الفصل (24)

 



أخذ إريك ديليا إلى الخارج في ضوء العصر الخافت. توقفا بجانب عربته التي كانت تنتظرهما، سيارة أنيقة داكنة اللون، تُجسّد القوة والحرية التي يُمثلها. كان الهواء باردًا على وجنتيها المتوردتين. التفتت إليه، وعقلها لا يزال مشوشًا من الأحداث التي جرت داخل القصر.

قالت بصوت صادق ومرتجف قليلًا: "شكرًا لك. شكرًا لك على وقوفك بجانبي هناك. أُقدّر حقًا التزامك باتفاقنا، رغم أننا لم نُوقّع أي عقد." نظرت إليه، محاولةً فهم تصرفاته. "لم أكن أعلم أنك ممثل بارع إلى هذا الحد. أداؤك هناك... كان أكثر إقناعًا مما كنت أتوقع."

لم يُجب إريك. بقي واقفًا، تعابيره غامضة، يُنصت إليها بتركيز مُقلق.

تابعت حديثها، تشعر بالحاجة إلى كسر الصمت، لإعادة علاقتهما إلى أساسها العملي الذي تفهمه. ماذا تريدني أن أفعل مقابل هذا المعروف؟ لا بدّ من وجود شيء يمكنني فعله...

هل تناولت طعامك؟

قاطعها بصوتٍ خافتٍ فاجأها. كان سؤاله بسيطًا ومباشرًا، لا علاقة له بالعقود أو الخدمات. صمتت، وكأن الحقيقة غصّت في حلقها.

أخرج ساعته الذهبية من جيبه، وفتح غطاءها. قال بنبرةٍ حزينةٍ بعض الشيء: "يكاد الغروب ان يحل، وأنا جائعٌ أيضًا، لم آكل شيئًا طوال اليوم". نظر إليها وعقد حاجبيه، وارتسمت على وجهه الجاد ملامح صبيانية. "لنأكل أولًا، قبل أن نخوض في هذا الحديث".

فتح باب العربة بنفسه، وساعدها على الصعود، ثم صعد خلفها. استغل السائق هذه الإشارة، وشغل العربة. ركبوا في صمتٍ إلى حانةٍ راقيةٍ عريقة، من ذلك النوع الذي لم تره ديليا إلا من الخارج.

وبينما كانوا يُقادون إلى طاولةٍ خاصة، انتشرت روائح اللحوم المشوية والصلصات الشهية في الأرجاء، مما زاد من جوع ديليا. بدأ إريك بطلب مائدة طعام فاخرة لهما، ولكن بينما كان النادل يسجل الطلب، انتابت ديليا موجة من القلق. فكرة تناول الطعام في هذا المكان الفخم، محاطة بزبائن أثرياء قد يحدقون بها ويحكمون عليها، كانت فوق طاقتها.

سألت بصوتٍ خفيض: "هل... هل يمكننا أخذ الطعام إلى مكانٍ آخر؟ لا أشعر بالراحة لتناول الطعام هنا."

نظر إليها إريك، فرأى الخوف الحقيقي في عينيها، ولم يتردد لحظةً في سؤاله. ثم التفت إلى النادل وقال: "أحضر الطلب كاملاً، من فضلك. وأسرع." ثم التفت إلى ديليا، وقد خفّت حدة نظراته وسألها: "هل نعود إلى الكوخ؟"

أومأت ديليا برأسها، وشعرت بموجةٍ من الارتياح كادت تُدوّخها. كان الكوخ بمثابة ملاذهم الآمن، المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالأمان.

عندما وصلوا، كانت السماء بلونٍ برتقالي داكن. أخرج إريك بطانيةً سميكةً وناعمةً من صندوقٍ في الداخل، وفرشها على العشب في الفسحة، مُهيئاً مكاناً مؤقتاً للنزهة تحت أشعة الشمس الغاربة. ساعده السائق في وضع علب الطعام الدافئ والشهي قبل أن ينسحب بهدوءٍ إلى الإسطبلات.

جلسا على البطانية، وتناثرت أمامهما تشكيلة الطعام الشهي. قال إريك بلطف: "تناولي لقمة واحدة. تبدين شاحبة للغاية."

ترددت ديليا قبل أن تتناول قطعة من الدجاج المشوي. وما إن لامست نكهته الغنية واللذيذة لسانها، حتى انتابها شعورٌ غريبٌ بالجوع الشديد. بدأت تأكل بشراهة وكأنها لم ترَ طعامًا منذ أيام، بسرعة وبلا مبالاة، بالكاد تتوقف لتتنفس.

راقبها إريك، وقد نسي شهيته. سألها بهدوء: "كم من الوقت بقيتِ محبوسة في تلك الغرفة؟"

كان وجه ديليا ممتلئًا بالطعام. ابتلعت بصعوبة قبل أن تجيب: "ست ساعات. كانت أقصر هذه المرة." تحدثت وكأن الأمر طبيعي. "أحيانًا يُنسونني. أنام طوال اليوم دون طعام." نظرت إليه، وقطعة الخبز في منتصف الطريق إلى فمها، ورسمت ابتسامة خفيفة ساخرة. "ماذا؟" سألت. "لماذا؟ هل تشفق عليّ؟"

"اهدئي،" قال إريك بصوت هادئ لكن حازم. "لا تتعجلي، وإلا ستختنقين."

أجبرت ديليا نفسها على التوقف، ووضعت الخبز جانبًا. بدأت معدتها تشعر بالامتلاء بشكل مزعج. "لقد رأيت كيف تعاملني البارونة وابنتها." لم يكن سؤالًا. أكل إريك قطعة صغيرة من السمك من طبقه، وكان صمته دعوة لها لتكمل.

"لقد سمعت ما قالته لي في غرفتي، أليس كذلك؟" سألت ديليا، وهي بحاجة لمعرفة الإجابة.

توقف إريك عن الأكل، وثبت نظره عليها تمامًا. أطلقت ديليا ضحكة قاسية متقطعة، مقلدة نبرة زوجة أبيها السامة. "لقد قضيتِ ليلة واحدة معه، هذا لا يعني شيئًا. أنتِ عاهرة. لقد ضحيتِ بكرامتكِ ليدوس عليها. كان يمزح فقط..."

قال إريك بصوت جاد فجأة، مقاطعًا حديثها: "توقفي عن هذا الكلام. لستِ بحاجة للتفكير في هذا الهراء. هذه الكلمات كالسم. لا معنى لها."

قالت ديليا بصوت خافت: "إنه لأمر منعش أن يكون لديكِ من يقف بجانبكِ. من ينقذكِ. لم يسبق لي أن حظيت بذلك من قبل. باستثناء والدي بالطبع، لكنه لا يستطيع فعل الكثير الآن." نظرت إليه، وابتسامة صادقة ترتسم على شفتيها. "وجود شريك في العمل أمر جيد." أعجبني.

تناولت لقمة أخرى، أصغر بكثير هذه المرة. لكن بينما كانت تمضغ، بدأت الدموع تتجمع في عينيها. انقبضت معدتها بشدة. وضعت يدها على فمها، وارتسمت على وجهها نظرة رعب، وابتعدت مسرعة عن الغطاء قبل أن تتقيأ، إذ رفض جسدها الطعام الدسم الذي لم يعد معتادًا عليه.

كان إريك بجانبها في لحظة. جثا بجانبها، يربت على ظهرها وهي تتقيأ. عندما انتهت، ناولها كوبًا من الماء كان قد أحضره من الكوخ.

سألها بصوتٍ يملؤه القلق وهو يداعب شعرها برفق، دافعًا إياه بعيدًا عن وجهها الشاحب الرطب: "ماذا حدث؟"

ارتشفت ديليا رشفةً من الماء، وجسدها يرتجف. شرحت بصوتٍ يخنقه الخجل: "كلما أكلتُ أكثر مما تُقدّمه لي البارونة، أتقيأ كل شيء. آكل مرةً واحدة، وأحيانًا مرتين في اليوم إذا كانت كريمة، بكمياتٍ قليلة جدًا. بعد تناول وجبتي، أذهب أحيانًا إلى المطبخ لأسرق بعض الفتات. إذا أكلتُ أكثر من المعتاد، فإن جسدي... لا يستطيع تحمّله. أتقيأ، لكنني ما زلت أشعر بالجوع." أبقت عينيها على الأرض، خجلةً من النظر إليه. "لطالما كنتُ خائفةً جدًا من إخبار أي شخص، لذلك احتفظتُ بالأمر لنفسي."

أخيرًا، التقت عيناها بعينيه، وعيناها تفيضان بالدموع. "أنا مثيرة للشفقة، أليس كذلك؟ مجرد شابةٍ محطمة."

أجابها إريك بصوتٍ هادئٍ لكن حازم: "لم أفكر بكِ بهذه الطريقة قط."

حطمتها الكلمات البسيطة الصادقة. انهمرت دموعها التي كانت تكتمها على وجهها. اعترفت من بين شهقاتها: "لم أخبرك قط بما أريده حقًا من هذا العقد. الأمر لا يتعلق بالأمان أو اللقب فحسب."

نظرت إليه، وقد بدت ملامحها حادة رغم دموعها. "أريد الانتقام. من كل من ظلمني. لهذا اخترتك أنت. لأن لديك نفوذًا وسلطة وثروة ستساعدني على الانتقام. معك، سأحقق ثلاثة أهداف في آن واحد. هل ستساعدني؟"

نظر إليها إريك، إلى هذه المرأة الرقيقة والقوية والمكسورة والجميلة. مد يده ومسح دموعها برفق بإبهامه.

قال: "لا داعي للمزيد."

تقدم نحوها وجثا على ركبة واحدة على العشب الناعم. أمسك بيدها، تلك التي لم تكن ترتجف كثيرًا. قال بصوت يفيض صدقًا يتجاوز أي صفقة تجارية: "ليس لدي خاتم الآن." "أتمنى ألا تمانع."

هزّت ديليا رأسها عاجزة عن الكلام.

ابتسم ابتسامةً هادئةً دافئةً أضاءت ضوء الغسق. قال بنبرةٍ حازمةٍ واثقة: "تزوجيني يا ديليا". ثم توقف، واتسعت عيناه قليلاً حين أدرك خطأه. وظهرت حمرة خفيفة على وجنتيه. صحّح كلامه، فكان صوته الآن أكثر رقةً واحتراماً، محوّلاً أمره إلى سؤالٍ صادق.

"هل تقبلين الزواج بي يا ديليا؟"





تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة