قيود من حرير أسود- الفصل 5- ارتباك و أصداء ذاكرة




 بينما كانت رينا تسند السيدة المسنة، انقطع هدوء المكان بصوت ركضٍ متسارع، وجاء رجل يرتدي زياً رسمياً أنيقاً ينم عن انضباط الخدم في القصور العظمى، وصاح بذعر: "سيدتي! سيدتي! يا إلهي، أنا آسف حقاً.. بسبب الطريق الوعرة والزحام تخلفتُ عنكِ، هل أنتِ بخير؟ ماذا حدث؟"

أجابت الجدة بهدوء  وهي تعدل وقفتها: "كريستو، اهدأ.. أنا بخير، لا تقلق. لقد داهمتني نوبة الدوار المعتادة، وقد تم إنقاذي بفضل هذه الشابة اللطيفة."

وقفت رينا تراقب الموقف بصمت، ولم تشعر بالتعجب؛ فمنذ اللحظة الأولى التي رأت فيها ثوب الجدة المصنوع من الحرير الفاخر المنسوج بخيوط الذهب الخفية، وحليها التي تنطق بالعراقة دون تكلف، أدركت أنها أمام شخصية من الطبقة العليا. زاد تأكدها عندما رأت حجم العربة التي توقفت خلف الخادم؛ كانت ضخمة، مطلية باللون الأسود اللامع، ومبطنة بالمخمل، تقودها خيول أصيلة قلما توجد في قرية مثل "أكوجا". ورغم أن رينا لم تلاحظ الشعار المنقوش على جانب العربة، إلا أن هيبة الموكب كانت كافية لتخبرها بكل شيء.

لحظة واحدة غامت فيها عينا رينا بحزن عميق؛ تذكرت قصر عائلتها القديم، وتخيلت لو أن الزمن لم يغدر بهم.. ألم تكن أمها الآن  ترتدي مثل هذا الحرير بدلاً من ثيابها المهترئة؟

جمعت شتات نفسها بسرعة وقالت بوقار: "إذن، بما أنكِ بأمان الآن وتواجد مرافقوكِ، سأستأذن للذهاب."

"حسناً، شكراً لكِ يا عزيزتي"، قالت الجدة، ثم استطردت باهتمام: "لكن لم تخبريني، من أي عائلة أنتِ؟ وأين تسكنين؟ يجب أن أزور منزلكم لأقدم شكري لعائلتكِ."

تفاجأت رينا من الطلب، وتلعثمت قليلاً: "تزورين منزلنا؟"

رفعت الجدة حاجبها بابتسامة غامضة: "لماذا؟ هل هناك مانع؟"

أجابت رينا بحرج: "حسناً، كما تعلمين.. نحن نسكن في منزل بسيط جداً، وربما لن يليق بمقامكِ.."

قاطعتها الجدة بحزم حنون: "ليس هناك 'ربما'.. سأزوركم يا صغيرتي."

استسلمت رينا وقالت بصوت خفيض: "حسناً.. إنه بيت يقع فوق التل، في آخره تماماً، تحيط به مجموعة من الأشجار الكثيفة."

التفتت الجدة لمرافقه: "كريستو، هل فهمت الموقع؟"

أجاب بانحناءة أدبية: "نعم سيدتي، الموقع واضح تماماً."

ذهبت رينا وهي تشعر بمزيج من الارتباك والخجل. كانت تمشي وهي تلوم نفسها أحياناً، وتتحسر أحياناً أخرى. صفعَت خدها بخفة لكي تستيقظ من أوهام الماضي، وقالت لنفسها بإصرار: "سيتحسن كل شيء، سأجعل والديّ يعيشان جيدا ."

لكن سرعان ما عاد القلق ينهش تفكيرها: "يا إلهي، هذه مشكلة! تلك السيدة ستقف بعربتها الفخمة أمام منزلنا المتهالك.. والأهم من ذلك، ماذا لو علمت أنني ابنة 'عائلة بيلوفا'؟ هل ستظل تنظر إليّ بنفس اللطف، أم سيسكن الازدراء عينيها كما فعل مدير المعهد؟"

ترجلت السيدة الكبيرة مارغريت كاستيلار من عربتها الفاخرة وهي تجر خلفها ذيول هيبةٍ لا تذبل. كانت ملامحها هادئة كالعادة، لكن في أعماق ذهنها كانت تدور عاصفة من التساؤلات. طوال طريق العودة، لم تفارق خيالها صورة تلك الفتاة التي التقتها صدفة؛ كان حضورها طاغياً إلى حدٍ جعل مارغريت تلوم نفسها لأنها لم تتعرف حتى عن اسمها أو هوية عائلتها. ثمة شيء في تلك النظرات كان دافئ وأثراً تركته في نفسها لا يمكن لامحوه أو تجاهله.

«دق.. دق.. دق»

تسلل صوت الطرقات الرزين على باب المكتب، ليعلن وصول سيباستيان. لم يكن سيباستيان مجرد خادمٍ لدى الدوق ثيودور، بل كان "ظله" الوفي وصندوق أسراره الأسود. كانت العلاقة بينهما تتجاوز حدود البروتوكول؛ رابطة وثيقة تشبه الأخوة، صُهرت في كير ماادٍ غامض ومشترك، ماضٍ يرفض كلاهما نبشه أو حتى الالتفات إليه، مفضلين دفنه تحت برود ألقابهم الرسمية.

قال سيباستيان بنبرةٍ هادئة تخفي خلفها احتراماً عميقاً:

— «سيادة الدوق، هل تسمح لي بالدخول؟»

جاءه الرد من الداخل بصوتٍ أجوف كوقع السيوف:

— «ادخل يا سيباستيان.»

دلف سيباستيان بخطواتٍ موزونة، واقترب من المكتب حيث كان ثيودور غارقاً في أوراقه.

— «حضرة الدوق، لقد اقترب موعد الاجتماع الخاص بملكية سلسلة الفنادق.. كل شيء جاهز بانتظار تعليماتك الأخيرة.»

رفع ثيودور عينيه الحادتين، وكان برودهما كافياً لتجميد الهواء في الغرفة. سأل بنبرةٍ لا تقبل الجدل:

— «هل تأكدت من حضور الجميع؟ أنت تعلم جيداً أن أكثر ما يثير حنقي هو الاستخفاف بالمواعيد. أخبرهم بوضوح: دقيقة واحدة من التأخير تعني أن الصفقة لم تُخلق أصلاً، وسأعتبرها ملغاة دون رجعة.»

ظهر الارتباك بوضوح على ملامح سيباستيان، وهو أمر نادر الحدوث، فقال بصوتٍ متردد:

— «حاضر يا سيدي.. ولكن، تعلم أن الزحام أو الظروف قد تكون..»

قاطعه ثيودور بنظرةٍ صاعقة:

— «لا أعذار! إذا لم يطأوا عتبة هذا القصر في الوقت المحدد، فلا تستقبل أحداً منهم. انتهى الأمر.»

ساد صمت ثقيل قبل أن يسأل ثيودور بلهجةٍ حاول أن تبدو عادية:

— «هل عادت الدوقة الأم؟»

— «لا يا سيدي، لم تعد بعد.»

— «حسناً.. انصرف الآن.»

خرج سيباستيان من المكتب، وما إن انغلق الباب حتى زفر أنفاسه بصعوبة، وحدث نفسه بمرارة:

— «يا إلهي.. لقد مرت خمس وعشرون سنة وأنا في خدمته ، وما زلت أشعر بنفس الرهبة والارتباك أمام سطوته. كيف يمكن لإنسان أن يتماشى مع هذا المزاج المتقلب والبرود القاتل؟ لا أظن أن هناك روحاً على وجه الأرض خُلقت لتتحمل هدوءه المستفز هذا.»


"بقلمي أنا.. جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة لمدونة Sweet Novel Time. يمنع نسخ النص أو تداوله في مواقع أخرى حفاظاً على المجهود المبذول."


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة