قيود من حرير أسود -الفصل 3 - القناع الحديدي
عادت رينا إلى "أكوجا"، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي غادرتها بآمال عريضة. طوال طريق العودة في القطار، كانت تمسح دموعها وتدرب ملامح وجهها أمام انعكاس صورتها في النافذة. كانت تعلم أن عائلتها لا تحتمل انكساراً آخر؛ لذا قررت أن ترتدي قناعاً من الثبات لا يخترقه شك.
بمجرد أن دخلت المنزل، وقفت بظهر مستقيم وابتسامة هادئة رسمتها بعناية.
"لقد عدتِ يا رينا! كيف سارت الأمور في العاصمة؟" سألتها أمها بلهفة وهي تمسح يديها من غبار الطحين.
أجابت رينا بنبرة واثقة تماماً: "الأمور تسير على ما يرام يا أمي، لقد قدمتُ أوراقي وأخبروني أن دراسة الملفات تأخذ بعض الوقت.. العاصمة صاخبة جداً كما توقعتِ، لكنني واثقة من أن كفاءتي ستفتح لي الأبواب."
نظر إليها والدها بصمت، كان يحاول قراءة ما خلف عينيها، لكن رينا لم تمنحه فرصة. بدأت تتحدث عن جمال العمارة في "لوستاريا" وعن خططها المستقبلية، بينما كان قلبها يصرخ وجعاً من ثقل الكذبة. لقد كانت تمثل دور "الابنة القوية" ببراعة، لتمنحهم ليلة واحدة من النوم الهادئ بعيداً عن اي قلق قد يساورهم.
وفي تلك الأثناء، في قلب العاصمة "لوستاريا"، وداخل المكتب الشاهق لقصر كاستيلار الذي يشبه حصناً أسود، كان الصمت يسود إلا من صوت وقع خطواتٍ منتظمة.
هناك، حيث لا تصل أشعة الشمس إلا بضعف، كان الدوق كاستيلار يقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، مطلاً على المدينة التي يملك نصفها. لم يكن مجرد رجل ثري، بل كان كتلة من الجمود والحدة. ملامحه المنحوتة كأنها قُدت من صخر، وعيناه الباردتان كليالي الشتاء، لم تعرفا يوماً معنى الشفقة أو اللين.
كان الدوق غارقاً في أوراق صفقاته، لا يهتم بآلام البشر ولا بدموع الضعفاء. بالنسبة له، العالم عبارة عن أرقام ونفوذ. كان يرتدي قفازاته السوداء دائماً، وكأنه يرفض ملامسة أي شيء قد يذكره بآدميته. هو الرجل الذي يرتجف مدراء المعاهد -مثل ذلك الذي أهان رينا- بمجرد سماع خطواته.
كان يعيش في عزلة اختيارية، يحيط نفسه بالقوانين والصرامة.
لم يكن الدوق كاستيلار مجرد رجل أرستقراطي ثري، بل كان الإمبراطورية الخفية التي تتحرك داخل الإمبراطورية الظاهرة. فثروته لم تكن مجرد أرقام في السجلات، بل كانت شرياناً يمتد في كل زاوية؛ من "قصر كاستيلار الأسود" في العاصمة الذي يقف كجبل من الرخام المصقول يراقب المدينة بكبرياء، وصولاً إلى أساطيله البحرية التي تشق عباب المحيطات محملة بالحرير والتوابل والكنوز التي لا تغرب عنها الشمس.
في كل مكان يلتفت إليه المرء، كان هناك ظلٌ لـ "كاستيلار"؛ فسلسلة فنادقه الفاخرة كانت الملاذ الوحيد للملوك والسفراء، ومصارفه هي التي تقرر مصير العائلات النبيلة بجرّة قلم، فإما ترفعهم إلى علياء المجد أو تسقطهم في قاع الديون. وحتى العقول لم تكن بمنأى عن سطوته، فـ "معهد كاستيلار العالي" كان البوابة الوحيدة التي تعبر منها النخبة نحو السلطة، مما جعل اسمه مرادفاً للعلم والنفوذ والرهبة في آن واحد.
تلك الأملاك الشاسعة، من مناجم الأوبسيديان العميقة إلى الغابات والمقاطعات التي تمتد حتى الأفق، جعلت منه رجلاً يمتلك كل شيء لكنه لا يثق بأحد. كان يعيش في عزلة ذهبية، محاطاً بجدران من الثراء الفاحش الذي لم يترك في قلبه مكاناً للين، وكأن مملكته العظيمة تلك لم تكن إلا سياجاً يمنع العالم من رؤية برودته التي تفوق برودة الشتاء في "أكوجا".
"بقلمي أنا.. جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة لمدونة Sweet Novel Time. يمنع نسخ النص أو تداوله في مواقع أخرى حفاظاً على المجهود المبذول."

تعليقات
إرسال تعليق