الفصل(45)

 


أُغلِقَ باب غرفة الاستقبال الثقيل خلف آن، لكنها لم ترتجف. واصلت نزولها البطيء والمتأني على الدرج الكبير، وزجاجة النبيذ شبه الفارغة في يدها كأنها سلاح. كانت كل خطوة تحديًا لأمها، تحديًا لمصيرها.

"آن!"

سمعت صوت جورج يناديها من ردهة المدخل حيث كان على الأرجح ينتظر، لكنها لم تتوقف. لم تلتفت حتى. كان هو سبب كل هذا، رجل ضعيف عديم الفائدة، تسبب تردده في خسارتها كل شيء. مرت من جانبه مباشرة، ودفعت الأبواب الفرنسية، وخرجت إلى الحديقة الباردة المظلمة.

تبعها، بخطوات مترددة على الممر الحجري. قادته إلى جناح أبيض صغير يقع بين شجيرات الورد، بناء رقيق ذو زخارف شبكية، حيث كانت والدتها تقيم حفلات شاي مع سيدات نبيلات أخريات. في ضوء القمر، بدا كقفص جميل غامض.

 أسقطت آن الزجاجة وكأس النبيذ الوحيد على الطاولة الحديدية الصغيرة بصوت ارتطام دوّى في سكون الليل. كان الصوت غاضبًا وحاسمًا. سحبت أحد الكراسي المزخرفة بصوت صرير المعدن على الحجر، وجلست، وسكبت لنفسها على الفور كأسًا من النبيذ الأحمر الداكن.

جلس جورج مقابلها، وعلى وجهه مزيج من القلق والحيرة. سألها بصوت خافت: "آن، الأمر يتعلق بإريك كارسون، أليس كذلك؟"

لم تجبه. اكتفت بأخذ رشفة طويلة من النبيذ، ولم يُخفف مذاقه المر من ألم قلبها.

قال: "سأتحدث مع ديليا بشأن ذلك"، بدت كلماته ساذجة حتى في أذنيه. "أنا متأكد من أنها لا تفكر بوضوح. لا بد أنها فكرت في الأمر أيضًا، الآن، كيف تُسيء معاملة أختها."

انطلقت من شفتي آن ضحكة قصيرة متعبة خالية من المرح. كان غباؤه مثيرًا للإعجاب. هزّت رأسها، ولم تُجبه، ثمّ سكبت لنفسها كأسًا آخر، ويدها ترتجف قليلًا.

مدّ جورج يده عبر الطاولة وأخذ الزجاجة الثقيلة من يدها برفق. قال بصوت حازم لكن حنون: "توقفي يا آن، لقد شربتِ ما يكفي". خلع معطفه الرسمي، ووقف، وألقى به على كتفيها النحيلتين. كان دفء الصوف عزاءً بسيطًا.

"لماذا ترتدين ملابس خفيفة وأنتِ على وشك الخروج؟ ستصابين بنزلة برد".

انزلقت نظراته إلى قدميها. كانت حافية القدمين، فقد تركت خفّيها في مكان ما في المنزل. جثا أمامها دون تردد. أمسك قدميها الباردتين المغبرتين بين يديه. وبمنديله، نظّف التراب عن باطن قدميها بعناية، وبدأ يفركهما بإبهاميه بحركات دائرية بطيئة وثابتة ليعيد إليهما بعض الدفء.

همس قائلًا: "ستمرضين"، ورأسه منحنٍ في هذا الفعل الغريب . ثم فعل شيئًا أكثر إثارة للدهشة. خلع حذاءه الجلدي الفاخر ووضع قدميها الصغيرتين العاريتين برفق داخله. قال ببساطة، وكأن الأمر طبيعي تمامًا: "لأمنحها الدفء". عاد إلى مقعده، تاركًا قدميها تستريحان داخل حذائه الكبير الدافئ.

كسرت هذه اللفتة الرقيقة غير المتوقعة صمتها. سألته بصوت خافت: "هل تعلم ماذا كانت ديليا تفعل اليوم يا جورج؟".

نظر إليها، ووجهه يعكس قلقه، منتظرًا إجابة.

قالت بصوتٍ يقطر مرارةً باردةً قاسية: "لقد أجروا اليوم لقاءً عائلياً تعريفياً. اللقاء الرسمي بين العائلتين. نفس نوع اللقاء العائلي التعريفي الذي ضمن خطوبتها لك." "الشيء الذي أسعدها لدرجة أنها لم تتوقف عن الابتسام لأسبوع كامل."

بدأت الكلمات تتغلغل في ذهن جورج ببطء وثقل كالعسل. "العائلة... التعارف..."

كان يدرك، ولو جزئيًا، ما يعنيه ذلك. كان اجتماع رؤساء العائلات الخطوة الرسمية الأخيرة قبل إعلان الزفاف. هذا يعني أن الأمر لم يعد مجرد إشاعة، بل حقيقة. هذا يحدث بالفعل.

أدرك جورج الأمر فجأة كصفعة على وجهه. نهض فجأة، وحركاته متخبطة من الصدمة. وبينما هو كذلك، ارتطم رأسه بقوة بوعاء زهور معلق مليء باللبلاب المتدلي من سقف الجناح.

"آه!" صرخ، متراجعًا خطوة إلى الوراء، ويده ترفرف على رأسه الذي ينبض بالألم. "تعارف عائلي؟" صاح، والألم في رأسه يمتزج بالذعر في قلبه.

"نعم،" قالت آن، ناظرة إليه بنظرة باردة خالية من التعابير. "بينما أنت واقف هكذا." "تتجول بلا عمل، وتحضيرات زواجها تسير على ما يرام."

فرك جورج رأسه الذي ينبض بالألم، محاولًا تصفية ذهنه. "هذا سخيف. لا يُعقل. أين ديليا الآن؟"

"لا أعرف،" أجابت آن وهي تهز كتفيها بلا مبالاة، وترتشف رشفة أخرى من النبيذ. "ربما تكون في نُزُل فاخر." أو على الأرجح، في مقر إقامة الدوق الخاص.

أثارت صورة ديليا وحدها مع الدوق في منزله موجة جديدة من اليأس في جورج. انهار على مقعده، وقد نفدت طاقته تمامًا. وضع مرفقيه على الطاولة ودفن وجهه بين يديه، وأطلق أنينًا خافتًا. "مجرد تعارف عائلي..."

مدّت آن يدها عبر الطاولة وأخذت زجاجة النبيذ منه. صبّت لنفسها كأسًا آخر، الثالث، أو ربما الرابع. "إذن، يا جورج،" قالت بصوت حاد وحسابي، "هل تريد استعادتها؟"

لم يتحرك جورج، ووجهه لا يزال مخفيًا بين يديه. كانت أفكاره تتسارع. فكّر كيف ستكون الأمور لو قررت ديليا، الابنة الثانية المحبوبة للبارون، أن تكون بجانبه. سترتفع مكانته بشكل كبير. ستُنقذ عائلته من جبل ديونها. سيشاركون في ثروة وعلاقات عائلة إلينغتون. وآن... ستعود آن سعيدة من جديد.

رؤيتها محطمة، منهارة تمامًا، مزق قلبه، حتى وإن كان ألمها من أجل رجل آخر. كانت سعادتها شيئًا يتوق إليه، شيئًا يشعر بالمسؤولية تجاهه.

رفع رأسه، وعيناه تفيضان بعزيمة جديدة يائسة. قال بصوت أجش: "بالطبع أريد. لكنني لا أعرف كيف. يبدو الأمر ميؤوسًا منه."

ارتشفت آن رشفة طويلة وعميقة من نبيذها، ثم ضربت الكأس على الطاولة. قالت وعيناها تلمعان بنظرة خطيرة من السكر: "إذن ساعدني."

نظر إليها جورج مصدومًا. "ماذا؟"

أعلنت، وكلماتها متلعثمة قليلًا: "سأتولى الأمر بنفسي." صبت لنفسها كأسًا آخر وارتشفته دفعة واحدة، وكأنها تستجمع شجاعتها. نظرت إلى جورج وهو يحاول تصفيف شعره الأشعث ونظراته البائسة اليائسة.

 "يا له من غبي!" تمتمت في سرها، وقد ارتسمت على وجهها نظرة اشمئزاز شديدة. لقد كان مجرد أداة، وهي ستستخدمه.








تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة