قيود من حرير أسود -الفصل(7)- عودة النبلاء.....عرض الدوقة الأم




 جاء اليوم الموعود، والشمس ترسل خيوطها الذهبية فوق قرية "أكوجا" الهادئة. في قصر كاستيلار، لم تستطع مارغريت كبح ذلك الشعور الغريب الذي يهمس في أعماقها؛ رغبة عارمة في رؤية تلك الفتاة مجدداً، وكأن خيطاً خفياً من القدر بدأ يُنسج بينهما. نادت سائقها بوقارها المعهود:

— «كاستيو، جهز العربة فوراً. سنذهب إلى منزل فتاة الأمس.. أنت تذكر المكان، أليس كذلك؟»

— «بالطبع يا سيدتي، الطريق محفور في ذاكرتي. تفضلي بالدخول.»

في منزل عائلة "بيلوفا"

في تلك الأثناء، كانت رينا  في المزرعة الملحقة بمنزلهم، تقطف الثمار بتركيز، وقد غطت الشمس وجنتيها بحمرة طبيعية. قالت في نفسها وهي تضع التفاح في سلتها:

— «اليوم مشمس ولطيف.. إنه يوم مثالي لفطيرة التفاح. سنقضي وقتاً رائعاً مع أمي وأبي في الحديقة.»

خلف جدران المنزل، كان السيد فيكتور بيلوفا والسيدة مارثا منهمكين في إصلاح بعض الأعطال في أثاث المنزل. رغم أن المنزل يقع في قرية ريفية بسيطة، إلا أنه كان يشع بروحٍ أرستقراطية لا يمكن طمسها؛ لم يكن قصراً، لكنه بالنسبة لسكان "أكوجا" كان صرحاً من الأناقة والوقار. وبسبب شح الموارد، اعتاد فيكتور ومارثا القيام بالإصلاحات بأنفسهما، محتفظين بكبرياء طبقتهم القديمة خلف تلك الجدران المتواضعة.

فجأة، توقفت مارثا عن العمل، وشحب وجهها وهي تنظر عبر النافذة. صاحت بنبرة مهتزة:

— «فيكتور! فيكتور.. تعال بسرعة!»

جاء فيكتور راكضاً بقلق: «ماذا حدث؟ هل أصابكِ مكروه؟»

أشارت مارثا بِيَدٍ ترتجف نحو الطريق: «انظر.. تلك العربة السوداء.. أليست متجهة نحونا؟»

توقف قلب فيكتور للحظة. تلك العربة الضخمة بشعارها المهيب لم تكن غريبة على ذاكرته. ارتبك الزوجان ارتباكاً شديداً؛ فكل ما حاولا نسيانه ودفنه لسنوات ظناً منهما أنه توارى عن الأنظار، بدا وكأنه عاد ليطاردهما مجدداً.

توقفت العربة السوداء الفاخرة أمام المنزل، مما أحدث تبايناً صارخاً بين لمعانها الأسود وبين بساطة الحقول المحيطة. فُتح الباب، وترجلت مارغريت كاستيلار بوقارٍ يخطف الأنفاس.

كانت مارغريت ترتدي فستاناً من الحرير الأزرق الملكي، بلونٍ يطابق تماماً زرقة عينيها الثاقبتين. ينسدل فوق كتفيها وشاحٌ مخملي، وشعرها الأبيض المصفف بعناية كان يلمع تحت ضوء الشمس كتاجٍ من الفضة. بشرتها الصافية وملامحها التي لا تهزها السنون جعلتها تبدو كأنها تمثالٌ متحرك من العظمة والسيادة.

تسمّر فيكتور ومارثا في مكانهما عند باب المنزل، لم يستطيعا نطق كلمة واحدة. كانت الصدمة واضحة على وجهيهما؛ فوجود "كاستيلار" في عقر دارهما لم يكن مجرد زيارة، بل كان زلزالاً يهدد أمنهما الذي بنياه بشق الأنفس.

في هذه اللحظة، ظهرت رينا من خلف المنزل وهي تحمل سلتها المليئة بالتفاح، كانت تدندن بلحن هادئ، وشعرها يتطاير بفعل النسيم. لكنها توقفت فجأة، وسقطت التفاحة من يدها لتتدحرج على العشب وهي تنظر بذهول إلى تلك السيدة التي تقف أمام والديها.

كسرت رينا حاجز الذهول الذي خيّم على المكان؛ تذكرت فجأة ذلك الوعد العابر  يوم أمس، الوعد الذي ظنت أنه مجرد مجاملة من سيدة راقية، لكن وقوف العربة الملكية هنا كان الدليل القاطع على أن كلمات الكبار لا تذهب سدى.

ركضت رينا نحو الدوقة بملامح يملؤها التعجب والترحاب، وقالت وقد انقطعت أنفاسها قليلاً:

— «آه.. سيدتي! لقد أتيتِ حقاً.. لم أكن أتوقع أنكِ ستتذكرين منزلاً بسيطاً كهذا.»

ارتسمت على وجه مارغريت ابتسامة هادئة تحمل وقار السنين، وأجابت بنبرة واثقة:

— «ولماذا العجب يا ابنتي؟ هل ظننتِ أنني من أولئك الذين ينكثون وعودهم؟ وكيف لي ألا آتي لتقديم الامتنان للفتاة التي مدت لي يد العون حين عزّ المعين؟»

خلفهما، كان السيد فيكتور والسيدة مارثا يقفان كتمثالين من ملح؛ الأسئلة تتقاذف في أذهانهما كالأمواج: كيف لابنتهما أن تعرف "كاستيلار"؟ وكيف لهذه الدوقة أن تطأ عتبة منزلهما المتواضع؟

تقدمت رينا بخطوات مترددة لتبدأ مراسم التعريف، وهي تشعر بقلبها يخفق بقوة؛ فهي تعلم ثقل اسم عائلتها وما يحمله من تاريخ. قالت وهي تنظر لوالدها:

— «سيدتي.. اسمحي لي أن أعرفكِ، هذا والدي.. فيكتور..»

ترددت للحظة، ابتلعت ريقها ثم نطقت اللقب الذي كانت تخشى وقعه:

— «فيكتور بيلوفا.»

راقبت رينا ملامح الدوقة بتركيز شديد، متوقعةً أن ترى لمعة تعجب أو إدراك لاسم عائلة كان له شأن في التاريخ، لكن مارغريت ظلت محتفظة بهدوئها الأسطوري، كأن اسم "بيلوفا" مجرد لقب عادي لا يحمل خلفه أي أسرار. تملك العجب من رينا؛ فمن المستحيل لسيدة بوزن مارغريت كاستيلار ألا تعرف تاريخ العائلات الكبرى!

أكملت رينا التعريف وهي تشير لوالدتها:

— «وهذه والدتي.. مارثا دي مونت.»

هنا، ولأول مرة، تغير بريق عيني الدوقة. مالت برأسها قليلاً وتمتمت بنبرة حملت صدىً غريباً:

— «آه.. دي مونت..»

سكتت للحظة، ثم أردفت بابتسامة غامضة: «نعم.. سيدة مارثا دي مونت.»

كان رد الفعل هذا كفيلاً بإثارة حيرة رينا؛ لماذا لم تهتم بلقب والدها "بيلوفا" بينما أثارها لقب والدتها؟ ما هي القصة المخفية خلف اسم "دي مونت" في ذاكرة كاستيلار؟

استدرك الوالدان الموقف بسرعة، فتقدما بخطى مهذبة تعكس رقيّ أصلهما رغم بساطة حالهما. قالت مارثا بصوت متهدج من شدة المفاجأة:

— «تفضلي بالدخول يا حضرة الدوقة.. نحن نتشرف بزيارتكِ، رغم أن منزلنا.. ربما يكون متواضعاً قليلاً ولا يليق بمقامكِ.»

قاطعت مارغريت حديثها برقيّ منقطع النظير، موجهةً بصرها نحو الأم:

— «سيدة مارثا دي مونت، شكراً لقلقكِ، لكن صدقيني.. لا يهمني بريق الجدران بقدر ما يهمني التعبير عن امتناني لابنتكِ النابغة. كما أن زيارتي هذه تحمل في طياتها "عرضاً" أود طرحه عليكم.»

«عرض؟» ترددت الكلمة في أرجاء المكان. تبادل فيكتور ومارثا نظرات قلقة؛ فالعروض التي تأتي من عائلة كاستيلار غالباً ما تكون عقوداً مع القدر نفسه. ومع ذلك، انحنيا احتراماً وقالا بصوت واحد:

— «نحن نقدر ذلك كرمكِ حقاً.. تفضلي بالدخول، القصر قصركِ.»

دخلت الدوقة مارغريت بخطواتها الواثقة، يتبعها كاستيو الذي يحمل صندوقاً من الهدايا الفاخرة، بينما كانت رينا تمشي خلفهم وهي تشعر أن حياتها الهادئة في "أكوجا" قد انتهت تماماً منذ هذه اللحظة.

داخل غرفة المعيشة التي فاحت فيها رائحة خشب الأرز والشاي الريفي، جلست مارغريت كاستيلار كملكة تستعيد عرشاً قديماً. لم يكن العرض في ذهنها حين انطلقت من قصرها، لكن بمجرد أن طرق مسمعها لقبا "بيلوفا" و**"دي مونت"**، اشتعلت في رأسها فكرة عبقرية؛ فكرة تجمع بين رد الاعتبار لعائلة ظُلمت، وبين تأمين مستقبل حفيدها "ثيودور".

كسرت مارغريت الصمت بنبرة هزت أركان الغرفة:

— «سيد فيكتور، سيدة مارثا.. لقد جئتُ بامتنان، لكنني سأخرج بعرض زواج. أريد رينا زوجة لحفيدي والدوق القادم لعائلتي، ثيودور كاستيلار.»

سقط الصمت كالصاعقة. شحب وجه فيكتور، وارتجفت يد مارثا. تقدم فيكتور خطوة، وقال بصوت مثقل بالمرارة:

— «حضرة الدوقة.. نحن نقدر هذا الكرم، لكن هل سمعتِ اللقب جيداً؟ نحن "بيلوفا".. ألا يذكركِ هذا الاسم بحادثة الخيانة العظمى؟ لا أريد لابنتي أن تكون مادة لازدراء المجتمع الأرستقراطي الذي نفينا منه.»

انتصبت مارغريت في جلستها، وضربت بعصاها الأرض بحزم:

— «من يتجرأ؟!» برقت عيناها بقوة وهي تكمل: «من يتجرأ على التفوه بكلمة ضد فرد يحمل اسم كاستيلار؟ رينا ستكون زوجة حفيدي هل تعتقد أنني سأسمح لأحد بمساس كرامتها؟ الجميع يعلم أن ما حدث في الماضي كان طعنة من الخلف، فالوزير هارتر بيلوفا لم يكن يوماً متمرداً، بل كان أنبل من خدم الإمبراطور.»

كانت رينا تقف في الزاوية، تشعر وكأن الأرض تدور بها. وزير؟ إمبراطور؟ خيانة؟ تمتمت في سرها بحيرة: «جدي كان وزيراً؟ لماذا لم يخبرني أحد؟ وكاستيلار.. أليس هذا اسم المعهد الذي أحلم بالانضمام إليه؟»

التفتت مارغريت نحو الوالدين وأردفت بنبرة ملؤها التقدير:

— «لذا، حضرة الكونت فيكتور بيلوفا، والكونتيسة مارثا دي مونت.. الدم لا يصير ماءً، واللقب الأرستقراطي لا يمحوه الزمن. أنتما تنتميان لتلك الطبقة، وآن الأوان ليعرف العالم ذلك.»

نظرت رينا إلى والديها، فرأت في أعينهما شيئاً لم تره قط؛ نظرة فخر ممزوجة بدموع حنين مكتومة. وكأن كلمات الدوقة كانت البلسم الذي داوى جرحاً عمره عقود. قال فيكتور بصوت خفيض:

— «شكراً لكِ يا دوقة مارغريت.. شكراً لأنكِ كنتِ الوحيدة التي نطقت بالحقيقة.»

هنا التفتت الجدة نحو رينا، ولانت نبرتها:

— «وأنتِ يا صغيرتي.. ما رأيكِ؟»

بلعت رينا ريقها وقالت بصدق: «في الحقيقة.. لم أفكر بالزواج قط. كل حلمي هو أن  أعمل في منصب مرموقة، أن أصنع نجاحي الخاص بجهدي.. لذا أنا..»

قاطعتها مارغريت بابتسامة داهية:

— «ستعملين في معهد كاستيلار .. من الفخر أن تكون زوجة حفيدي مجتهدة. سأدعم طموحكِ ليكون سلاحاً في يدكِ، لا عائقاً.»

حاولت رينا التملص بذكاء: «سيدتي.. أنا في الثامنة والعشرين، لقد تجاوزتُ السن التقليدي للزواج، والدوق بالتأكيد يريد فتاة أصغر سناً لتناسب مقامه.»

ضحكت مارغريت بخفة: «ثيودور ليس صغيراً أيضاً، فهو في الثلاثين. سنكما متناسب تماماً، وما يهمني ليس الأرقام، بل العائلة القوية التي ستبنيانها معاً.»

وقفت الدوقة معلنةً نهاية اللقاء:

— «لن أضغط عليكِ الآن. سأترك لكِ عنوان القصر الذي أمكث فيه هنا في الريف. سأبقى لثلاثة أيام، وأرجو ألا يطول تفكيركِ، فالمستقبل لا ينتظر المترددين.»

انحنت رينا باحترام: «حاضر يا سيدتي.. شكراً لكِ على كل شيء.»

ختمت الدوقة بوقار: «كان من الشرف لقاء عائلة بيلوفا مجدداً. أرجو أن تكون علاقتنا أمتن في الأيام القادمة.»


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة