قيود من حرير أسود -الفصل 2 القطار المتجه نحو "لوستاريا"

 



ودّعت رينا والديها عند مشارف قرية "أكوجا"، والتحقت بمحطة القطار القديمة. كانت الرياح الباردة تداعب وجهها وهي تراقب المنازل الطينية الصغيرة تتلاشى خلفها، لتحل محلها ناطحات السحاب والقصور الشاهقة مع اقتراب القطار من العاصمة "لوستاريا".

كانت "لوستاريا" عالماً آخر؛ مدينة لا تنام، تفوح منها رائحة الثراء والقوة. ترجلت رينا من القطار، وهي تشعر بقلبها يخفق بقوة تحت معطفها البسيط. سارت بين الحشود المتأنقة، تحمل في يدها ملفاً هو "تذكرة نجاتها"، متوجهة نحو الصرح الذي يرتجف الجميع عند ذكر اسمه: معهد كاستيلار العالي.

وقفت أمام المعهد، وكان أكثر هيبة مما تخيلت. لم يكن مجرد مكان للعلم، بل كان رمزاً لسطوة عائلة كاستيلار على كل مفاصل الإمبراطورية. دخلت رينا، وحاولت الحفاظ على هدوئها الأرستقراطي القديم رغم نظرات الموظفين التي بدأت تتفحص ثيابها "المتواضعة".

"أنا رينا بيلوفا، جئت لتقديم طلب توظيف في قسم الأبحاث.."

بمجرد نطقها لاسم "بيلوفا"، ساد صمت غريب في مكتب الاستقبال. الموظفة التي كانت تبتسم آلياً، أنزلت نظارتها وبدأت تتفحص رينا من رأسها حتى أخمص قدميها، وكأنها رأت شبحاً من الماضي.

في تلك اللحظة، فُتحت الأبواب الكبيرة، ومرَّ موكبٌ مهيب. لم تكن رينا  على دراية بما يجري حولها فكل تلك الضجة لم تحركها ، ضلت مركزتا فقط على السبب وراء مجيئها، يمكن أن تكون الشخص الوحيد في الامبراطورية الذي كان جاهلا لمن الذي مره بجانبها ، فمنذ نعومت أظافرها لم تهتم الا بشئ واحد وهم غرس اعينها في الكتب و الدراسة.

مرَّ الدوق كاستيلار  كإعصار بارد، لم ينظر يميناً ولا يساراً، لكن هيبته كانت تجبر الجميع على خفض رؤوسهم لا إرادياً.

خلفه، كانت تسير امرأة عجوز بوقار لا يضاهى، تتكئ على عصا مرصعة بالأحجار الكريمة. وبينما كان الجميع منشغلاً بالدوق، توقفت هي فجأة.. التفتت نحو رينا التي كانت تقبض على ملفها بقوة، وحدقت في عينيها طويلاً.

دلفَت رينا إلى مكتب مدير معهد كاستيلار العالي ، المكان الذي تجمعت فيه كل آمالها. جلست أمام رجلٍ يبدو على وجهه الجمود، ووضعت ملفها الذي يحوي شهادتها بتفوق، ومنحتها الدراسية المجانية في قسم الأبحاث الجيوسياسية والتاريخ بدون اغفال حقيقة كتابتها للعديد من المقالات و الدراسات حول الاعشاب الطبية.

-قسمٌ الأبحاث لا يدخله إلا النخبة من العقول-؛ حيث يتم فيه تحليل مسارات القوة في الإمبراطورية وتوثيق الأنساب والأملاك العريقة.

"رأيتُ في الجريدة أنكم تبحثون عن باحثة لتقلد منصب  "مشرفة  ابحاث الطلبةو التقييم". وأظن أن مؤهلاتي وخلفيتي الدراسية تثبت كفاءتي"، قالت رينا بصوتٍ حاولت جاهدة أن تبقيه مستقراً.

تصفح المدير الأوراق ببرود، ثم زمَّ شفتيه قائلاً: "ممم.. حسناً، الكفاءة موجودة، لكن.."

قاطعته رينا بذكاء: "لكن ماذا؟ هل هناك خلل في ملفي؟"

ألقى المدير بالملف على المكتب بنبرة مهينة: "خلفيتك الدراسية مبهرة، لكن خلفيتك العائلية عائقٌ لا يمكن تجاوزه. نحن معهد يتبع لأملاك الدوق كاستيلار، ولا يمكننا توظيف اسم 'بيلوفا' هنا. إذا كنتِ تريدين الوظيفة حقاً، فعليكِ تغيير لقبكِ.. تبرئي من اسمكِ وسأعينكِ الآن."

في تلك اللحظة، شعرت رينا بغليانٍ في عروقها. لم يكن غضبها بسبب الرفض، بل بسبب الوقاحة التي تجرأ بها هذا الرجل على طلب التخلي عن هويتها. ذلك اللقب الذي، برغم سقوطه، يمثل تاريخاً من النبل لن يحلم هذا المدير بامتلاكه ولو عاش مائة حياة.

وقفت رينا، ونظرت إليه بكبرياء جعلت المدير يشعر بالارتباك للحظة: "لم أكن أعتقد أن مديراً لمعهدٍ عالي يفتقر للاحترام بهذا القدر. بخصوص الوظيفة، فأنا من لم تعد تريد العمل معكم سيدي المدير. أما بخصوص لقبي.. فلا أظنك ستحصل على لقب مثله حتى لو تناسختَ عشرين مرة!"

خرجت رينا بخطواتٍ سريعة، تاركةً وراءها ذهول المدير. لكن بمجرد أن وطأت قدماها الشارع، شعرت بالهواء يثقل في صدريها. كانت "صفعة" الواقع أقوى من صمودها.

لم تكن تلك مجرد خيبة أمل، بل كانت صفعة أعادتها إلى واقعٍ حاولت جاهدة تجاهله. بمجرد أن خرجت من بوابة المعهد، شعرت وكأن "لوستاريا" بجدرانها الشاهقة وأرصفتها الباردة تضيق عليها الخناق.

تهاوت رينا على ركبتيها وسط الرصيف، ولم تعد تقوى على حمل ثقل أحلامها المحطمة. انهمرت دموعها بحرقة، ليس شفقة على نفسها، بل حزناً على ملامح والدها التي يغزوها الهمّ كلما نظر إلى الأفق، وأمها التي انحنى ظهرها وهي تقطف الخضروات من أجل "قوت الغد". كانت تشعر بمرارة الفشل تذبحها؛ فكيف لها أن تعود لـ "أكوجا" وتخبرهما أن لقبهم "بيلوفا" -الذي كان يوماً مرادفاً للمجد- أصبح اليوم لعنةً تحرمها حتى من حق العمل؟

"أبي الذي تحمل الكثير.. أمي التي ضحت بكل شيء.. كيف سأواجه أعينهما؟" همست لنفسها بصوت مخنوق. كانت تتخيل نظرة الرجاء في عين أمها، تلك التي كانت تحاول إخفاءها خلف ابتسامة باهتة، وشعرت بأنها خذلتهما تماماً.

رفعت رأسها قليلاً لتجد المارة يرمقونها بنظرات تجمع بين الازدراء واللامبالاة. كان الناس يمرون من حولها كأنها حجرٌ عاثر في طريقهم، يبتعدون عنها وكأن انكسارها "مرضٌ" قد يعديهم. لم يتوقف أحد ليسأل، ولم يمتد كفٌ للمواساة؛ ففي العاصمة، لا مكان للضعفاء أو "الأرستقراطيين الساقطين".

أدركت رينا في تلك اللحظة القاسية أن الإمبراطورية ليست مجرد قصور وذهب، بل هي غابة مظلمة من التعالي، وأن اسم عائلتها الذي رفضت التخلي عنه هو القيد الذي سيسجنها في هذا الظلام للأبد.. أو هكذا ظنت...


"بقلمي أنا.. جميع حقوق النشر والتأليف محفوظة لمدونة Sweet Novel Time. يمنع نسخ النص أو تداوله في مواقع أخرى حفاظاً على المجهود المبذول."


تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة