قيود بحرير أسود الفصل- 4- لقاء عند تقاطع الأقدار




 كانت الجدة تقف في شرفتها الواسعة المطلة على حدايقة الدوقية ، تتأمل السماء الصافية التي بدأت تصطبغ بألوان الغروب الدافئة. 

كانت رائحة الأزهار النادرة تفوح من الحديقة، والهدوء يلف المكان، لكن هذا الصفاء لم يجد طريقاً لقلبها. فرغم أن حفيدها، الدوق كاستيلار، قد رفع عن كاهلها أعباء العمل وأصبح يدير تلك الإمبراطورية المالية المترامية بقبضة حديدية وذكاء فتاك، إلا أن نجاحه المهني زاد من قلقها الشخصي عليه.

كانت تراه من بعيد؛ رجلاً يمتلك كل شيء، لكنه لا يملك "حياة". بروده الذي يذيب الصخور، ورفضه القاطع لفكرة الزواج أو تكوين عائلة، جعلها تشعر بأن سلالة كاستيلار العريقة توقفت عند هذا الجدار الجليدي. كانت تتساءل وهي تداعب بتلات زهرة بجانبها: "ما نفع كل هذا الجاه، إذا كان وريثه يعيش في وحدة لا تكسرها إلا أوراق العمل؟"

شعرت برغبة عارمة في الابتعاد عن بروتوكولات العاصمة وعن رؤية حفيدها الذي تحول إلى آلة صماء. لمعت في ذهنها ذكرى قديمة.. ذكرى "أكوجا".

تلك القرية الساحلية التي يمتزج فيها لون البحر الفيروزي بخضرة الغابات الشاهقة. تذكرت الميناء الصغير حيث تتمايل السفن بهدوء، والهواء الذي تفوح منه رائحة الملح والحرية. هناك، حيث الطبيعة لا تزال تحتفظ ببكارتها وصدقها، وحيث يمكنها أن تريح عقلها من ضجيج التفكير في مستقبل حفيدها الغامض.

"أحتاج لنسمات أكوجا"، قالتها وهي تغلق عينيها، متخيلةً الهدوء الذي ينتظرها هناك، غير مدركة أن هذه الرحلة التي ظنتها للاستجمام، ستضع بين يديها "الجوهرة" التي ستغير قدر عائلة كاستيلار للأبد.

توقفت العربة الملكية الفخمة التي تحمل شعار عائلة كاستيلار عند مدخل قرية "أكوجا". نظرت الجدة من النافذة، فغمرتها أمواج من الذكريات؛ هنا، في هذه الشوارع الضيقة المرصوفة بالحصى، كانت تمشي يوماً ما ممسكةً بيد زوجها الراحل، يتقاسمان ضحكات الشباب وأحلام المستقبل. كانت "أكوجا" بالنسبة لها ليست مجرد مصيف، بل كانت مستودعاً لأجمل لحظات حياتها.

"توقف هنا"، قالت الجدة بنبرة هادئة ولكن آمرة.

ارتبك السائق قائلاً: "لكن يا سيدتي، صحتكِ لا تسمح.. الطريق وعر والمشي قد يجهدكِ."

ابتسمت الجدة بوهن لكن بإصرار: "أنا بخير، أحتاج فقط أن أشعر بالأرض تحت قدمي مرة أخرى، اتبعني بالعربة عن بُعد."

ترجلت الجدة، وبدأت تمشي بخطوات وئيدة، تستنشق هواء البحر وتتأمل البساطة التي اشتاقت إليها. لكن فجأة، بدأت الأرض تميد من حولها، وشعرت بدوارٍ عنيف وصداع حاد كأنه نصلٌ يغرس في رأسها، وهو الصداع الذي عجز أطباء العاصمة وأدويتهم الكيميائية عن ترويضه.

في تلك الأثناء، كانت رينا تسير في الاتجاه المعاكس، عائدة من السوق وتحمل في يدها بعض أدوات الزراعة البسيطة وبذوراً لموسم الغد. لمحت السيدة المسنة وهي تترنح، فأسرعت نحوها قبل أن تسقط، وأسندتها برفق وقوة.

"سيدتي! هل أنتِ بخير؟ أرجوكِ استندي إليّ"، قالت رينا بصوتٍ دافئ يبعث على الطمأنينة.

تنفست الجدة بصعوبة: "إنه.. إنه الصداع ذاته، لا تقلقي يا ابنتي، سيمر بعد قليل."

أجلستها رينا على مقعد خشبي قريب، ونظرت في عينيها بدقة. قالت رينا بهدوء: "لقد عانت أمي من أعراض مشابهة لسنوات. الأطباء غالباً ما يصفون مسكنات للأعصاب، لكن المشكلة قد تكون في تدفق الدورة الدموية بسبب ضغط العاصمة أو الإرهاق."

اندهشت الجدة من لغة الفتاة الراقية، فسألتها: "وكيف تعالجها أمكِ؟"

أجابت رينا: "بما أنني خريجة قسم الأبحاث، فقد تعمقت في دراسة الخصائص الطبية للنباتات المحلية هنا. سأقترح عليكِ خلطة أعشاب بسيطة؛ قومي بغلي زهور 'اللافندر البري' مع جذور 'الفاليريان' وقليل من زيت 'الروزماري'، اصنعي منها ضمادة وضعيها على رأسكِ طوال الليل لمدة ثلاثة أيام متتالية دون غسل شعركِ بالماء تماماً خلال هذه الفترة. هذه الخلطة ستعمل على تهدئة الأعصاب وإعادة التوازن لرأسكِ.. صدقيني ستشعرين بالفرق."

نظرت الجدة إلى رينا بإعجاب مكتوم؛ لم تكن هذه مجرد فتاة ريفية تساعد عابرة سبيل، بل كانت تتحدث بعلم وثقة وكبرياء فطري.

بدأ الحديث بينهما، ولم تكن الجدة تعلم أن هذه الفتاة التي تنصحها بخلطة أعشاب طبية، تمتلك من الذكاء ما يجعلها تدرك أن هذا الصداع ليس مجرد مرض عابر، بل هو ضريبة الحياة في قمم السلطة الباردة.

"أرى في عينيكِ علماً لا تملكه الفتيات هنا"، همست الجدة وهي تتشبث بذراع رينا القوية.

ابتسمت رينا بوقار: "العلم هو سلاحي الوحيد يا سيدة، والبحث في أسرار الطبيعة علمني أن لكل داء دواءً، حتى لو كان الدواء في جذور نباتٍ منسي في قرية صغيرة."

عاد الدوق كاستيلار إلى قصره العظيم في العاصمة، وهو أمرٌ نادر الحدوث؛ فقد كان يقضي معظم لياليه في أجنحة فنادقه الفاخرة ليكون قريباً من مراكز صفقاته. وبمجرد أن عبرت عربته البوابة الحديدية الضخمة، دبّت حالة من الاستنفار المهيب في القصر؛ خرج الخدم جميعاً واصطفوا في صفوف متراصّة كأنهم يستقبلون ملكاً متوّجاً، تملؤهم الرهبة والوقار في حضور سيدهم البارد.

ترجل الدوق بخطواته الرزينة، وعيناه تمسحان المكان بحدة لا تفوتها تفصيلة واحدة. سأل كبير الخدم بنبرة مقتضبة: "أين الجدة؟"

انحنى الخادم بأدب وأجاب: "لقد غادرت الدوقة إلى قرية 'أكوجا' هذا الصباح، سيدي."

توقف الدوق للحظة، وكرر الاسم بصوت خفيض وكأنه يختبر وقعه: "أكوجا.. لماذا تذهب إلى هناك؟ هل حدث شيء؟"

"قالت الدوقة الكبيرة إنها تحتاج لبعض الهواء النقي والسكينة، سيدي"، أجاب الخادم.

قطب الدوق حاجبيه وسأل: "وهل ذكرت متى ستعود؟"

أجاب الخادم بصوت حذر: "لا سيدي، لم تحدد موعداً."

أومأ الدوق برأسه إيماءة خفيفة، ثم اتجه نحو مكتبه الخاص. بمجرد أن أُغلق الباب الثقيل خلفه، تخلص من بروتوكولات العالم الخارجي؛ خفف ربطة عنقه التي كانت تخنقه طوال اليوم، ونزع سُترته الحريرية الثقيلة ليلقي بها جانباً. اتكأ على الأريكة الجلدية ، ووضع ذراعه فوق عينيه المتعبتين، محاولاً حجب ضوء الشمعدانات المتلألئة.

في تلك اللحظة، وسط سكون المكتب الفاخر، كان الدوق كاستيلار يبدو كجنديٍّ استراح أخيراً من معركة دامت طويلاً. كان جسده يتنفس الصعداء، لكن عقله ظلّ سجيناً لحكاية غامضة لم يطوِها الزمن، حكاية قديمة تثقل قلبه وتجعله يهرب من فكرة الارتباط والحب و العائلة. وبينما كان غارقاً في أفكاره السوداء، لم يكن يعلم أن رحلة جدته إلى "أكوجا" لم تكن من أجل الهواء النقي فقط، بل كانت من أجل البحث عن الخيط الذي سيحلّ عقدة حياته للأبد.


"بقلمي أنا.. جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة لمدونة Sweet Novel Time. يمنع نسخ النص أو تداوله في مواقع أخرى حفاظاً على المجهود المبذول."



تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة