الفصل (39)

 


صُدمت ديليا مما سمعت حتى كادت تسقط كأس النبيذ من يدها. سألت بصوت خافت حائر في غرفة الجلوس الهادئة: "ماذا؟".

انحنى إريك إلى الأمام، وقد اختفت ملامحه المرحة، وحلّت محلها ملامح رجل أعمال جاد. قال بصوت منخفض وحازم: "علينا توسيع خططنا. كما ترين من اليوم، هناك العديد من الظروف التي تقف ضد زواجنا. رفض والدتي، ومؤامرات عائلتك، والنميمة الاجتماعية... مكانتنا الاجتماعية واختلافاتنا الاجتماعية هي العوامل الرئيسية التي سيستخدمها الجميع ضدنا. لذا، علينا تجربة طريقة أخرى".

نهض من كرسيه، والتفّ حول الطاولة ليقف أمامها. "رجل وامرأة يحبان بعضهما حبًا جمًا لا يطيقان الفراق. قصة حب قوية تتغلب على كل العقبات. هذه هي الرواية الوحيدة التي ستجعل عائلتينا توافقان على هذا الزواج دون مزيد من التدخل. إنها القصة الوحيدة التي لن يجدوا لها حجة".

 حدّقت ديليا به، وعقلها المُثقل بالخمر يحاول استيعاب منطقه. كانت لا تزال ممسكة بكأسها الفارغ، وقد ابيضّت مفاصل أصابعها. "إذن، أنت تقول... أن نبدأ بالتظاهر؟ وكأننا نحب بعضنا حبًا حقيقيًا؟" كان شيئ مُدبّر؛ كان هذا مجرد بند آخر، تمثيلية أخرى تُضاف إلى اتفاقهما.

ارتسمت على شفتي إريك ابتسامة ساخرة. لقد أدرك تمامًا تفكيرها النفعي. "حسنًا،" أقرّ. "لكن هل تستطيعين فعل ذلك؟ هل تستطيعين تمثيل الدور بإتقان؟"

أشعل التحدي، بالإضافة إلى الخمر الذي يجري في عروقها، نارًا من التحدي بداخلها. "نعم،" قالت، بصوتٍ مليء بثقة مفاجئة وجريئة. ولتأكيد كلامها، تناولت الزجاجة من على الطاولة، وسكبت كأسًا آخر، وأنهته في رشفة سريعة.

"يا للعجب،" قال إريك ضاحكًا وهو يعود إلى مقعده. "تبدين وكأنكِ على وشك الانفجار من العزيمة الآن."

 "أُجيد العمل تحت الضغط،" صرّحت ديليا، وهي تشعر بدوارٍ لكنها مصممة. "أنا بارعة في الأمور الحقيقية."

"أريني إذًا،" أجابها إريك، وهو يميل إلى الخلف على كرسيه، وعلى وجهه نظرة استمتاعٍ خالصة.

رمشت ديليا. "ماذا؟"

"أرني أدائك"، أوضح. "قل لي إنك تحبني". "سأقيّمكِ على ذلك." ارتشف رشفةً بطيئةً من نبيذه، ووضع الكأس على الطاولة بنقرةٍ متعمدة، وعقد ذراعيه على صدره منتظرًا.

واجهت ديليا تحديه بثقةٍ متزنةٍ وهي ثملة. ابتسمت ابتسامةً مترددةً لكنها ذكية. "لماذا لا تبدأ أنت أولًا؟" ردّت، وكلماتها متلعثمة قليلًا. "بما أنك أنت من اقترح الفكرة." صبّت لنفسها بثقةٍ كأسًا آخر من النبيذ، وبدأت حركاتها تفقد دقتها.

تألقت عينا إريك، متقبلًا تحديها المضاد. نهض، لكن بدلًا من أن يتحدث من الجانب الآخر من الغرفة، جاء وجلس على الأريكة بجانبها مباشرةً. انتفضت ديليا، وشعرت بتوترٍ شديدٍ من القرب المفاجئ.

نظر إليها، وكان تعبيره مزيجًا من الحنان والمرح. "إذا فعلتُ ذلك،" سأل بصوتٍ خفيضٍ حميم، "هل يمكنكِ تحمّله؟"

نظرت إليه ديليا، مصدومةً من كلماته، من قربه الشديد. كان الهواء بينهما ثقيلاً، مشحوناً بطاقة جديدة وخطيرة.

قال بصوت خافت يكاد يكون همساً وهو يقترب أكثر: "لا يمكنكِ حتى أن تتخيلي يا ديليا إلينغتون".

"ماذا؟" همست، عاجزة عن إبعاد نظرها.

قال بنظرة ثاقبة وثابتة، كأنه يكشف أعمق أسرار روحه: "كم أحبكِ، وكم أحببتكِ منذ زمن طويل".

انتهى من كلامه، وبقيت الكلمات عالقة في الهواء، خالقةً صمتًا عميقًا لدرجة أن ديليا كادت تسمع دقات قلبها تدوي في أذنيها. هل هذا حقيقي؟ هل كان جزءًا من التمثيل؟ بدا الأمر حقيقيًا للغاية. الصدق في عينيه، والعاطفة الجياشة في صوته... كان مقنعًا بشكلٍ مذهل.

كسر الصمت بميله للخلف باسترخاء، وارتشف رشفة أخرى من كأس النبيذ الذي أحضره معه. "إذن، كيف كان ذلك؟" سأل بنبرةٍ خفيفة. "هل شعرتِ بأي توتر؟ هل أنا ممثل جيد؟"

كانت ديليا مرتبكة تمامًا. كان عقلها مشوشًا من النبيذ ومن أدائه. لم تستطع التفكير بوضوح. حاولت التهرب، وخرج صوتها متقطعًا: "لماذا تعمل في مجال الأعمال ولا تؤدي عروضًا في دور الأوبرا؟"

ابتسم إريك ابتسامةً دافئةً وبطيئةً وصلت إلى عينيه. "شكرًا لكِ على الإطراء،" قال، ونظره يتجه نحو شفتيها.

كانت تلك النظرة مؤثرة للغاية. كانت حدة الموقف، والقرب الشديد، والارتباك طاغية. نهضت ديليا على قدمين مرتجفتين. كانت بحاجة إلى الابتعاد، لاستعادة السيطرة. في حالة سكرها، قدم لها عقلها حلاً غريباً: إجباره على المغادرة. بدأت تجمع أغراضه - معطفه، وحذائه، والقفازات التي تركها على الطاولة الجانبية.

"أعتقد أنه يجب عليك المغادرة،" أعلنت بصوت عالٍ بعض الشيء.

تفاجأ إريك تماماً، وارتفع حاجباه. "ماذا؟"

"نعم،" أصرت، وهي تتحرك في أرجاء الغرفة وتجمع أغراضه بتركيز متردد وحازم. "الآن."

راقبها إريك، وعلى وجهه نظرة مرحة صافية. ابتسم. "لكن يا ديليا،" قال بلطف. "هذا بيتي."

توقفت في منتصف الغرفة، تحمل قفازين في يد ومعطفه في الأخرى. بدأت كلماته تخترق ضباب الخمر ببطء. بيته. كانت تحاول طرد صاحبه من بيته. بدأ إدراك حماقتها يتجلى على وجهها. نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الكبيرتين المحمرتين خجلاً.

نهض إريك ضاحكًا بخفة، واتجه نحوها. أخذ الأغراض من يديها برفق ووضعها على كرسي بذراعين قريب. ثم مدّ يده وضمّ وجنتيها بكفيه الكبيرتين الدافئتين. كانتا حمراوين متوردتين، من أثر النبيذ ومن خجلها.

همس بصوتٍ خافتٍ للغاية، بينما كان إبهامه يداعب خدها: "ليلة واحدة فقط. دعيني أبقى هنا ليلة واحدة. هل تسمحين لي يا دوقة؟"

كانت كلماته الرقيقة الماكرة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. شعرت ديليا بخجلٍ شديدٍ واضطرابٍ عاطفيٍّ كبير، فلم تجد أمامها سوى خيارٍ واحد. استدارت وهربت، وركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بإحكام.

وقف إريك وحيدًا في غرفة الجلوس، يستمع إلى صوت قفل الباب. هزّ رأسه، وضحكة مكتومة حنونة تتردد في صدره. عاد إلى كرسيه المريح، وجلس، وسكب لنفسه كأسًا آخر من النبيذ، وعلى وجهه ابتسامة حنونة مليئة بالتفكير وهو يستمتع بالصمت.







تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة