الفصل (2)

 


كانت أكتاف كاي متيبسة بعد يوم طويل من الكدح وسط الأحراش. حرك كتفيه في حركة دائرية واسعة، ثم مد ذراعيه على حافة حوض الاستحمام وأطلق تنهيدة رضا عميقة، مستمتعاً بدفء الماء الذي أنساه صقيع الخارج.

"شعور رائع، أليس كذلك؟"

ابتسمت أوبريانا ابتسامة هادئة، وألقت نظرة متفحصة على الرجل الجالس أمامها. شعره الأشعث، لحيته المتشابكة، وكتفاه العريضتان.. كان حضوره طاغياً حتى في لحظات هدوئه. شعر كاي بإحراج غريب من نظراتها، فأدار رأسه بعيداً وحك ذقنه، فلم يكن معتاداً على وجود امرأة تشاركه هذا الحيز الضيق من السكون.

"ألا تشعر بالبرد؟" سألته بهدوء.

في الحقيقة، كان الدفء يغمره، لكنه شعر ببرد من نوع آخر؛ برد التساؤلات التي لا تنتهي. لقد بذل جهداً كبيراً في جلب هذا الماء، وكان يرى أن تركه يبرد دون فائدة هو ضرب من الإسراف، لذا امتثل لإلحاحها بالاستراحة قليلاً.

عندما استقر كاي في الحوض، ضاق المكان فجأة. المساحة التي كانت كافية للمرأة وطفلها أصبحت الآن مزدحمة بحضوره القوي، حتى أن ركبته لامستها دون قصد.

"آسف،" تمتم بصوت منخفض.

"لا بأس،" ردت بهدوء وهي تمسح كتفيها بقطعة القماش المبللة، وكأنها الوحيدة التي لم ترتبك من هذا القرب المفاجئ.

مر أسبوعان منذ أن عثر عليها منهارة أمام بابه، وأسبوع واحد منذ استعادت عافيتها. كان كاي يتأمل ملامحها، مدركاً أن النساء يختلفن في رقتهن عن خشونة حياته المنعزلة. اتكأ للخلف وأغمض عينيه، محاولاً الاسترخاء، لكن صوتها قطعه مجدداً وهي تتحدث عن تعبها الجسدي والآلام التي خلفها إرهاق الأمومة والبرد.

كان كاي يراقبها وهي تحاول تدليك كتفيها المتعبين، فشعر بمزيج من الارتباك والشفقة. "هل تفقد النساء خجلهن بعد الزواج؟" سألها بنبرة غلب عليها العفوية.

توقفت أوبريانا فجأة، ورفعت زوايا شفتيها بتعبير غامض: "متزوجة؟.. هل تراني حقاً امرأة متزوجة؟"

ترددت عينا كاي؛ فهو لا يعرف عنها شيئاً. ثم ناولته قطعة القماش وأدارت ظهرها له قائلة: "هل يمكنك مسح ظهري؟ لقد كنت مستلقية لأسبوع كامل وأشعر بآلام شديدة."

تناول كاي القماش بتردد، وحدق في ظهرها النحيل. بدت عظام كتفيها بارزة بشكل يوحي بالضعف، وبشرتها كانت رقيقة لدرجة تثير الشفقة.

"كيف حال ظهري؟" سألت بصوت خفيض. "هل هناك أي ندوب؟ أي آثار لجروح قديمة؟"

لم يفهم كاي سبب سؤالها، فنظر بتمعن لكنه لم يجد سوى بشرة صافية رغم نحولها. "لا شيء،" أجاب بفظاظة ليخفي ارتباكه، ومسح ظهرها بخفة قبل أن يبتعد. "لكنكِ نحيلة جداً، عليكِ الاهتمام بصحتكِ أكثر."

توقف كاي عن الكلام عندما لاحظ ارتعاشاً طفيفاً في كتفيها. لقد كانت تبكي بصمت. غطت وجهها بيديها، وحاولت جاهدة إخفاء دموعها تحت رذاذ الماء، لكن احمرار عينيها فضح حزناً عميقاً لم تستطع التغلب عليه.

أشاح كاي بنظره بعيداً، وقال بصوت أجش: "إذا كان هناك من اعتدى عليكِ أو آذاكِ.."

"لا، لا،" قاطعته بسرعة وهي تحاول استعادة هدوئها، ثم التفتت إليه وعيناها تلمعان ببريق الانكسار: "أنا لست متزوجة.. ووالد الطفل سيتزوج امرأة أخرى قريباً."

شعر كاي بوخزة في صدره لم يفهم سببها. "هذا قاسٍ،" تمتم بأسى.

"لا بأس، المهم أنني على قيد الحياة،" قالتها وهي تقترب منه قليلاً، وكأنها تبحث عن الأمان في وجوده. كانت نظراتها مليئة بتوق غريب، تساؤل صامت عما يراه فيها هذا الرجل الذي فقد ذاكرته.

"ماذا تحاولين فعله؟" سألها كاي وهو يبعدها برفق، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من ثباته. "كما أخبرتكِ، لا أذكر شيئاً عن ماضي، ربما لدي عائلة تنتظرني.. وأنتِ غريبة تماماً، لا أعرف حتى اسمكِ."

"أوبريانا.. اسمي أوبريانا موريل."

تردد الاسم في سر كاي، "أوبريانا".. لم يكن اسماً مألوفاً في مملكته. سألها باستغراب: "إنه اسم غير مألوف، هل أنتِ من هنا؟"

ضحكت بمرارة وقالت: "لا، لست من هنا. لجأت إلى المنفى مع أمي منذ زمن طويل."

"منفى؟" تساءل كاي وهو يربط بين اسمها وعينيها الحمراوين اللتين بدأتا تتوهجان كاللهب تحت ضوء النار. "هل أنتِ من مملكة بلانك؟"

ابتسمت بارتياح: "إذن، فقدان الذاكرة لم يذهب بكل معرفتك."

"الحدود مغلقة منذ عشر سنوات،" قال كاي وهو يضغط على صدغه الذي بدأ ينبض بالألم كالعادة عند محاولة التذكر. "هل فُتحت مجدداً؟"

"لا تزال مغلقة،" أجابت وهي تغرف الماء بيدها وتتركه ينساب بين أصابعها. "هل تتذكر أي شيء آخر عن نفسك؟"

نظر كاي إلى الفراغ، وبدت ملامحه غارقة في ضباب الماضي الذي يرفض الانقشاع. هز رأسه بتعبير مؤلم: "لا، لا أعرف شيئاً عن نفسي.. لا شيء على الإطلاق."


ملاحظة 

اذا اردت الفصل كاملا اضغط على الروابط التالية 

الفصل (2) الجزء الاول

الفصل (2) الجزء الثاني




تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة