قيود من حرير أسود- الفصل(17)- اليوم الاول في منزل كاستيلار-

 



استيقظت رينا على شعور غريب بالاتساع؛ لم تكن تلك غرفتها الدافئة، ولم يكن هذا سقفها الذي تعرف شقوقه جيدًا. تنهدت وهي تبعد الغطاء الحريري الثقيل الذي شعرت أنه يكبّل أنفاسها أكثر مما يدفئها. نظرت إلى الساعة، لقد حان الوقت لبداية عهد جديد، ليس كابنة لعائلة "ميلوفا" فحسب، بل كفرد في هذا القصر البارد المسمى "كاستيلار".

ما إن تحركت رينا من سريرها حتى سمعت طرقًا خفيفًا ومنتظمًا على الباب. دخلت مجموعة من الخادمات بخطوات محسوبة، يترأسهنّ الخادمة المسؤولة عن جناحها.

— "صباح الخير يا دوقة، نحن هنا لمساعدتكِ في التجهز."

شعرت رينا بالارتباك؛ فهي لم تعتد على وجود هذا الكم من البشر حولها أثناء غسل وجهها أو تصفيف شعرها. حاولت الاعتراض بلطف:

— "شكراً لكنّ، يمكنني القيام بذلك بنفسي.."

لكن الرد جاء بابتسامة مهذبة وقاطعة: "هذا واجبنا، الدوقة الأم شددت على أن تحظي بكل العناية."

استسلمت رينا لتلك الطقوس، وبينما كانت الخادمات يسرحن شعرها الطويل، كانت عيناها تتأملان الزخارف على المرآة. لم تكن ترى انعكاس دوقة، بل كانت ترى "مقاتلة" تستعد لخوض معركة صامتة لاستعادة كرامة عائلتها.

بعد الإفطار الذي تناولته وحيدة في قاعة الطعام الضخمة (والتي شعرت فيها أن صوت اصطدام الملعقة بالطبق يتردد صداه كقذيفة)، قررت رينا ألا تظل حبيسة الجدران. خرجت لاستكشاف أروقة القصر.

كان القصر أشبه بمتحف حي؛ لوحات لأسلاف عائلة كاستيلار بنظراتهم الصارمة، ودروع حربية تلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من النوافذ العالية. كل شيء هنا كان يهمس بكلمة واحدة: "السلطة".

مشيت في الممرات الطويلة، وكانت تلاحظ نظرات الخدم الفضولية والمترددة. هم لم يعرفوا كيف يتعاملون معها بعد؛ فهي زوجة الدوق الذي لم يحضر زفافه، وهي سليلة عائلة "ميلوفا" التي يحيط بها الجدل. حافظت رينا على هدوئها، رأسها مرفوع بوقار فطري، ولم تغب عن بالها فكرتها الأساسية: أحتاج إلى خريطة لهذا المكان، ليس فقط للجدران، بل للعقول التي تديره.

أثناء توجهها نحو الحديقة الخلفية، استنشقت رينا الهواء بعمق، محاولةً البحث عن رائحة "نسيم أكوجا" الذي اشتاقت إليه ليلة البارحة. شعرت بروحها ترتد اليها، الا ان الحديقة  لم تكن مجرد حديقة عادية مثل التي اعتادة على رؤيتها، بل كانت غابة مصغرة تم ترويضها بيد فنان؛ أشجار السرو العالية تصطف كحراس أشداء، وزهور الأوركيد والياسمين تنشر عبيراً يختلط برائحة الأرض الندية، وممرات حجرية متعرجة تغري المرء بالضياع في تفاصيلها. كانت النوافير الرخامية تطلق سيمفونية مائية هادئة تكسر حدة الصمت الذي يغلف القصر.

​وبينما كانت تتوغل في جهة أكثر هدوءاً من الحديقة، استوقفها مبنى راقٍ ومنعزل، يبتعد قليلاً عن صخب القصر الرئيسي ليغرق في صمت الحديقة المهيب. كان بناءً صغيراً من الحجر الأبيض والرخام، يتميز بتصميم كلاسيكي رفيع يعكس ذوقاً صارماً وميالاً للوحدة. نوافذه الطولية المغلقة بستائر ثقيلة، وبابه الخشبي المنحوت بدقة، منحه مظهراً يوحي بالخصوصية المطلقة والوقار.

​اندفعت رينا بفضولها الطبيعي نحوه، لكن خادمتها التي كانت تتبعها بضع خطوات قاطعتها بنبرة ملؤها الحذر:

— "سيدتي.. المعذرة، لكن هذا المكان محظور الدخول إليه."

​توقفت رينا والتفتت باستغراب:

— "محظور؟ ولماذا؟ إنه يبدو جميلاً وهادئاً."

— "هذا هو المبنى الخاص بالدوق، يا دوقة. لا يُسمح لأحد بالدخول إلا للخادمة المكلفة بالتنظيف، وسيباستيان مساعد الدوق الشخصي."

​ارتسمت علامات التعجب على وجه رينا. فكرت في سرها: "حتى الحديقة مقسمة؟ كل شيء حول هذا الدوق الذي لم أرَ وجهه بعد يبدو غامضاً ومحاطاً بالأسوار.. هل هو رجل أم شبح يسكن هذا القصر؟"

​لم ترغب رينا في إثارة المشاكل في يومها الأول، فقالت بهدوء:

— "حسناً، إذن هل توجد مكتبة هنا؟ أحتاج لبعض الكتب."

— "بالطبع يا دوقةسأرشدكِ إليها فوراً."

​عندما فُتحت الأبواب الخشبية الضخمة للمكتبة، شعرت رينا بأنفاسها تُسلب. لم تكن مجرد غرفة للكتب، بل كانت معبداً للمعرفة.

 كانت الرفوف المصنوعة من خشب البلوط الداكن ترتفع لتلامس السقف الشاهق، مرصوصة بآلاف المجلدات ذات الأغلفة الجلدية المذهبة التي تفوح منها رائحة الورق العتيق والحكمة.

 سلالم خشبية لولبية تمتد لتصل إلى الطوابق العلوية من الرفوف، وشرفات داخلية تطل على القاعة الرئيسية.

ثريات ضخمة من الكريستال تتدلى من سقف مزين بلوحة جدارية تمثل "آلهة الحكمة"، بينما كانت النوافذ الطولية تسمح لخيوط الشمس الذهبية بالانعكاس على الطاولات الرخامية المخصصة للقراءة.

كان هناك صمت مقدس يسيطر على المكان، يتخلله فقط صوت تكتكة ساعة حائط قديمة. في الزاوية، كان هناك موقد دافئ يحيط به مقاعد مخملية مريحة، مما يجعل المكان يبدو وكأنه واحة من الدفء في قلب القصر البارد.

​مررت رينا أصابعها على ظهور الكتب، وشعرت لأول مرة منذ وصولها بشيء من الألفة. هنا، بين هذه الصفحات، يمكنها أن تجد المساحة التي طالما حلمت بها لتخطط لمستقبلها بعيداً عن أعين الدوق الغامض.

بقية اليوم قضته رينا في القراءة، لكن عقلها كان معلقاً بالمعهد. كانت تنتظر خبراً، إشارة، أي شيء يثبت أن الدوقة الأم قد نفذت وعدها بشأن عملها  أستاذة مشرفة على قسم الابحاث. لم تكن تريد المجوهرات ولا الفساتين التي بدأت الخادمات بعرضها عليها، كانت تريد فقط "مكتباً" و"أوراقاً" وهدفاً تعيش لأجله.

حلّ الظلام وانسدل ستاره على القصر، وحان موعد العشاء الملكي. كانت مارغريت تشعر ببعض الذنب لأنها قضت جلّ وقتها في  بعيداً عن رينا في حين انه يومها الأول، لذا بادرت بالاعتذار برقة فور جلوسهما:

— "أعتذر منكِ عزيزتي.. لقد خرجتُ منذ الصباح الباكر ولم أعد إلا متأخرة، وكان الواجب يقتضي أن أبقى بجانبكِ في يومي الأول."

ابتسمت رينا بتفهم وأجابت بصوت دافئ:

— "لا عليكِ يا جدتي، لم أشعر بالملل وتسلّيتِ باستكشاف المكان."

ردت رينا بعينين تلمعان: "كل شيء كان مبهراً حقاً، لكن المكتبة.. المكتبة كانت عالماً آخر تماماً!"

قالت الجدة وهي ترتشف من حسائها: "هذا يثلج صدري. لن يطول انتظاركِ كثيراً، سيبدأ عملكِ قريباً. لقد تحدثتُ مع المدير وقال إنه سيباشر الإجراءات فوراً."

تجمدت رينا للحظة، ودار في خلدها سؤال مقلق: *"هل هو ذلك المدير الفظ الذي قابلته من قبل؟"* قطعت مارغريت حبل أفكارها بنبرة أكثر جدية:

— "رينا، اسمعيني جيداً.. خبر الزواج سينتشر كالنار في الهشيم. سيسعى كل النبلاء للتعرف عليكِ، بعضهم لكسب ودكِ والبعض الآخر لمحاولة إسقاطكِ. لذا، يجب أن تكوني قوية."

أجابت رينا بثبات وثقة: "لا تقلقي يا جدتي، لقد عزمتُ على إكمال هذا الطريق مهما كانت الصعاب." ثم أردفت باهتمام: "وكيف هي صحتكِ الآن؟"

— "إنها بخير يا عزيزتي، لا تقلقي."

— "هذا مطمئن حقاً.. هل نشرب بعض الشاي بعد الانتهاء من العشاء؟"

— "بالطبع، سيكون ذلك رائعاً."

انتقلتا إلى غرفة المعيشة الدافئة، وبينما كان بخار الشاي يتصاعد في الأجواء الهادئة، شعرت رينا أن هناك سؤالاً يلح عليها. ترددت قليلاً ثم قالت بصوت خفيض:

— "جدتي.. أريد سؤالكِ شيئاً، لكنني لا أعرف إن كان مسموحاً لي.."

ردت الدوقة بلطف: "بالطبع، لقد أصبحتِ الآن جزءاً من هذه العائلة."

تشجعت رينا وسألت: "إذن.. هل يمكنكِ أن تحدثيني عن والدي الدوق؟ وكيف انتهى بكِ الأمر وحدكِ هنا في القصر؟"

فجأة، ساد صمت ثقيل ومطبق. تحولت ملامح الدوقة مارغريت في لحظة؛ اختفت الابتسامة وحلّ مكانها حزن عميق ويأس بدا وكأنه جرح قديم لم يندمل قط. نظرت بعيداً، وكأنها تسترجع ذكريات مؤلمة لا تقوى على وصفها بالكلمات.

نطقت أخيراً بصوت متهدج:

— "**لستُ جاهزة الآن يا عزيزتي.. أعطيني بعض الوقت.**"

ارتبكت رينا وشعرت بأسف شديد:

— "أنا أسفة جداً! حقاً أنا أسفة إذا كنتُ قد تجاوزت حدودي بهذا السؤال."

أجابت الجدة وهي تحاول استجماع شتات نفسها: "لا.. إنه شيء يجب أن تعلميه بما أنكِ أصبحتِ من آل كاستيلار، لكن.. عندما يحين الوقت المناسب فقط."

أطرقت رينا برأسها قائلة: "حسناً يا جدتي.. شكراً لكِ."

كان هذا الرد كافياً ليدرك الجميع أن خلف أسوار "كاستيلار" الفخمة، تكمن مأساة لا تزال بقعها الحمراء تلطخ تاريخ العائلة، مأساة يمنع البروتوكول الحديث عنها، لكن الحزن الذي يسكن عيني الجدة كان ينطق بكل التفاصيل المحظورة.











تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة