قيود من حرير أسود -الفصل (16)-يوم الصدمات-
انسحبت رينا إلى غرفتها والهدوء يلف أرجاء القصر بعد ليلة طويلة، لكن صمت المكان لم يمنحها السكينة. نظرت حولها بغرابة؛ فكل شيء هنا كان غريبًا ومفرطًا في الفخامة. هي التي اعتادت على غرفتها الصغيرة، بجمالها البسيط وأثاثها المتواضع الذي كان يمنحها شعورًا حقيقيًا بالأمان، وجدت نفسها الآن محاصرة بجدران مزينة بزخارف معقدة وسرير ضخم يشبه العرش، لكنه كان ثقيلًا على روحها، متعبًا للنظر.
مالفت انتباهاها ايضا وجود باب صغير يؤدي الى غرفة معينة لم ترد رينا ان تنخرط بالامر خوفا ان يكون بابا مؤديا الى غرفة الدوق.
ثم تنهدت بعمق وهي تستلقي بجسدها المنهك، مسترجعةً أحداث اليوم العاصفة. تيقنت من أمر واحد: الدوق يرفض هذا الزواج جملة وتفصيلًا، ولولا مرض الدوقة الأم لما وافق أبدًا. ورغم أن تصرفه كان فجًا، يفتقر للرقي وجارحًا لكرامتها، إلا أنها لم تنكسر. لم يكن هدفها يومًا نيل وده أو لفت نظره، بل كانت تصبو لشيء أسمى؛ مساحتها الخاصة، وتطوير ذاتها، وإعادة البريق لاسم عائلتها "ميلوفا".
همست لنفسها في الظلام:
> "سيكون من الأفضل ألا تتقاطع طرقنا كثيرًا.. نعم، هذا مريح لكلينا."
لكن الأفكار لم تتركها، وشعرت بوخز الحنين يعصر قلبها. اشتاقت لدفء والديها، ولنسيم "أكوجا" العليل الذي يداعب ليل موطنها. أغمضت عينيها وهي تحاول إقناع نفسها: "يجب أن أعتاد.. هذا هو واقعي الجديد الآن."
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، لم تكن الدوقة الأم "مارغريت" تضييع الوقت. استيقظت وهي تحمل عزمًا لا يلين لتوبيخ حفيدها "ثيودور". كان غيابه عن مراسم استقبال رينا وعدم حضوره لتوقيع عقد الزواج سقطة أرستقراطية لا تغتفر في نظرها.
نادت خادمتها المخلصة كاميليا بلهجة حازمة:
— "أخبري كريستو أن يجهز العربة فورًا، سنذهب إلى مكتب الدوق."
في تلك الأثناء، كان ثيودور في مكتبه، عيناه محمرتان من السهر. لم يذق طعم النوم طوال الليل وهو يصارع الأوراق لحل الأزمة الطارئة. كان الصداع يفتك برأسه حين نادى سكرتيره:
— "سيباستيان.. قهوة، وبسرعة."
— "حاضر يا دوق"
"وأيضا أحضر الأوراق التي لم أوقعها بعد؟"
نظر إليه سيباستيان بشفقة واضحة: "دوق، أنت لم تنم منذ يومين، ألا يجدر بك أن ترتاح قليلًا؟"
رد ثيودور بحدة وجفاء: "لا وقت للراحة، العمل لا ينتظر أحدًا يا سيباستيان."
لم يكمل جملته حتى انفتح باب المكتب بقوة أحدثت دويًا، واقتحمت الدوقة الأم المكان كإعصار غاضب.
— "تيودور! يجب أن نتحدث!"
قام سيباستيان بهدوء: "صباح الخير أيتها الدوقة." ثم انسحب تاركًا الجو المشحون خلفه.
جلست مارغريت، وملامحها تنطق بالانزعاج: "ماهذا التصرف المخجل؟ ألم تستطع توفير نصف ساعة من وقتك البارحة؟"
رد ثيودور ببرود وهو لا يرفع عينيه عن أوراقه: "الأعمال لا تتوقف.. ولا تنسي أننا وصلنا لما نحن عليه بسبب هذا الالتزام."
تنهدت الدوقة بمرارة: "وهل كانت نصف ساعة ستجعل الدوقية تفلس؟"
حاول ثيودور تغيير المجرى: "وكيف حال صحتك الآن؟"
انفجرت مارغريت: "أوه، هل تذكرت صحتي الآن؟ وما زلت تناديني بـ 'دوقة' بدل 'جدتي'.. يا لك من حفيد عاق!" ثم أردفت بلهجة آمرة: "رينا هي زوجتك الآن، رينا ميلوفا. لا تنسَ هذا الاسم."
— "الاسم لا يهمني، لكن اللقب 'ميلوفا' سأبقى أتذكره." أجاب ثيودور بسخرية مبطنة.
تابعت الجدة: "ستعمل رينا كباحثة مشرفة في معهد كاستيلار."
رد ثيودور بجمود : "ماذا؟! ولماذا تعمل؟ ألا يكفيها المال الذي يملأ هذا القصر؟"
— "الأمر ليس مالًا يا ثيودور، إنها فتاة طموحة تريد إثبات جدارتها واستعادة اسم عائلتها."
زفر ثيودور بضيق: "لن أجادلكِ.. لتعمل إن أرادت، لكن ؛ لا أريد مشكلات تؤثر على سير أعمالي، ولا أريد إشاعات تافهة تدور حولنا."
"لقد اقترحت بالفعل لاخفاء أمر الزواج عن مكان عملها"
ثم أضاف بشك: "اقترحت ألا يُفصح عن هويتها ككنة لعائلة كاستيلار؟ لابد أنها ذكية جدًا، تعرف كيف تجعل الجميع يحبها.. خطة محكمة للسيطرة."
— "عن أي خطط تتحدث؟ لا تحكم على فتاة لم ترها حتى!"
وفجأة، وبدون استئذان كالعادة، اندفع إلى الغرفة شاب مفعم بالنشاط، كان "إنزو رايزل"، ابن عمة ثيودور. لقد كان لدى مارغريت ولدان؛ "كارسيل" وهو والد "ثيودور"، و"سيلينا" أم "إنزو وراتشيل"، واللذان توفيا منذ زمن بعيد في حادث أليم ومروع، وهو الأمر الذي وضعت حوله علامة حمراء في القصر ويُمنع التحدث فيه.
هتف إنزو بمرحه المعتاد وهو يرى الجدة:
— "جدتي..! يا إلهي، هل هناك اجتماع قاطعته؟ بما أن الجدة هنا إذن فهو أمر مهم بالتأكيد!"
رمقه ثيودور بنظرة باردة وقال بحدة:
— "إنزو.. ألا يجب عليك أن تطرق الباب؟"
رد إنزو بابتسامة لامبالية:
— "أرجوك، لا تكن بروتوكولياً مع ابن عمتك!"
التفتت الجدة إليه وقالت بصرامة ممزوجة بالعتاب:
— "إنزو.. إذن لقد انتهت رحلتك؟ لقد تركت كل أعمالك، سواء أعمال عائلة رايزل أو في معهد كاستيلار.. لماذا قد تعين نائباً عنك يدير المعهد؟"
أجابها إنزو وهو يحاول تلطيف الأجواء:
— "أوه.. كانت الرحلة طارئة ! جدتي.. لقد أتيتُ للتو، مر زمن طويل وهكذا تستقبلينني؟"
ردت الجدة بحزم وهي تستغل وجوده:
— "على كل حال لقد أتيت في وقتك.. لديك أمران فلتتممهما: ثيودور تزوج، قم بنشر الأمر."
— "نعم نعم.. ما الأمر الثا.. ماذا؟!"
توقف إنزو عن الحركة فجأة، واتسعت عيناه بذهول وكأن صاعقة ضربته.
صمت للحظة وكأنه يستوعب ما سمع، ثم وقف متفاجئاً وصرخ:
— "كأن كلمة خطأ دخلت لأذني!"
أكملت الجدة بهدوء:
— "ثيودور تزوج البارحة، كان الأمر على عجل لذا لم يتم الإبلاغ."
وضع إنزو يده على ذقنه وقال بصدمة:
— "لحظة.. لحظة يا جدتي، أظن أن أجلي قد اقترب بالفعل!" ثم التفت إلى ثيو وقال بجدية ممزوجة بالمزاح: "دوق ثيودور كاستيلار.. هل تزوجت فعلاً؟ يجب أن أسمعها من فمك!"
لم يجبه ثيودور، بل اكتفى برأسه المائل نحو الأوراق ورمقه بنظرة حادة كأنها سكين نصلها سم. تراجع إنزو خطوة للخلف رافعاً يديه:
— "حسناً حسناً، لا ترمقني بهذه النظرة القاتلة.. لو تزوجت انت يا جدتي لما تفاجئتِ، لكن ثيو؟!"
قاطعته الجدة بحدة:
— "ألن تتوقف عن مزاحك؟
" حسنا ، على الرغم من أنني لا أفهم كيف تم ذلك، لكن لما.."
— "لا تسأل عن أي شيء، فقط قم بما طلبته!" قاطعته الجدة قبل أن يكمل تساؤلاته، ثم أردفت: "والأمر الثاني.. قم بتعيين زوجته لتعمل كمشرفة للأبحاث في المعهد."
صُعق إنزو مرة أخرى:
— "تعمل..؟ زوجة دوق تعمل؟"
حول نظره بسرعة إلى ثيو ليرى رد فعله، لكن ثيودور كان قد انغمس في عالمه المكتبي بالفعل وكأنه لا يسمع ما يدور.
ثم أردف بفضول لا ينتهي: "لكن.. ألن تقولي لي نوع الزوجة التي فازت بالدوق قاتل قلوب النبيلات؟ الألماسة التي لا يمكن لمسها بل الاكتفاء بالنظر إليها من بعيد؟"
تنهدت الجدة بعمق وكأنها فقدت الأمل في جعله أكثر جدية. كانت مارغريت دائماً متعجبة من كيف يختلف أحفادها في الطباع رغم أن في عروقهم تسير في دم واحد؛ ثيودور الجدي جداً لحد الإرهاق، وإنزو المرح الذي لا يمت للجدية بصلة، وراتشيل ذات الجمال الملفت والاستعلاء الذي يثير الحنق.
قالت في خضم هذه الأفكار بتململ: "ليس هناك أحد فيكم سويّ!
"إنها الآنسة رينا من عائلة ميلوفا."
— "ماذا؟ ميلوفا؟!" رد إنزو متفاجئاً، "لابد أن اليوم هو يوم الصدمات!"
أجابت الجدة: "نعم إنزو، ميلوفا. كل الإمبراطورية تعلم حقيقة أن دوق ميلوفا الأكبر قد تم طعنه."
عقّب إنزو بجدية نادرة: "حسناً، لكن القاعدة الأرستقراطية والنبلاء سوف يُصدمون؛ أولاً بخبر زواج 'جليد الإمبراطورية'، وإضافة لذلك كونها من عائلة ميلوفا!"
تنهد إنزو وقال:
— "حسناً، سأقوم بالمطلوب."
كان إنزو يرى في قرارة نفسه أن الإمبراطورية يمكن أن تفنى، لكن ثيودور كاستيلار لا يمكن أن يتزوج، فلطالما آمن أن ثيو متزوج بالفعل.. لكن بعمله فقط. ثم لمعت في ذهنه صورة أخته، فقال محدثاً نفسه:
— "أوه.. راتشيل! سوف تُصدم بهذا الخبر بالتأكيد!"

تعليقات
إرسال تعليق