قيود من حرير أسود الفصل 14 -أصداء الخطى الاولى (2)



توقفت العربة أخيراً، ليعلن توقفها بداية حياة جديدة. فتح الحراس الأبواب بهيبة، وترجل سيباستيان أولاً ليمد يده لـ "رينا" بوقار ارستقراطي. حين وطأت قدماها الأرض، تجمدت أنفاسها؛ لم يكن هناك شخص أو اثنان في استقبالها، بل اصطف الخدم في طابورين طويلين يمتدان من مدخل القصر حتى حافة العربة، محنين رؤوسهم في صمت مهيب يليق بملكة.

في نهاية هذا الطابور ، وقفت الدوقة الأم بهيبتها الطاغية، لكن ملامحها انفرجت عن ابتسامة دافئة ما إن رأت "رينا". تقدمت نحوها بخطى واثقة وضمت يديها بحنان:

— "أهلاً بكِ يا عزيزتي في منزلكِ الجديد. أخبريني، هل كانت الرحلة طويلة ومرهقة عليكِ؟"

أجابت رينا بصوت رقيق، وهي تحاول الحفاظ على ثباتها أمام كل تلك العيون:

— "لقد كانت رحلة طيبة يا حضرة الدوقة، ولم أشعر بتعبها بفضل عناية السيد سيباستيان ولباقته."

أومأت الدوقة برضا، ثم أشارت ببراعة نحو شخصين يقفان خلفها:

— "هذا جون، رئيس طهاتنا المبدع، وهذه فيوليت، رئيسة الخدم والمسؤولة عن شؤون القصر. رينا، أريدكِ أن تلجئي إليهما في كل ما يخص احتياجاتكِ؛ جون سيهتم بذوقكِ في الطعام، فإذا كنتِ تملكين حساسية من شيء ما أو تفضلين أصنافاً معينة، فهو رهن إشارتكِ. وفيوليت ستتكفل بكل ما يخص راحتكِ اليومية."

دلفتا إلى الداخل، وللوهلة الأولى، شعرت رينا أنها دخلت متحفاً لا منزلاً. كان البهو واسعاً بدرجة مرعبة، تتوسطه نافورة رخامية ينبثق منها الماء بلحن عذب، وتحيط بها حدائق داخلية صغيرة تزدحم بزهور نادرة تفتحت بكل ألوان القوس قزح، فملأت المكان بعطرٍ يسكر الحواس.

قالت الدوقة وهي تلاحظ ذهولها:

— "أظنكِ متعبة الآن يا عزيزتي. اذهبي إلى غرفتكِ لتنالي قسطاً من الراحة، وعندما يحين الوقت المناسب، سأطلب حضوركِ."

ارتبكت رينا قليلاً وقالت: "حسناً يا حضرة الدوقة

 "رينا أصبحنا عائلة لٱن لا عبارات تشريفية ولا تكليف   . ناديني بجدتي "، فصححت بابتسامة عذبة: "أعني.. حسناً يا جدتي."

ابتسمت الدوقة الأم بحبور وقالت: "هذا أفضل كثيراً. وإن لم تعجبكِ الغرفة، فسنقوم بتبديلها فوراً، فقط أخبرينا."

— "شكراً لاهتمامكِ يا جدتي، هذا كرمٌ كبير."

بدأت رينا صعود السلالم الرخامية العريضة المفروشة بسجاد أحمر قاني، ممتدٍ كطريقٍ لا ينتهي. كان الدرج طويلاً لدرجة تجعل الأنفاس تتسارع، وفي نهايته امتد رواق فسيح تصطف على جانبيه أبواب ضخمة ومنقوشة. ظنت رينا في البداية أن القصر يمتلئ بالزوار، قبل أن تدرك أن هذه كلها أجنحة تابعة للعائلة.

توقفت الخادمة أمام باب مذهب وفتحته بهدوء، لتتراجع رينا خطوة من شدة الصدمة.

— "تفضلي يا سيدتي، هذه هي غرفتكِ. إذا احتجتِ لأي شيء، فقط دقي هذا الجرس الصغير، وستجدين خادمة واقفة خلف الباب بانتظار أوامركِ في أي لحظة."

سألت رينا بذهول: "واقفة خلف الباب؟ طوال الوقت؟"

أجابت الخادمة بأدب: "نعم سيدتي، نحن هنا لخدمتكِ على مدار الساعة. سأنصرف الآن."

بقيت رينا وحدها في تلك الغرفة التي تفوق غرف الملكات. كان المزيج بين اللونين الأبيض والذهبي يمنح المكان فخامة باذخة. مكتب من خشب الأبنوس، أريكة مخملية تسع قبيلة كاملة، وسرير.. يا إلهي، كان السرير ضخماً لدرجة أنه قد يتسع لأربعة أشخاص دفعة واحدة!

استكشفت الحمام الذي كان يلمع بالرخام والمرايا المؤطرة بالذهب، ثم اتجهت نحو الخزانة الكبيرة. حين فتحتها، وجدت صفوفاً من الفساتين المصممة من أغلى الأقمشة، وأحذية بكل الألوان والأنماط. كانت جميلة جداً، بل ربما "أجمل مما ينبغي"، لدرجة أنها شعرت بغربة تجاهها؛ فذوقها كان أبسط بكثير من هذا البذخ.

تنهدت بعمق: *"هل سأرتدي هذه الأشياء حقاً؟ إن مجرد التفكير في ذلك يرهقني."*

جذب انتباهها ضوء الشمس المتسلل من الشرفة، فاتجهت نحوها. كانت الشرفة واسعة تطل على المساحات الخضراء والحدائق المنسقة، حيث بدت الزهور من الأعلى كلوحة فنية مرسومة بعناية.

فكرت في نفسها بابتسامة خفيفة: *"على الأقل، سيكون هذا مكاناً مثالياً للرسم.. الضوء هنا مثالي."*

## لكن ثقل الأجواء وتعب الطريق بدأ يتسلل إلى جسدها. لم تعد قادرة على التفكير في ثيودور، أو في الملابس، أو في حياتها الغامضة القادمة. ارتمت على السرير الوثير، واستسلمت لنومٍ عميق، هرباً من واقعٍ صار أكثر خيالاً من قصصها التي تترجمها.

في الجانب الآخر من القصر، حيث يسود الصمت المطبق ولا يُسمع سوى صرير الأقلام، كان "ثيودور كاستيلار" يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الجوز الداكن. لم تكن ملامحه تشي بأي احتفال، بل كان غارقاً في أكوام من الأوراق والخرائط كما العادة.

دخل سيباستيان المكتب بخطى هادئة، واضعاً ملف عقد الزواج الرسمي على الطاولة.

— "دوق، لقد وصلت الآنسة رينا وهي الآن ترتاح في جناحها. مراسم التوقيع ستبدأ بعد قليل، والجميع بانتظار حضورك لإضفاء الشرعية على العقد."

لم يرفع ثيودور رأسه، بل ظل يوقع على مجموعة من التصاريح العسكرية العاجلة. وبنبرة خالية من أي مشاعر، قال:

— "لن أحضر. أرسل الأوراق مع أحد الخدم إلى جناحها لتوقع عليها، ثم أحضرها إليّ هنا لأضع ختمي او سأوقع الأن وينتهي الامر  ."

تسمر سيباستيان في مكانه، واتسعت عيناه ذهولاً:

— "كيف ذلك يا دوق؟ إنه عقد زواجك! الدوقة الأم بذلت جهداً هائلاً لتنظيم هذا المساء، والآنسة رينا.. إنها المرة الأولى التي تلتقي فيها بعائلة كاستيلار رسمياً. لا يمكن التغاضي عن بروتوكول كهذا."

توقف قلم ثيودور فجأة. رفع رأسه لتلتقي عيناه الباردتان كالنصل بعيني سيباستيان، وقال بصرامة:

— "لقد حدثت مشكلة في المناجم الشمالية؛ هناك تمرد وشيك بسبب تأخر الإمدادات، وثغرة قانونية قد تجعل بعض الطامعين يضعون يدهم على أراضي كاستيلار إذا لم أحل هذا النزاع الورقي الآن. أنت تعرف جيداً أن هذا الأمر لا يحتمل التأجيل، وأنا الوحيد القادر على صياغة هذا الرد وإيقاف الكارثة."

حاول سيباستيان الاعتراض مجدداً:

— "لكن يا دوق، الغياب في ليلة كهذه سيعتبر إهانة مباشرة للعروس ولعائلتها.."

قاطعه ثيودور وهو يعيد بصره للأوراق:

— "اذهب أنت يا سيباستيان. أخبرهم بأي عذر، أو لا تخبرهم بشيء. الزواج بالنسبة لي هو تأمين لمستقبل الدوقية، وليس نزهة عاطفية. اذهب الآن."

انحنى سيباستيان بمرارة، وحمل الملف بقلب مثقل. خرج من المكتب وهو يشعر بمقدار فظاعة الموقف؛ كان يتخيل وجه رينا الرقيق، وتلك الابتسامة الخجولة التي رأتها في العربة، وكيف ستنطفئ بمجرد أن تدرك أن زوجها لم يكلف نفسه عناء السير لبضعة أمتار ليوقع بجانب اسمها.

أحس بشفقة عميقة تنهش صدره، وتمتم في نفسه وهو يسير في الرواق المظلم: *"مسكينة أيتها الآنسة رينا.. لقد دخلتِ قصراً من الذهب، لكنكِ اصطدمتِ قلبٍ من حجر."*


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة