قيود من حرير - الفصل (6) - فوضى في جناح الضيوف

 



بينما كان سيباستيان يحاول استجماع شتات نفسه بعد خروجه من مكتب الدوق، لمح "إيلسا"، إحدى الخادمات الشابات، تركض نحوه بهلع، وجهها كان شاحباً لدرجةٍ جعلت قلبه ينقبض. كانت ترتجف وأنفاسها متهدجة وهي تهمس بصوتٍ مخنوق:

— «سيد سيباستيان.. أدركنا! الجناح الشرقي.. قاعة الضيوف الملكية!»

توقف سيباستيان تماماً، وعيناه اتسعتا من هول الفكرة، فالجناح الشرقي هو المكان الذي سيُعقد فيه اجتماع "ملكية الفنادق" بعد دقائق. أمسك بكتفي الخادمة بصرامة:

— «ماذا حدث؟ تكلمي بسرعة!»

قالت الخادمة والدموع في عينيها:

— «أثناء تحضير طاولة الاجتماع، سقطت الثريا الكريستالية العملاقة.. تحطمت تماماً فوق الطاولة التاريخية! السجاد الفاخر غرق بالزيت والزجاج، والطاولة التي ورثها الدوق عن جده.. قد كُسر ساقها تماماً!»

شعر سيباستيان ببرودة تجتاح أطرافه. تلك الطاولة لم تكن مجرد قطعة أثاث، بل كان ثيودور يفتخر بها أمام ضيوفه كرمز لثبات عائلة كاستيلار. وقوع حادث كهذا قبل دقائق من وصول أهم رجال الأعمال يعني كارثة محققة.

انطلق سيباستيان مع الخادمة بسرعة، وهو يهمس في نفسه بذعر:

— «لو رأى ثيودور هذا المنظر، سيطرد نصف الخدم ويغلق القصر. يجب أن نتحرك!»

وصل إلى القاعة ليجد المنظر مروعاً؛ الكريستال المتناثر كان يلمع كالشظايا على الأرض. التفت سيباستيان إلى الخدم المرتعبين الواقفين حول الحطام وصرخ بصوتٍ منخفض وحاد:

— «لا تقفوا هكذا! ارفعوا الحطام فوراً. أنتم، احضروا الطاولة الأبنوسية من الجناح الغربي وضعوها مكانها، وغطوها بالغطاء الملكي المطرز بالذهب ليخفي الفرق! وأنتم، نظفوا السجاد أو غطوه بقطع من جلود الدببة الفاخرة.. أمامنا سبع دقائق فقط قبل أن يخرج الدوق من مكتبه!»

بينما كان الخدم يعملون كخلية نحل تحت إشراف سيباستيان الصارم، وقف هو ينظر إلى الساعة الكبيرة في الرواق، ونبضه يتسارع مع كل "تكة". كان يعلم أن أي خطأ صغير، أو حتى رائحة زيت منبعثة، ستجعل ثيودور يدرك أن شيئاً ما قد حُجب عنه.. وعندها، لن يرحم أحداً.

تمتم سيباستيان وهو يمسح العرق عن جبينه:

— «خمس وعشرون سنة.. ولم تكن حياتي مهددة بالخطر مثل هذه السبع دقائق »

استلم سيباستيان زمام الأمور بيدٍ من حديد، وتحول الرواق المؤدي للقاعة إلى ساحة معركة صامتة. كان يراقب حركة الخدم وهو يوزع الأوامر بإشارات يده فقط، لكي لا يرتفع أي صوت قد يصل إلى مسامع الدوق القابع خلف مكتبه.

بينما كان العمال يسحبون الطاولة البديلة الثقيلة بحذر شديد، كانت الخادمات يجمعن قطع الكريستال المتناثرة وكأنهن يجمعن ألغاماً موقوتة. سيباستيان، بعينيه الخبيرتين، لاحظ بقعة زيت داكنة على طرف السجاد الفارسي النادر، فصاح بهمسٍ حاد:

— «الجلد! أحضروا جلود الدببة فوراً وغطوا هذه الزاوية، لا تدعوا ثقباً واحداً يظهر للعيان!»

في تلك اللحظة، سُمع صوت فتح باب مكتب الدوق في نهاية الممر. تجمد الجميع في مكانهم، وساد صمتٌ قاتل لثانية واحدة كادت فيها قلوبهم أن تتوقف.

همس سيباستيان للخدم بنبرة آمرة:

— «تواروا عن الأنظار الآن! اخرجوا من الأبواب الخلفية!»

اختفى الخدم كالأشباح قبل أن تظهر قامة ثيودور كاستيلار المهيبة في بداية الرواق. كان يسير بخطواتٍ واثقة ومنتظمة، وصوت حذائه الجلدي على الرخام كان يقرع كطبول الحرب. وقف سيباستيان عند باب القاعة، وعدّل سترة بدلت الرسمية، ورسم على وجهه قناع الهدوء المثالي، رغم أن قميصه كان يلتصق بظهره من شدة التوتر.

توقف ثيودور أمام سيباستيان، وضيق عينيه وهو ينظر إلى باب القاعة المغلق، ثم استنشق الهواء ببطء وقال بنبرة مريبة:

— «هناك رائحة غريبة في الأجواء يا سيباستيان.؟»

ابتلع سيباستيان ريقه بصعوبة، لكنه أجاب بثباتٍ مذهل:

— «لقد أمرتُ بتنظيف النجفات والشمعدانات بعطر الصنوبر المركز استعداداً للضيوف يا سيدي، ربما تكون الرائحة قوية قليلاً لأن القاعة كانت مغلقة.»

لم ينطق ثيودور بكلمة، بل تقدم وفتح الباب بنفسه. دخل إلى القاعة، وجال ببصره في أرجائها. كانت الطاولة الجديدة مغطاة بمفرش حريري مطرز بخيوط الذهب يتدلى بوقار، وتحتها جلود الدببة البيضاء التي أخفت تماماً آثار الحطام وبقع الزيت.

مشى ثيودور نحو الطاولة، ووضع يده على سطحها، وشعر سيباستيان حينها أن العالم على وشك الانهيار. لو ضغط الدوق قليلاً لربما شعر بفرق الوزن أو الخامة، لكن في تلك اللحظة بالذات، رنّ جرس البوابة الخارجية للقصر.

التفت ثيودور ببرود:

— «لقد وصلوا. بالثانية تماماً كما أمرت.»

سار نحو مقعده الرئيسي في صدر القاعة وجلس بهيبته المعتادة، ثم أردف دون أن ينظر لسيباستيان:

— «سيباستيان، أخبرهم بالدخول.. ولا تدع أحداً يقاطعنا، مهما كان السبب.»

انحنى سيباستيان بعمق وهو يشعر بانتصارٍ صغير ممزوج برعبٍ دائم، وخرج لاستقبال الضيوف.

فُتحت الأبواب الضخمة، ودخل ثلاثة من كبار المستثمرين يتبعهم سكرتير يحمل حقيبة جلدية محشوة بالعقود. كان الجو داخل القاعة مشحوناً بالهيبة، ورغم غياب الثريا الكريستالية، إلا أن ضوء الشموع الموزعة بدقة أعطى المكان طابعاً كنسياً مهيباً.

لم ينهض ثيودور من مقعده، بل ظل جالساً كتمثال من رخام، عيناه الزرقاوان تراقب كل حركة تصدر عنهم. أشار بيده إشارة خفيفة لكي يجلسوا، فعمّ الصمت لثوانٍ بدت وكأنها دهر.

بدأ أكبر المستثمرين سناً، وهو السيد "بارون"، بالحديث بصوتٍ مرتعش قليلاً:

— «سيادة الدوق، نحن هنا لمناقشة بنود الاستحواذ على مجموعة فنادق "لافيير". كما تعلم، نحن نطلب مهلة ستة أشهر لنقل الملكية الإدارية لضمان استقرار الموظفين و...»

قاطعه ثيودور بصوتٍ هادئ لكنه حاد كالنصل:

— «ستة أشهر؟»

ثم وضع يده على الطاولة (تلك الطاولة التي كان سيباستيان يراقبها بقلبٍ يرتجف خوفاً من أن تتحرك). نقر ثيودور بإصبعه فوق المفرش الذهبي وقال ببرود:

— «لقد أخطأت العنوان يا سيد بارون. أنا لا أشتري الفنادق لأدير شؤون الموظفين، أنا أشتري العقارات لأنها تقع في المفاصل الحيوية للإمبراطورية. انتقال الملكية سيتم خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، أو يمكنكم الخروج من هذه القاعة الآن والبحث عن مشترٍ آخر يملك طول البال الذي تفتقدونه.»

ارتبك المستثمرون وتبادلوا نظرات ذعرة. حاول أحدهم الاعتراض:

— «لكن يا سيادة الدوق، القوانين التجارية تمنحنا...»

هنا، انتصب ثيودور في جلسته، مما جعل الجميع يتراجعون لاإرادياً بظهورهم. سادت لحظة من الحزم المطلق حين قال:

— «في هذا القصر، أنا القانون. "لافيير" ليست مجرد فنادق، هي أصلٌ من أصول كاستيلار الضائعة التي عادت لأصحابها اليوم. إما أن توقعوا على التنازل الفوري، أو اعتبروا أنفسكم أعداءً لعائلتي في السوق ابتداءً من الدقيقة القادمة.»

سيباستيان، الواقف في الزاوية المظلمة، كان يراقب المشهد بذهول. لم يكن الدوق يتفاوض، كان يُملي شروطه وكأنها قدرٌ محتوم. وبينما كان الرجال يوقعون العقود بأيدٍ مرتجفة، كان سيباستيان يدعو في سره ألا يلاحظ أحدٌ منهم أن الطاولة التي يوقعون عليها "بديلة"، أو أن أرجلهم تلامس فراء الدببة الذي يخفي تحت حطام الكريستال.

أغلق ثيودور الملف الذي أمامه بضربةٍ واحدة أصدرت صوتاً قوياً تردد في أرجاء القاعة:

— «انتهى الاجتماع. سيباستيان، رافق السادة إلى البوابة.. وتأكد أنهم فهموا شروط الصمت تماماً.»

خرج المستثمرون وهم يشعرون أنهم خرجوا من زلزال مدمر، بينما بقي ثيودور وحيداً في القاعة، ينظر إلى الفراغ بملامح لا تقرأ، وكأن هذا الانتصار الساحق لم يكن سوى مجرد روتين يومي ممل.



تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة