج؛ فهذا لم يكن النبيل الهادئ والمنطقي الذي كان ينوي مواجهته.

ثم، وبسرعة كما ظهرت، اختفت تلك النظرة المهددة. ابتسم إريك وعادت تعبيراته الودودة: "لكن هذا هو الحب، أليس كذلك؟" قال ببهجة: "أنا متأكد أنك شعرت بهذا النوع من الشغف أيضاً".

حاول جورج، الذي فقد توازنه، العودة إلى نقطته: "ماذا تخطط أن تفعل مع ديليا؟"

سأل إريك متظاهراً بالبراءة: "ماذا تقصد؟ واجباتي كزوج لها بالطبع". وبدأ يعدها على أصابعه، وصوته يملؤه الآن صدق عميق وثابت: "أحبها. أثق بها. أقف بجانبها. أحميها. وأمنحها الحرية والحياة التي تستحقها بجدارة".

كانت كل كلمة بمثابة ضربة لغرور جورج، وشعر بموجة ساخنة من الخزي تغمره عندما أدرك أنه طوال السنوات التي قضاها مع ديليا، لم يمنحها ولو واحداً من تلك الأشياء.






تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة