الفصل (27)
تباطأت العربة حتى توقفت أمام جدار حجري عالٍ وأنيق، مرورًا ببوابات حديدية مزخرفة انفتحت مع اقترابهم. لم تكن الساحة الخلفية واسعة مترامية الأطراف كساحة قصر عائلة كارسون، لكنها كانت مُعتنى بها بعناية فائقة، تتوسطها نافورة وأحواض زهور زاهية. أما المنزل نفسه فكان قصرًا جميلًا من طابقين مبنيًا من حجر بلون العسل الفاتح، بنوافذ كبيرة ونبات اللبلاب الأخضر الداكن المتسلق على أحد جدرانه.
"يا له من جمال!" همست ديليا لنفسها وهي تنظر إلى الخارج. كان أصغر حجمًا وأكثر حميمية من قصر عائلته الفخم والمهيب، لكن كل خط وتفصيل فيه كان ينضح بفخامة هادئة وبسيطة. لم يكن هذا منزلًا مُعدًا لإبهار الزوار، بل كان بيتًا مُعدًا للعيش فيه.
نزلت من العربة، وتبعها أيدن، وقد زال ارتباكه السابق تمامًا، ليحل محله هدوؤه المهني المعهود.
قال بانحناءة رسمية: "أهلاً بكِ في مقر إقامة صاحب السمو، سيدتي".
ألقت ديليا نظرة أخيرة حولها، على الفناء الهادئ والواجهة الأنيقة للمنزل. لم تكن لتنكر ذلك على نفسها. يا له من إعجاب!
تحدث أيدن مجدداً، مقاطعاً جولتها: "لديّ بعض الأعمال الأخرى التي عليّ إنجازها، سيدتي. صاحب السمو ينتظركِ في الداخل". ثم انحنى بانحناءة أخرى أنيقة، وركب العربة التي وصل بها، وقاده السيد راي خارج الفناء، تاركاً ديليا واقفة وحدها.
انتابها شعور غريب بالتوتر والترقب. صعدت الدرجات الحجرية القليلة المؤدية إلى الباب الأمامي الثقيل المصنوع من الخشب الداكن. ترددت للحظة، ويدها تحوم فوق المقبض النحاسي، قبل أن تديره أخيراً وتدخل.
كان الداخل بنفس جمال الخارج. الأرضيات من خشب داكن مصقول، والأثاث أنيق ومريح، واللوحات الفنية على الجدران راقية وعصرية. لكن شيئًا ما بدا غريبًا. كان المنزل صامتًا تمامًا. لا يوجد خدم يتحركون هنا وهناك، ولا خادمات ينفضن الغبار، ولا كبير خدم ينتظر استقبالها. كان المنزل الفخم خاليًا تمامًا، بشكلٍ مثير للقلق.
ثم، شمّت رائحةً زكية. رائحة حلوة وشهية تفوح من ردهة على يسارها. رائحة بصل وأعشاب وشيء غني ولذيذ. أثار فضولها، فتبعت الرائحة عبر الردهة وعبر باب مفتوح، قادها إلى مطبخ كبير وجميل بشكلٍ مدهش.
وهناك، رأته.
كان دوق إلنبرغ واقفًا في منتصف المطبخ، يُعدّ الطعام. كان ظهره لها وهو يقف أمام موقد كبير، يُقلّب شيئًا في مقلاة تُصدر صوت أزيز خفيف. لم يكن يرتدي ملابسه الرسمية الأنيقة المعتادة. بدلاً من ذلك، كان يرتدي بنطالاً داكناً بسيطاً وقميصاً فاتح اللون بأكمام مطوية حتى مرفقيه، كاشفاً عن ساعدين قويين. كان شعره، الذي عادةً ما يكون مُصففاً بعناية، أشعثاً قليلاً، كما لو كان يمرر يديه فيه. بدا... جذاباً. جذاباً بشكلٍ خطير. بدا أقل شبهاً بدوق وأكثر شبهاً برجل حقيقي، ملموس، ومرتاح تماماً في هذا المكان غير المتوقع.
كانت في حيرةٍ شديدة لدرجة أنها اضطرت إلى النظر حولها مرة أخرى، متوقعةً أنها دخلت المنزل الخطأ عن طريق الخطأ. كم من الأشياء يستطيع هذا الرجل فعلها؟ تساءلت في نفسها، ممزوجاً شعورٌ بالرهبة والذهول.
استدار من الموقد ليأخذ بعض البصل المفروم حديثاً من لوح التقطيع على طاولة المطبخ. وبينما هو يفعل ذلك، رآها واقفةً بصمت عند المدخل، ففزع لدرجة أنه كاد يُسقط السكين.
"يا إلهي!" صرخ، قافزاً إلى الوراء خطوة.
أصابت الشتيمة، المألوفة وغير اللائقة على الإطلاق، ديليا بالذهول، فجمدت في مكانها.
تألم ديليا على الفور، واتسعت عيناه حين أدرك ما قاله. قال بسرعة، وقد احمرّت وجنتاه خجلاً: "أعتذر. ما كان عليّ أن أتلفظ بكلمة نابية أمام سيدة. لقد فاجأتني."
لم تعرف ديليا ماذا تقول، فحدقت به فقط. تابع حديثه، وقد استعاد رباطة جأشه وعاد إلى طهيه. "متى وصلتِ؟"
"قبل قليل،" أجابت ديليا بصوت خافت.
"أنا متأكد أنكِ لم تتناولي الفطور،" قال وهو يقلي البصل في المقلاة. ارتطم البصل بالزيت الساخن مُصدرًا صوت أزيز عالٍ. "سأنتهي في دقيقة. تفضلي بالجلوس." وأشار برأسه نحو طاولة طعام صغيرة في ركن دافئ من المطبخ.
جلست ديليا، وعقلها يعج بالأسئلة. راقبته وهو يتحرك في المطبخ بثقة، حركاته رشيقة وثابتة. "ما الذي يفعله نبيل رفيع المقام، دوق لا أقل، في المطبخ، يُعد طعامه بنفسه؟" تساءلت في نفسها.
أعدّ طبقًا بسيطًا لكنه شهي، بدا وكأنه لحم وخضار مقلية، وقدمه مع الأرز. وضع طبقًا أمامها والآخر لنفسه على الطرف الآخر من الطاولة.
جلس وأخذ قضمة كبيرة، وعلى وجهه نظرة رضا.
قال وهو يثني على نفسه بابتسامة ساحرة وعفوية: "لذيذ جدًا".
لم تمس ديليا طعامها. كان رأسها يدور بأسئلة كثيرة وتناقضات عديدة. توقف إريك عن تناول طعامه عندما لاحظ أنها لا تأكل، فتحولت ابتسامته إلى نظرة قلق. "ألا تشعرين بالجوع؟"
لم تعد قادرة على كبح فضولها، فانهمرت الأسئلة منها: "من هو إيدن كالدويل بالنسبة لك؟"
لم يبدُ على إريك أي استغراب من الاستجواب. أجاب وهو يمضغ: "إنه مساعدي، وذراعي الأيمن، وشريكي في العمل، وعيني وأذني في المملكة، ونائبي. إنه يتولى كل شيء تقريبًا نيابةً عني عندما أكون غائبًا".
سألت سؤالها التالي: "ولماذا منزلك خالٍ هكذا؟ لا يوجد أي عامل."
أجاب إريك وكأنه كان ينتظر هذا السؤال: "أنا رجل أُقدّر خصوصيتي ومساحتي الشخصية"، أوضح. "لا أبقى هنا كثيرًا. عندما أعود من أسفاري، عادةً ما أقيم هنا أو في الكوخ. لا أذهب إلى منزل العائلة الرئيسي إلا إذا أصرّت والدتي على ذلك." ثم تناول لقمة أخرى. "لديّ عاملة نظافة، لكنها لا تسكن هنا. أيدن يتولى كل شيء عنها، من شؤونها إلى مدفوعاتها."
بدا هذا منطقيًا نوعًا ما. فهو رجل يُقدّر عزلته. سألته: "هل تعلّمت الطبخ؟" بدا السؤال طفوليًا بعض الشيء في أذنيها.
ابتسم إريك. "عندما تكون دائمًا بعيدًا عن المنزل، مسافرًا للعمل إلى أماكن قد لا يُناسبك فيها الطعام المحلي، عليك أن تتعلّم بعض مهارات البقاء، أليس كذلك؟" نظر إلى طبقها الذي لم يمسه. قال بنبرة لطيفة وهو يواصل تناول الطعام: "تناول طعامك. الجو يبرد".
تناولت ديليا ملعقتها، لكنها لم تستطع أن تأكل. كان هناك سؤال أخير وحاسم لا بدّ لها من طرحه: "لماذا تفعل كل هذا؟"
وقف إريك، وملعقته في منتصف الطريق إلى فمه. "أفعل ماذا؟"
"هذا،" قالت وهي تشير بإيماءات مبهمة حول المطبخ. "أن تبذل كل هذا الجهد من أجلي. أن تأخذني من منزلي، وتأتي بي إلى هنا، وتطبخ لي. لم يكن هذا جزءًا مما اتفقنا عليه."
أنزل إريك ملعقته ببطء، تاركًا إياها تُصدر صوتًا خفيفًا على طبقه. اختفت تلك الأجواء المرحة والعفوية التي كانت تعلو وجهه منذ وصولها، وحلّت محلها تلك الجدية الشديدة نفسها التي أظهرها لها في الكوخ. أسند مرفقيه على الطاولة وشبك أصابعه، ووضع ذقنه على يديه وهو ينظر إليها بنظرة مباشرة وثابتة.
أجاب بصوت هادئ لكن حازم، لا يترك مجالًا لسوء الفهم:
"لأنني أريد ذلك."

تعليقات
إرسال تعليق