قيود من حرير أسود الفصل-8- القرار الحاسم

 




غادرت الدوقة المكان، تاركةً وراءها سحابة كثيفة من الحيرة والتساؤلات التي أخذت تتصاعد في أرجاء الغرفة الصامتة. كانت مارثا أول من كسر هذا الصمت، ملامحها تعكس مزيجاً من القلق والدهشة وهي تلتفت نحو ابنتها.

"رينا.. ما الذي يحدث بحق الخالق؟" سألت مارثا بنبرة متقطعة، "كيف التقيتِ بها؟ وكيف نشأت بينكما هذه الرابطة؟"

أجابت رينا بهدوء وهي تحاول طمأنة والدتها: "أمي، لقد كانت محض صدفة بحتة. كل ما فعلته هو أنني قدمت لها يد العون وبعض النصائح البسيطة بشأن الصداع المزمن الذي تعاني منه. لم أكن أعلم حتى من تكون في البداية."

تمتمت مارثا وهي تهز رأسها: "حسناً.. لكن.. فيما يخص عرضها و..."

قاطعتها رينا بابتسامة واثقة: "أمي لا تقلقي، لقد اتخذت قراري بالفعل وأبلغت الدوقة به. لا داعي لكل هذا التوجس."

في تلك اللحظة، تدخل فيكتور، الذي كان يراقب الحوار بصمت مثقل بالهموم. اقترب من ابنته ووضع يده على كتفها بحنان أبوي مشوب بالخوف: "ابنتي.. ابنتي العزيزة.. قد لا تدركين أبعاد الأمر بعد، لكن ذلك العالم—عالم النبلاء والقصور—صعب جداً، بل وقاسٍ إلى أبعد الحدود. هو ليس مكاناً لفتاة مثلك، بريئة وحالمة."

نظرت إليه رينا بعينين تلمعان بالاصرار: "أبي، نحن بالفعل جزء من ذلك العالم، أليس كذلك؟"

تنهد فيكتور بمرارة، وبدت تجاعيد وجهه وكأنها تحكي قصصاً قديمة: "وكوننا منه يا عزيزتي قد كلفنا الكثير.. أكثر مما يمكنكِ تخيله."

أخفضت رينا بصرها احتراماً لآلامه وقالت: "حسناً يا أبي، لقد فهمت ما تقصده تماماً وأقدر خوفك عليّ. سأذهب غداً إلى الدوقة وأوضح لها موقفي النهائي بما لا يدع مجالاً للشك."

سألت مارثا فجأة بنبرة ملؤها الترقب: "وماذا عن معهد كاستيلار؟ ألم يكن حلمكِ؟"

ردت رينا بتفاؤل لا ينكسر: "أمي، كاستيلار ليس المعهد الوحيد في هذه الإمبراطورية. سأظل أحاول وأطرق الأبواب حتى أنجح بجهدي الخاص." ثم صمتت قليلاً قبل أن يغلبها الفضول، فأردفت: "لكن أبي.. أي نوع من الرجال هو الدوق ثيودور؟"

استند فيكتور بظهره إلى الكرسي، وعاد بذاكرته إلى الوراء: "أوه.. الدوق. في الحقيقة، أتذكره حين كان صغيراً؛ كان طفلاً يتقد ذكاءً وفطنة. كان الجميع يشيد به ويتنبأ بأن دوقية كاستيلار ستزدهر تحت قيادته. وبالفعل، أصبحت الآن أقوى وأكثر ثراءً مما كانت عليه في أي وقت مضى. لكن..."

"لكن ماذا يا أبي؟" سألت رينا بلهفة.

أجاب فيكتور بنبرة غامضة: "إنه من النوع الذي لا يفهم.. هكذا ببساطة. 

لم تفهم رينا تماماً ما كان يرمي إليه والدها، لكنها قررت ألا تغوص في التفاصيل، فالدوق لا يمثل لها سوى اسمٍ عابر في حكاية لن تشارك فيها. فجأة، قفز إلى ذهنها سؤال كان يؤرقها منذ مدة:

"أبي، أمي.. كيف لم تخبراني قط أن جدي كان وزيراً للإمبراطور؟"

خيم صمت ثقيل على الغرفة قبل أن يجيب فيكتور بصوت متهدج: "لم نرد نكء جراح الماضي يا ابنتي. لقد طويت تلك الصفحة بآلامها. كل ما يجب أن تعرفيه وتفخري به هو أن جدك لم يكن خائناً، ولم يفكر في الخيانة يوماً."

وتابع وعيناه تبرقان فخراً: "كان رجلاً مخلصاً، رفيع المقام، ذا وقارٍ مهيب. لم يكن ينطق إلا بالحق، وكان عادلاً يكرس وقته لمساعدة الفقراء والاهتمام بشؤون العامة. ولعل هذا يا بنيتي كان سبب سقوطه؛ فقد كان نقاؤه مخالفاً للطبيعة الأرستقراطية التي يسودها الاستعلاء والمؤامرات."

ردت رينا بحزم وقوة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الفخر: "أبي، حتى لو كان نبل أخلاقه هو السبب، فإنني متأكدة أن جدي لا يندم على ذلك أبداً، لأن فعل الصواب لا يستوجب الندم."

ابتسم فيكتور والدموع تترقرق في عينيه: "نعم يا ابنتي.. صدقتِ. حتى لو عاد به الزمن ألف مرة، لفعل الشيء نفسه دون تردد."

بزغت شمس الصباح معلنةً يوماً جديداً يحمل في طياته قرارات حاسمة. استيقظت إيرينا وقلبها يقرع طبول القلق، لكنها حسمت أمرها. ارتدت ملابسها البسيطة والأنيقة في آن واحد، وجلبت ورقة العنوان التي تركتها الدوقة بعناية. كانت يدها ترتجف قليلاً وهي تمسك بها؛ فبالرغم من تصميمها على الرفض، إلا أن الحيرة لم تفارقها تماماً. كان هذا هو التصرف الصحيح، هكذا أقنعت نفسها.

في أعماق عقل رينا، ظل العرض المغري يتردد بصداه. لم يكن مجرد عرض زواج، بل كان مفتاحاً سحرياً قد يعيد لعائلتها مجدها الغابر وكرامتها المهدورة. "لو كنت أريد حقاً استعادة مكانة عائلة بيلوفا، فيجب أن أجازف"، فكرت بمرارة، "لكن... ليس على حساب سعادة عائلتي ورضاهم. سأجد طريقة أخرى، طريقة لا تكسر قلب أبي وأمي".

وبينما كانت تسير في شوارع أكوجا الهادئة، طرأ على ذهنها تساؤل آخر: "هل الدوق يعلم بما تخططه جدته؟ لماذا ينتابني شعور قوي بأن صاحبة السمو تفعل كل شيء بمفردها، وبإرادتها الحرة تماماً؟ هل هو مجرد بيدق في حكايتها؟". هزت رأسها محاولة طرد هذه الأفكار المشوشة، وأكملت طريقها بعزم متجدد.

لم يكن العثور على الموقع أمراً صعباً على الإطلاق. فبمجرد وصولها إلى الحي الراقي، برز أمامها صرح معماري مهيب يأسر الأنفاس؛ إنه أكبر منزل في أكوجا، بل هو قصر يضاهي قصور الإمبراطورية فخامة. وقفت رينا تتأمل القصر بذهول، وتمتمت في سرها: "من كان يظن أنني ستطأ قدماي عتبة هذا المكان يوماً ما؟".

كان القصر يجمع بين العظمة والبساطة بشكل مذهل. واجهته الحجرية المنحوتة بدقة تعكس ضوء الشمس، وتحيط به حدائق غناء تفوح منها روائح الزهور النادرة. لم يكن هناك تكلّف مبالغ فيه، بل أناقة فطرية توحي بالرقي والثراء المتأصل.

بينما كانت تقترب ببطء من البوابة الرئيسية الضخمة، لمحت الخادم الخاص بالدوقة يتجه نحوها بخطوات واثقة، وكأنه كان ينتظر وصولها. خفق قلبها بشدة، وقالت في نفسها بذعر: "يا إلهي! كيف علم أنني سآتي اليوم؟ هل كان يراقبني؟ أم أن الدوقة تملك قوى خارقة؟".

ابتسم الخادم بأدب جمّ وقال: "آنسة رينا، أهلاً بكِ. الدوقة في انتظاركِ داخل القصر".

تأتأت رينا بدهشة: "انتظار؟ كيف علمت أنني سأتي اليوم تحديداً؟".

أجاب الخادم بنبرة هادئة وغامضة: "قد لا تعرفين الدوقة جيداً بعد، لكنها تمتلك حدساً وتنبؤات لا تخيب أبداً، آنسة رينا. سوف تكتشفين الكثير عنها وعن قدراتها في المستقبل".

تمتمت رينا بتعجب: "المستقبل.. ماذا يقصد هذا الخادم؟". لكنها قررت تجاهل كلماته الغريبة والتركيز على المهمة التي جاءت من أجلها.

تابعت رينا الخادم عبر الممرات الطويلة والمزخرفة، وتأملت جمال القصر من الداخل؛ الأرضيات الرخامية اللامعة، والثريات الكريستالية المتدلية من السقوف العالية، واللوحات الفنية النادرة التي تزين الجدران. كان كل ركن في القصر يحكي قصة ترف ورقي لا مثيل لهما.

أخيراً، وصلا إلى قاعة استقبال واسعة، حيث كانت الدوقة تجلس بجلال وأناقة على أريكة مخملية. لمحت رينا، فابتسمت ابتسامة دافئة وقالت: "تفضلي، آنسة رينا. كنت بانتظاركِ".

تقدمت رينا بخطوات ثابتة، وحاولت جاهدة السيطرة على توترها. وقفت أمام الدوقة، ونظرت في عينيها مباشرة، ثم قالت بصوت واضح وعازم: "صاحبة السمو، لقد جئت لأشكركِ على عرضكِ السخي، ولكني... ولكني مضطرة للرفض".

بدت الدوقة مندهشة قليلاً من صراحة رينا، لكنها حافظت على هدوئها وقالت بنبرة هادئة: "الرفض؟ ألم تفكري في الأمر جيداً؟ ألا تريدين استعادة مجد عائلتكِ، آنسة بيلوفا؟".

رغم شوقها الجارف لإعادة اسم عائلتها إلى سابق عهده، إلا أن رينا تمسكت بمبادئها، وأجابت بثقة: "صاحبة السمو، أنا أؤمن بأن هذه ليست الطريقة الصحيحة لاستعادة مجدنا. أنتِ لا تدعينني لأكون مجرد زوجة للدوق، بل لبناء عائلة، لتحمل مسؤولية كبيرة، والأكثر من ذلك، لحمل لقب كاستيلار العريق. أنا لا يمكنني أبداً أن أساوم على مشاعري ورغبتي في بناء أسرة حقيقية مبنية على الحب والاحترام المتبادل، مقابل أي لقب أو جاه".

نظرت الدوقة إلى رينا بإعجاب واضح، وقالت بدهشة: "يا إلهي! عيني لا تخطئ أبداً. لقد أحسنت الاختيار".

سألت رينا بحيرة: "ماذا؟ ماذا تعنين يا صاحبة السمو؟".

اقتربت الدوقة من رينا، وأمسكت بيدها بحنان، وقالت بصوت متهدج: "رينا حبيبتي، ماذا لو أخبرتكِ أنني على مشارف الموت؟ وأن أمنيتي الأخيرة هي رؤية حفيدي الوحيد يستقر ويتزوج من الفتاة المناسبة التي تليق به وتستطيع حمل مسؤولية عائلة كاستيلار؟".

صدمت رينا من كلام الدوقة، وتأتأت بذهول: "ما.. ماذا؟ الموت؟".

أومأت الدوقة برأسها حزناً وقالت: "نعم عزيزتي، هذا ما قاله الطبيب. لقد أخبرني أنه تبقى لي عام واحد على الأكثر، إذا لم يكن أقل. أريد أن أرى حفيدي سعيداً ومستقراً مع زوجته قبل أن أرحل عن هذا العالم. وإذا حدثت معجزة، ورأيت حفيدي، سأكون أسعد امرأة في الوجود".

لم تجد رينا الكلمات المناسبة للرد، فقالت بتلعثم: "سيدتي.. أنا.. لا أدري ماذا أقول. أنا مصدومة حقاً".

تابعت الدوقة بنبرة مؤثرة: "رينا، أنا لم أختركِ عبثاً. أنا أؤمن بأنكِ الفتاة المناسبة ثيودور، ولعائلتنا. لديكِ القوة والذكاء والنبل الذي نحتاجه. لذا، أرجوكِ، فكري في عرضي مرة أخرى. ادخلي عائلتنا، أعيدي اسم عائلتكِ إلى القمة، واطرقي أبواب النبلاء، وقولي بصوت عالٍ: عادت عائلة بيلوفا. سأساعدكِ على تحقيق ذلك، ليس من أجل أي شيء، بل لأني أعلم يقيناً أن عائلتكِ بريئة من التهم التي نسبت إليها، وتستحق استعادة مكانتها".

انهمرت الدموع من عيني رينا، وقالت بصوت مخنوق: "اعتبرتكِ.. رينا.. لا أدري ماذا أقول. أنا مشوشة تماماً".

ردت الدوقة بابتسامة أمل: "قولي نعم، رينا. قولي نعم وسأتكفل بكل شيء".

سألت رينا بقلق: "وماذا عن الدوق؟ هل سيوافق على هذا الزواج؟".

أجابت الدوقة بثقة: "حفيدي لن يعترض. هو أيضاً يريد الزواج وتأسيس عائلة، وأنا متأكدة أنه سيعجب بكِ بمجرد أن يراكِ ويتعرف عليكِ".

جمعت رينا شجاعتها، ونظرت إلى الدوقة بعزم، ثم قالت بصوت قوي وثابت: "سأفعلها، 

حضرة الدوقة. سأقبل عرضكِ".












تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة