الفصل (17) من فضلك، ألقِ اللوم عليّ
تسللت مقتربةً، مختبئةً في الظلال، على أمل أن تسمع حديثهما دون أن يلاحظها أحد. لكن الحظ لم يحالفها. تعثرت وكادت تسقط، لتشعر بيدٍ قويةٍ تمسك خصرها بقوة، مانعةً إياها من السقوط.
همس صوتٌ مألوفٌ بالقرب من أذنها:
"التزمي الصمت إن أردتِ معرفة ما يجري."
كان ماتياس بلا شك، بنبرته الساخرة التي لا تزال تُثير غضبها. ورغم أنها كانت لا تزال تغلي غضبًا تجاهه، إلا أنها استجابت لتحذيره، غير راغبةٍ في المخاطرة بكشف أمرها.
في الداخل، كان الجو مشحونًا بالتوتر.
وقفت ليلى جامدةً، تحدق في كايل بصدمةٍ واضحة. بالكاد كان صوتها مسموعًا:
"ك...كايل؟ هل أنت حقًا؟"
جاء رده بتعبيرٍ مؤلم، وكأن الكلمات تخنقه.
"نعم، أنا هو."
قبل أن يتمكن من قول المزيد، اندفعت ليلى نحوه، وألقت ذراعيها حوله كما لو كانت تبحث عن ملجأ بعد عاصفة.
"يا إلهي، الحمد لله أنك بخير. ظننتُ أن مكروهًا قد أصابك عندما لم تعد."
كايل، الذي ذُهل من ردة فعلها، لم يستطع أن يبادلها العناق. دفعها برفق، وبدا عليه الارتباك.
"ليلى، لا أفهمكِ. ألا تغضبين مني؟"
نظرت إليه في حيرة.
"لماذا أغضب؟"
"أنا... لقد كذبت عليك، ألا ترين؟ لستُ مجرد جندي تحت إمرة ماتياس. أنا ولي عهد هذه الإمبراطورية."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، تكاد تكون ساخرة.
"هل أبدو ساذجة إلى هذه الدرجة في نظرك؟"
ضاقت عيناه في حيرة.
"ماذا؟"
كما قلت، ساذج. هل ظننت حقاً أنني لم أدرك أنك لست مجرد جندي؟ كنت أعرف ذلك طوال الوقت. أكد أخي هويتك الحقيقية الليلة الماضية، لكنني كنت أشك بالفعل في أنك من أصل نبيل. طريقة مشيتك، وطريقة كلامك، وحتى طريقة أكلك... كل ذلك كشفك.
ارتسمت على وجه كايل علامات الحيرة.
"كنتِ تعلمين؟ أنني كنت أكذب عليكِ؟ فلماذا لم تواجهيني؟"
هزت رأسها برفق، كما لو كانت تتحدث
إلى طفلة تكافح لفهم البديهيات.
"لم يكن ذلك سببًا كافيًا للغضب."
فجأة، أمسك بكتفيها، وارتفع صوته غضبًا.
"وماذا عن البارون؟ ألن تحاسبيني على ترككِ معه؟ وماذا عن الطفلة؟ كيف لكِ أن تكوني هادئة هكذا حيال كل هذا؟"
اشتد نظرها، وأجابت بحزم لا يتزعزع.
"أنا من طلبت منك الزواج. سأتحمل مسؤولية كل شيء. أما بالنسبة للطفلة، فلا تقلق. لن أخبر أحدًا أنها ابنتك. يمكنك أن تطمئن."
لم تزد كلماتها إلا غضبه. اشتدت قبضته على كتفيها، وبدا صوته يائسًا.
"ماذا تقصد بأنك ستتحمل المسؤولية؟ إنها ابنتي أيضًا! لماذا تجعلني أبدو وكأنني لا علاقة لي بهذا؟"
نظرت إليه، والارتباك بادٍ على وجهها.
"ماذا تحاول أن تقول؟"
"لماذا لا تلوميني؟ لماذا لا تحاسبيني على ما حدث لكِ؟ لماذا؟ لستِ مضطرة لتحمل هذا العبء وحدكِ. أنا هنا معكِ يا ليلى."
خفت حدة نظراتها، وتداخلت فيها مشاعر متضاربة. أجابت بصوت خافت:
"كايل، أنا من تقدمت لخطبتك..."
لكن جملتها علقت في الهواء، غير مكتملة، كما لو أن الكلمات التي لم تُنطق بينهما كانت أثقل من أن تُنطق.
تجمدت ليلى للحظة، كما لو أنها لم تستوعب الكلمات التي خرجت من شفتي كايل. شعر قلبها، الذي طالما غلّفته بقشرة من القسوة، أخيرًا بثقل الكلمات التي لطالما اشتاقت لسماعها.
نظر إليها بعينين مثقلتين بالندم، وصوته يرتجف وهو يتحدث:
"أنتِ دائمًا هكذا... لماذا تتحملين كل شيء وحدكِ؟ يمكنكِ مشاركة الألم معي؛ أنا هنا. هل تكرهينني؟ ألا ترينني زوجكِ؟ هل أنا مجرد شخص استخدمتيه للتقدم ثم تخلّيتِ عنه؟"
هزّت رأسها بقوة، لكن الكلمات خانتها.
"لا... ليس الأمر كذلك. زواجنا... زواجنا حقيقي."
"إذن لماذا هذه البرودة؟ ماذا ستقولين لابنتنا عندما تكبر؟ أنني تخلّيت عنها؟ أم ماذا؟"
ساد الصمت بينهما. لم تجد ليلى الكلمات لتُعبّر عمّا بداخلها، وكأنها تاهت في متاهة من المشاعر.
اقترب كايل منها، وأمسك يديها بقوة، ثم ضمّها إلى صدره، وكأنه يخشى أن تفلت منه مجدداً.
"فقط... ألقي اللوم عليّ. العنيني إن شئتِ. قولي كل شيء. أعلم أنني لا أستحق المغفرة، لكن لا بدّ أنكِ عانيتِ كثيراً لبقائكِ قوية طوال هذه المدة، وحيدة."
ك
لامست كلماته شيئاً عميقاً في داخلها، شيئاً حاولت إخفاءه طويلاً. بدأت الدموع تنهمر، في البداية بخفة، ثم ازدادت غزارة، كطوفان لا يُقاوَم. انهمرت دموعها بغزارة، وضربت صدره برفق:
"لماذا؟ لماذا تركتني وحيدة؟ لقد شعرت بوحدة شديدة! طوال حياتي، كنتُ من يضحي بكل شيء لأني الابنة الكبرى... المسؤولة. مع أننا لم نكن معًا إلا شهرًا ونصف، شعرتُ بالحياة خلال تلك الفترة. معك، كنتُ طفلةً تائهة. لم أكن مضطرةً للتفكير في كل خطوة أخطوها، خوفًا من أن أُفسد حياة الجميع. أنا مُتعبة يا كايل... مُتعبة جدًا."
ربّت على رأسها برفق وقبّل جبينها بحنان، وهمس:
"لا بأس... أكملي. قولي ما تشائين."
رفعت رأسها قليلًا، وعيناها تفيضان بالدموع، وصوتها مُختنق:
"غضبتُ جدًا عندما لم تأتِ للبحث عني. أنا زوجتك يا كايل. كيف لا تُبالي بما حدث لي؟"
أجابها بصوت مليء بالحزن والألم:
"ظننتُ... ظننتُ أنكِ تُحبينه. كان زواجنا مُجرد مسألة مصلحة، ولم أُرِد أن أُفسد سعادتكِ، حتى لو كان ذلك على حساب سعادتي."
نظرت إليه في ذهول قبل أن تُطلق ضحكة صافية، ضحكة لم تُطلقها منذ زمن طويل:
"بصراحة يا كايل... من يترك شخصًا وسيمًا مثلك من أجل ذلك الأحمق؟!"
ابتسم برفق وهو يمسح دموعها بأطراف أصابعه. ثم، فجأة، جثا أمامها، وعيناه تفيضان ندمًا.
"أرجوكِ... سامحيني. لا أستطيع أن أسامح نفسي على ما حدث. أرجوكِ."
شهقت ليلى، وهي تُحاول رفعه بينما تنظر حولها في حرج:
"انهض فورًا! أنت ولي العهد، لا يجب أن تركع لشخص مثلي!"
نظر إليها بعينين تفيضان حزنًا، ثم تحدث بصوت عميق هادئ:
"لم أعد ولي العهد... أنا مجرد زوج جاثٍ على ركبتيه، أطلب غفران زوجته. أرجوكِ يا ليلى... سامحيني."
رغم كل شيء، شعرت ليلى أن الجدار الذي بنته حول قلبها بدأ يتصدع. مدت يدها لتلمس وجهه برفق، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها المرتجفتين:
"كايل... إنه الماضي، والماضي لا يهم الآن. المهم أنك هنا... معي."
قفز كايل بحماس، رافعًا ليلى من خصرها، ودار بها في الهواء كما لو كانا في عالم منفصل عن كل ما حولهما. انطلقت ضحكتها كالموسيقى، ولم ترَ أعينهما شيئًا سوى بعضهما.
لكن هذه اللحظة المثالية قُطعت فجأة بسعال متعمد من خلف الباب.
"آه، همم... هل انتهيت؟"

تعليقات
إرسال تعليق