الفصل (40)


 



كان السرير الفخم ذو الأعمدة الأربعة أريح ما نامت عليه ديليا في حياتها، بأغطية ناعمة كالسحاب ومرتبة بدت وكأنها تحتضنها بحنان. ومع ذلك، رفض النوم أن يأتيها. تقلبّت في فراشها، وعقلها مزيج مضطرب من متاعب اليوم وذكريات نظرة الدوق الثاقبة. كان صمت المنزل الفخم فرقًا شاسعًا عن الضجيج الذي يدور في رأسها.

تنهدت بضيق وجلست. تسلل ضوء القمر عبر النافذة الكبيرة، مغمرًا الغرفة بوهج فضي. مدت يدها إلى كوب الماء على الطاولة المزخرفة بجانب السرير وشربته دفعة واحدة، لكن السائل البارد لم يُهدئ من روعها. أرادت أن تصب لنفسها كوبًا آخر، لكن عندما رفعت إبريق الكريستال الثقيل، وجدته فارغًا.

نهضت من السرير، وخطواتها الحافية صامتة على السجادة الوثيرة. ارتدت رداء الحرير الذي كان مفروشًا بجانب سريرها، وسارت بهدوء نحو الباب. كانت بحاجة إلى المزيد من الماء، والمكان الوحيد للحصول عليه هو المطبخ. فتحت بابها وتسللت إلى الردهة الهادئة، مسترشدةً بضوء القمر الخافت المتسلل عبر نوافذ القصر الكثيرة.

في طريقها إلى المطبخ، مرت بغرفة الجلوس. لفت انتباهها شخصٌ مسترخٍ على أحد الكراسي الكبيرة. كان إريك. لم يذهب إلى سريره، بل غلبه النعاس هناك. رأت على الطاولة بجانبه زجاجتي نبيذ فارغتين.

"كم زجاجة شرب؟" همست لنفسها، وشعرت بقلقٍ خفيفٍ ينتابها.

وضعت إبريقها الفارغ على الطاولة وتوجهت نحوه. كان أول ما فكرت به عمليًا. التقطت الزجاجتين الفارغتين بحرص، بحركات بطيئة ومدروسة حتى لا تُصدر صوتًا. مشت على أطراف أصابعها إلى خزانة المشروبات وألقت بهما داخلها، متأكدةً من عدم سقوطهما وكسرهما.

عندما انتهت، عادت إليه. تسللت على أطراف أصابعها إلى كرسيه وجلست القرفصاء بجانبه. وبإصبعها المتردد، نكزت كتفه برفق.

همست قائلة: "يا صاحب السمو، إن كنت ستنام، فعليك الدخول إلى غرفتك. الجو بارد هنا."

لم يُجب. بل عدّل وضعية نومه، وتحرك على الكرسي حتى أصبح مواجهًا لها. "ممم"، تأوه بصوت خافت في نومه، صوت يدل على عدم ارتياحه.

حينها رأت قطرات العرق الصغيرة تتلألأ على جبينه. كانت الغرفة باردة، ومع ذلك كان يتعرق. "لماذا يتعرق كل هذا العرق؟" تساءلت في نفسها بهدوء. رأت منديله المطوي بعناية موضوعًا على مسند الكرسي. التقطته، وبلمسة خفيفة ولطيفة، بدأت تمسح العرق عن جبينه.

 تأوه مرة أخرى، هذه المرة بصوت أعلى، وعقد حاجبيه في نومه، وتحولت ملامحه الهادئة إلى عبوس قلق. توقفت على الفور، خشية أن تكون قد أيقظته. كان يتمتم بشيء ما، لكن الكلمات كانت منخفضة وغير مفهومة بالنسبة لها. بدافع الفضول، اقتربت منه، ووضعت أذنها على بعد بوصات قليلة من شفتيه، محاولة التقاط الكلمة التالية، حريصة بما يكفي لئلا توقظه.

لم تسمع سوى همساتٍ متقطعةٍ مضطربة. استسلمت، واستدارت لتنهض، ولكن ما إن تحركت حتى أدركت كم كان وجهها قريبًا من وجهه. كانت شفتاها على بُعد أنفاسٍ من شفتيه. أرسل هذا القرب المفاجئ والشديد موجةً من الذعر في جسدها. انتفضت إلى الوراء على الفور، بسرعةٍ كبيرةٍ لدرجة أنها فقدت توازنها وكادت تسقط على الأرض.

تداركت نفسها، وقلبها يخفق بشدة. كان تنفسه مضطربًا الآن، سريعًا وسطحيًا. كان من الواضح أنه واقعٌ في براثن كابوس. تقدمت نحوه مرةً أخرى. حامت يدها فوق كتفه، مترددةً في البداية، قبل أن تستقر هناك أخيرًا، وبدأت تربت على ظهره بإيقاعٍ بطيءٍ وثابت، كما لو كانت تُهدئ طفلًا خائفًا.

تحت لمستها، بدأ تنفسه يهدأ، وتوقفت حركاته المضطربة. واصلت التربيت اللطيف. "يا صاحب السمو،" قالت بهدوء، بالكاد يُسمع صوتها في الغرفة الصامتة. "بماذا تحلم؟"

 ظلّ إريك يئنّ بهدوء، رغم زوال نبرة الانزعاج.

تساءلت بصوت عالٍ: "مع من تتحدث؟ وعن ماذا تتحدث؟" نظرت إلى وجهه النائم، إلى خطوط التوتر التي ما زالت بادية عليه حتى بعد أن هدأ.

كان لغزًا لم تستطع حله. دوق قويّ يُعدّ طعامه بنفسه، لا يُحبّ الإقامة في منزل عائلته، يعيش وحيدًا في هذا المنزل الكبير بلا خدم، مُخطّط بارع يُمازحها كصبي، رجل ينام على كرسي ليحرس بابها. همست بشفقة: "كلما عرفتك أكثر، كلما شعرتُ أنني لا أعرف حقيقتك". استمرت في التربيت عليه، تُراقبه حتى انتظم تنفّسه وعادت أنفاسه عميقة.

في النهاية، غلبها الإرهاق، فانزلقت إلى الأرض، وأسندت رأسها على مسند الكرسي الذي كان ينام عليه، ثم غطت في نوم عميق.


•••••

ملأت شمس الصباح غرفة الاستقبال بضوء ساطع لا يرحم. دقّ مفتاح في قفل الباب الأمامي، تبعه صوت فتح الباب، معلنًا عن قدوم زائر. دخلت الدوقة ليرا المنزل مستخدمةً المفتاح الاحتياطي الذي تحتفظ به للطوارئ والزيارات المفاجئة.

نظرت حولها في المنزل الصامت، وهمست في نفسها، بنبرة انزعاج: "هل ما زال نائمًا في هذه الساعة؟"

دخلت غرفة الاستقبال وتوقفت فجأة. كان المشهد أمامها ساحرًا ولكنه مثير للجدل. كان ابنها، الدوق، نائمًا نومًا عميقًا على كرسي بذراعين، يتنفس بانتظام. وعلى الأرض بجانبه، كانت ديليا مستلقية على مسند الكرسي كالمخدة. أُلقي رداءها الحريري جانبًا أثناء نومها، كاشفًا عن بشرتها تحت قميص النوم البسيط. بدت وكأنهما زوجان شابان أمضيا ليلة طويلة يتحدثان، ثم غلبهما النعاس وهما جالسان.

رفعت الدوقة ليرا يدها إلى فمها، وأطلقت شهقة عالية من الصدمة. "يا إلهي! يا للعجب!"

اخترق صوتها سكون الصباح، وفتحت ديليا عينيها ببطء. نظرت ليرا بتمعن إلى المرأة الملقاة على الأرض، تحاول استيعاب ما حدث. "ديليا؟" سألت بصوت يملؤه الذهول.

رأت ديليا، التي لم تكن قد استيقظت تمامًا بعد، وعقلها مشوش من النوم، هيئة الدوقة المهيبة، وتمتمت بأول كلمة خطرت ببالها. "أمي؟"

جلست وهي تفرك عينيها. انقشع ضباب النوم، واتسعت عيناها رعبًا عندما أدركت من يقف هناك، وكيف يبدو المشهد. "أمي!" صرخت وهي تنهض على عجل وتلف رداءها حولها: "أمي، لم يحدث شيء! أقسم أننا فقط... كان... وغفوت! حقاً!"

أطلقت ليرا ضحكة مكتومة قصيرة، وتلاشى ذهولها الأولي ليحل محله استمتاع ساخر. قالت، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها: "يا صغيرتي، لا تعامليني كأنني عجوز متزمتة. أنا منفتحة الذهن. لقد سافرت كثيرًا في شبابي، كما تعلمين. لقد رأيت أمورًا أكثر إثارة للجدل من هذا بكثير."

حكت ديليا رقبتها بعصبية، واحمرّت وجنتاها بشدة. "نعم، بالطبع، يا صاحبة السمو."

انتقلت نظرة ليرا إلى ابنها، وتلاشى استمتاعها ليحل محله قلق. قالت وهي تقترب منه: "لكنه،" "كان يجب أن يكون مستيقظًا الآن." وصلت إلى كرسيه ونكزت كتفه برفق. "ابني؟ إريك؟"

لم يكن هناك رد. كان تنفسه منتظمًا، لكنه كان ساكنًا تمامًا. اختفت ابتسامة ليرا. نكزته مرة أخرى، بقوة أكبر هذه المرة. "إريك!"

لا يزال لا يجيب. التفتت إلى ديليا. "ما به؟"






تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة