قيود من حرير أسود - الفصل (15)- أصداء الخطى الاولى (3)

 


استيقظت رينا من غفوتها القصيرة، ولم تكن ملامحها تشي بأي اضطراب. نظرت إلى سقف الغرفة الشاهق، وبدلاً من أن تشعر بالضياع وسط فخامته، بدأت عيناها تحللان المساحة بعقلية عملية؛ أين ستضع منضدة الرسم؟ وأين ستصطف كتبها؟

قطع خلوتها طرقٌ وقور على الباب. دخلت "فيوليت" وخلفها "سيباستيان"، يحملان ذلك الملف الجلدي الذي يضم عقد الزواج. كان سيباستيان يتقدم بخطوات ثقيلة، ملامحه تحمل أسفاً لم يستطع مداراته، وهو ما جعل رينا تدرك الموقف قبل أن ينطق بكلمة.

— "الآنسة رينا.."، بدأ سيباستيان بصوتٍ خفيض، "الدوق ثيودور يرسل اعتذاره. هناك أزمة طارئة في المناجم الشمالية استدعت بقاءه في مكتبه لإنهاء بعض المراسلات السيادية. لقد وقّع على العقد هناك، وطلب منا إحضاره إليكِ لتوقيعه."

ساد صمتٌ قصير. راقب سيباستيان وجه رينا، متوقعاً أن يرى انكساراً في عينيها، أو ربما رعشة في يديها. لكن رينا، وبحركة واثقة، نهضت من مكانها وتوجهت نحو المكتب بوقار فاجأ الجميع. لم تسأل "لماذا لم يأتِ؟" ولم تشتكِ من غيابه في ليلة كهذه.

التفتت نحو سيباستيان بابتسامة هادئة، مشوبة ببرودٍ يضاهي برود سيد القصر نفسه:

— "أزمة في المناجم؟ يبدو أن الدوق رجلٌ يقدس مسؤولياته، وهذا أمرٌ يثير الاحترام. في الواقع سيد سيباستيان، هذا يوفر علينا الكثير من الوقت الذي كان سيُهدر في مراسم رسمية لا طائل منها."

أمسكت القلم المذهب، وبحركة رشيقة وخطٍ ثابت لا يرتجف، وقعت اسمها بجانب توقيع ثيودور الحاد. أغلقت الملف بيدها وقالت بلهجة عملية:

— "بما أن الدوق اختار المكتب مكاناً لإتمام هذا الزواج، فلا أجد سبباً يضطرني لارتداء تلك الفساتين الرسمية الثقيلة لعشاءٍ لن يحضره. سأكتفي بفستان بسيط، فأنا أيضاً لدي 'أعمالي' الخاصة التي تنتظرني في غرفتي."

ذُهل سيباستيان من رباطة جأشها. هذه الفتاة التي بدت قلقة في العربة، قد استبدلت قلقها بدرعٍ من الكبرياء الذكي.

— "ولكن سيدتي، الدوقة الأم.." بدأت فيوليت بالاعتراض، لكن رينا قاطعتها بنظرة واثقة:

— "الجدة ستفهم أنني أقدر وقت الدوق، تماماً كما أقدر وقتي. أخبري المطبخ أنني سأتناول العشاء معها، وأرجو توفير إضاءة جيدة في مرسم الشرفة لاحقاً."

عندما خرج سيباستيان وفيوليت، تنفست رينا بعمق. لم يكن الأمر سهلاً تماماً، لكنها رفضت أن تكون "العروس الشاكية". نظرت إلى نفسها في المرآة وتمتمت:

— "إذن، هو يريد زواجاً على الورق؟ فليكن. سأمنحه التوقيع الذي يريده، فجل ما أريده ان أبدأ ببناء نفسي هنا "

نزلت رينا السلالم العظيمة، وخطواتها فوق السجاد الأحمر لم تعد متعثرة بالرهبة، بل كانت واثقة كأنها تمشي في ملكها الخاص. دخلت قاعة العشاء الصغيرة حيث كانت الدوقة الأم تنتظرها بملامح يكسوها القلق والأسف على تصرف ابنها.

— "رينا، ابنتي.. أنا حقاً لا أعرف كيف أعتذر عن.."

قطعت رينا كلماتها بلباقة وهي تجلس أمامها:

— "جدتي، لا داعي للاعتذار عن رجل يقوم بواجبه. لقد أتممنا الأوراق، وهذا هو المهم. والآن، أخبريني عن هذا الحساء الذي تفوح رائحته الشهية"

ابتسمت الدوقة الأم بذهول ممزوج بالإعجاب. لقد كانت تخشى أن تجد فتاة محطمة، لكنها وجدت أمامها "دوقة" بالفطرة، امرأة لا تستمد قيمتها من وجود رجل بجانبها، بل من ثباتها أمام العواصف.

كانت قاعة العشاء  دافئة، تضاء ببريق الثريات الكريستالية وخشب الجوز المصقول. بدت الدوقة الأم مرتاحة أكثر وهي ترى رينا تتناول طعامها بهدوء وأناقة، وكأن غياب "ثيودور" لم يترك خدشاً في ثقتها.

كسرت الدوقة الأم الصمت بسؤال حمل نبرة حانية:

— "أخبريني يا عزيزتي، هل وجدتِ غرفتكِ مريحة؟ هل استطعتِ نيل قسط كافٍ من النوم بعد تلك الرحلة الطويلة؟"

وضعت رينا ملعقتها بهدوء وأجابت بابتسامة رقيقة:

— "لقد نمتُ بعمق لم أشهده منذ مدة يا جدتي. الغرفة ليست مجرد مكان للنوم، إنها قطعة من الفن. أما القصر.. فهو يفوق كل ما قرأته في الروايات فخامة، وكأن لكل زاوية فيه حكاية خاصة."

أومأت الدوقة برضا، ثم أشارت إلى الأطباق أمامها:

— "وكيف تجدين الطعام؟ "جون" كان قلقاً جداً بشأن ذائقتكِ، فقد أصر على تقديم أصناف تجمع بين عراقة العاصمة ونكهات الأقاليم."

— "أبلغي 'جون' أن طعامه هو الترحيب الحقيقي الذي شعرتُ به الليلة. النكهات متوازنة جداً، تماماً كالتوازن في هذا القصر."

صمتت الدوقة الأم للحظة، ثم تلاقت عيناها بعيني رينا بجدية مشوبة بالفخر، وقالت بصوت خفيض:

— "رينا، أعلم أن البداية لم تكن كما تمنيتُها لكِ، وأن غياب ثيودور الليلة قد يبدو جافاً.. لكنني لم أنسَ الوعد الذي قطعناه في 'أكوجا'. زواجكِ من عائلة كاستيلار ليس مجرد لقب، بل هو المفتاح لآفاقكِ التي تحلمين بها."

اعتدلت رينا في جلستها، وبدا الاهتمام واضحاً في عينيها. أكملت الجدة:

— "لقد بدأتُ بالفعل في إجراءات انضمامكِ إلى 'معهد كاستيلار '. هو أعرق معهد في الإمبراطورية، وهناك ستجدين أكبر مكتبة للمخطوطات والكتب النادرة التي ستساعدكِ في عملكي .

ارتشفت الدوقة الأم القليل من الشاي، ثم نظرت إلى رينا بعينين تلمعان بالذكاء وقالت بنبرة هادئة:

— "بما أنكِ تحملين خلفية علمية وبحثية متميزة، فقد تواصلتُ مع إدارة معهد كاستيلار. لقد تم إخباري بأن هناك منصبًا شاغرًا كمشرفة و أستاذة في قسم الأبحاث  ستكونين 'المُوجهة الرسمية' لنخبة الطلاب؛ تشرفين على  تعليمهم في هذا المجال وتجازين أبحاثهم قبل أن تُحفظ في أرشيف المعهد. فهل تقبلين هذه المسؤولية؟".. هل تجدين أن هذا المنصب يتلاءم مع طموحاتكِ؟ إذا كان الأمر كذلك، سنبدأ في إجراءات التعيين فوراً."

​توقف الزمن للحظة بالنسبة لرينا. خفق قلبها بقوة، لكنها حافظت على هدوئها الخارجي. حدثت نفسها بنبرة حملت مزيجاً من السخرية والانتصار:

"نعم.. نعم! نفس المكان الذي رُفضتُ فيه سابقاً وأُغلقت أبوابه في وجهي دون سبب، هو الآن مكاني. قوة النفوذ وسلطة  لا يمكن مضاهاتها حقاً.. لقد تغيرت قواعد اللعبة."

​نظرت إلى الجدة وقالت بوقار وثبات:

— "أشكركِ يا جدتي، هذا المنصب يتناسب تماماً مع مؤهلاتي. لكن.. لدي طلب واحد أرجو أن تتقبليه."

​رفعت الدوقة حاجبها بفضول: "ما هو يا ابنتي؟"

​— "أريد أن تظل هويتي كزوجة للدوق سرية تماماً داخل المعهد. لا أريد ضجة، ولا أريد معاملة خاصة. كفاءتي الأكاديمية تؤهلني لهذا المكان، وأريد أن أثبت نفسي هناك بجهدي ، لا بلقبي الجديد. ."

​ابتسمت الدوقة الأم بإعجاب شديد، فقد رأت في رينا كبرياءً نادراً وقوة شخصية لا تتوفر حتى في بنات العائلات الأرستقراطية القديمة.

— "لكِ ما أردتِ يا رينا. سأضمن بقاء الأمر سراً"

​أومأت رينا برأسها، وشعرت لأول مرة منذ وصولها أن القصر بدأ يصبح "موطناً"؛ ليس لأنه فخم، بل لأنه منحها السلاح لتعود وتنتزع ما سُلب منها في الماضي.


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة