الفصل (3)- الرجل في الحلم

 


جلست جوانا بهدوءٍ تام في العربة التي أقلّتها إلى موطنها، مملكة تيرا. وبينما كانت تراقب المطر ينهمر من السماء الملبدة بالغيوم، مرّرت أطراف أصابعها على آثار المطر المتساقط خارج النافذة.

كان المطر قد خفّ قبل مغادرة جوانا قصر الجنرال، ثمّ عاد ليهطل بغزارةٍ عندما دخلت العربة، ضاربًا سقفها ونوافذها التي كانت تأويها هي وخادماتها.

مع ذلك، أمرت جوانا حاشيتها، التي لم تكن تضمّ سوى خمسة عشر فارسًا من دوقية باراسكا، بمواصلة رحلتهم إلى ديارهم. وقد اتُخذ القرار بعد أن حصلت على تأكيد من قائد الفرسان، السيد سيلفستر، بإمكانية إتمام الرحلة في ظلّ الأحوال الجوية الحالية، الأمر الذي أراح جوانا.

كان لدى جوانا سببها الخاص لعدم تأخير رحلة العودة إلى تيرا. استغرق عبور الحدود بين أرتشيس وتيرا ثلاثة أسابيع، بينما استغرق الوصول إلى باراسكا، دوقية والدها، دوق باراسكا، جون دي لارا، خمسة أيام إضافية.

أرادت جوانا تقليل احتمالية لقائها بالجنرال، فبناءً على حلمها الليلة الماضية، كان الجنرال عائدًا من رحلته قريبًا. لو صادفت زوجها قبل مغادرتها أرتشيس، لكانت خطتها للرحيل قد فشلت، إذ سيُعيدها إلى قصره.

ذلك الحلم... هو ما دفع جوانا لاتخاذ قرار متسرع بالرحيل إلى تيرا. أدركت أن حاشيتها ستُفاجأ بهذا التصرف المفاجئ، وربما يظنون أنها فقدت عقلها بعد أن هجرها زوجها.

في الحقيقة، لم يكن يهم جوانا أنها لم تلتقِ بجنرال أرتشيس، الذي أصبح زوجها منذ أربعة أشهر، حتى الآن. لم ترَ حتى شعرة من شعره، فضلًا عن هيئته.

 لم تكن تعلم سوى أن الجنرال بطل عظيم، لا يُقهر في ساحات المعارك العديدة، مما أكسبه احترامًا واسعًا ليس فقط في مملكة أرتشيس، بل في مملكة تيرا أيضًا. ومع ذلك، فإلى جانب الثناء الذي حظي به الجنرال الشاب لإنجازاته الباهرة، انتشرت شائعاتٌ كثيرةٌ تُفيد بأنه رجلٌ قاسٍ متعطشٌ للدماء، يقتل أعداءه بلا رحمة.

في الواقع، جعلت الشائعات جوانا تشعر بالامتنان لابتعادها عن زوجها، إذ كان قربها منه كفيلاً بإثارة قلقها. لكن بعد ذلك الحلم، تيقنت أنها يجب أن تبتعد عنه للأبد، لأنه في ذلك الحلم كان هو من دمر حياتها.

منذ استيقاظها اليوم، تساءلت جوانا عما إذا كان كل ما ظهر في ذلك الحلم مجرد ذكرى مشوشة من حياتها الماضية، أم أحداثاً ستحدث في المستقبل، أم... مجرد حلم.

لكن لماذا شعرت بالقلق حيال ذلك الحلم إن كان مجرد حلم؟ لماذا شعرت به بوضوح شديد وكأنها عاشته من قبل؟ كان مؤلماً لدرجة أنها بكت في نومها. حتى أنها استيقظت وهي في حالة ذهول، تلهث، لتجد الوسادة تحت خديها مبللة بدموعها.

كانت جوانا متأكدة من أنها لا تريد أن تعيش تلك التجارب مرة أخرى إن كان هذا هو مصير حياتها الماضية. ولن تسمح بحدوثها في هذه الحياة إن كان هذا ما سيحدث في المستقبل. وإن كان مجرد حلم... فهو حلم لا ترغب في رؤيته مجدداً في هذه الحياة. لا تريد أن ترى ذلك الحلم غير المرغوب فيه مرة أخرى.

وأدركت جوانا أن السبيل الوحيد لتجنب تحول الحلم إلى حقيقة هو تجنب الجنرال كانيلاس فون روديغا. لذا، كان عليها إنهاء هذا الزواج سريعًا، والانفصال عنه، وعدم إقامة أي علاقة معه.

دعه يرحل... بعيدًا جدًا...

---

في تلة زابن، في المنطقة الشمالية من مملكة أرتشيس، انتهت للتوّ ضراوة القتال المدمر خلال معركة ديلش. كانت حربًا للدفاع عن ديلش ضد مطالبة مملكة كالبورن بحق السيادة.

كانت ديلش منطقة حدودية، تقع بين أرتشيس وكالبورن، وقد غزاها أرتشيس منذ زمن طويل. إلا أن كالبورن حاولت استعادة هذه الأرض المفقودة في محاولة لتوسيع أراضيها، بعد نجاحها في التوسع شمالًا.

كانت كالبورن مملكة أصغر من أرتشيس، وقد سادها الهدوء لعقود. إلا أنه مؤخرًا، وبعد وفاة الملك السابق، بدا الملك الحالي أكثر طموحًا لتوسيع نفوذ كالبورن. ولذلك، استدعى مرتزقة للانضمام إلى الجيش لتعويض النقص في القوى البشرية، وقد نجحت هذه الاستراتيجية، إذ تضاعفت أراضي كالبورن خلال عام واحد.

لكن قبل أن يغزو جيش كالبورن قلعة ديلش الحدودية، قاد الجنرال كانيلاس فون روديغا قواته إلى تل زابن لصدّ الغزو، ونجح في إجبارهم على الاستسلام والانسحاب.

"تقرير يا جنرال! تم القبض على آخر سجين!" هكذا أبلغ أحد جنود الجنرال كانيلاس فون روديغا.

وقف شاب طويل القامة مفتول العضلات شامخًا بين أكوام الجثث الهامدة الملقاة على الأرض الموحلة الملطخة بالدماء.

كانت الدماء تتناثر على درعه وخوذته. كما تدفق الدم إلى طرف نصل سيفه، وسقط في بركة الدم على الأرض.

ولم يكن دمه، بل كان دم عدوه، أولئك التعساء الذين أزهق سيفه أرواحهم.

دوى صوت الرعد الصاخب في السماء المظلمة وكأنه يُعلن نهاية الحرب، مُهنئًا بالنصر، ومُرحبًا بالأموات في الآخرة.

رفع الشاب بصره إلى سماء الظهيرة المُلبدة بالغيوم الداكنة، ثم التفت ليرى الجندي الذي كان يُقدم له التقرير، من فوق كتفه. كان أنفه الحاد المرتفع وفكه المنحوت بارزين من جانبه.

أومأ برأسه وأمر قائلًا: "خذوا جميع الأسرى، واستعدوا للعودة إلى العاصمة صباح الغد!"






تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة