الفصل (23) هذا وعد
القصر الرمادي...
انتشرت رائحة شهية لطبق ساخن مع الريح، فرفعت جميع الكائنات المختبئة حول المنزل رؤوسها، متلهفةً إليه في صمت. لكن، وكما هو متوقع، كان الوحيد الذي لم يسيل لعابه هو الرجل الخشبي الجالس بلا مبالاة على طاولة طويلة، دون أن تظهر عليه أي تعابير.
قدمت له فتاة ترتدي ثوبًا أبيضًا بسيطًا طبقًا، وهي تحدق به بترقب، منتظرةً ردة فعله.
لكن كما هو متوقع، بدأ سي، الذي كان يرتدي ملابسه الداكنة المعتادة، بتناول الطعام بهدوء كعادته، دون أي ردود فعل ظاهرة.
لحسن الحظ، سرعان ما أدرك مغزى النظرات الموجهة إليه. رفع رأسه ونظر إلى الفتاة التي كانت تراقبه باهتمام.
قال بنبرة جامدة: "مم، جيد"، ثم تابع تناوله.
وضعت دافي وجهها على يدها، ولم يسعها إلا الابتسام. كانت النتيجة كما توقعت تمامًا، لكنها لم تشعر بأي خيبة أمل، على نحو غريب. شعرت بسعادة غامرة لأنه على الأقل يأكل الطعام الذي أعدته له.
"هل تمانع إن... أصبحت أنا من يطبخ لك من الآن فصاعدًا؟"
سألته.
رفع سي رأسه ونظر إليها، وأجابها بكلمة واحدة: "لماذا؟"
هاه؟ لماذا؟ هل عليّ أن أقدم له عذرًا لأطبخ؟ تحوّل هدوء دافي المعهود إلى حيرة، وللحظة، لم تعرف ماذا تقول.
"لأنني زوجتك. وليس لديّ الكثير من العمل لأقوم به هنا على أي حال."
أعقب كلامها صمت طويل آخر. وما زال سي ينظر إلى تعبيرها اللامبالي المفاجئ. بالطبع، كان تعبيرًا يكاد لا يلاحظه أحد، لكنه كان واضحًا تمامًا أمام سي. كما لاحظ ارتعاش صوتها قليلًا عندما قالت: "ليس لديّ الكثير من العمل لأقوم به".
"هل تشعرين بالملل هنا؟"
"آه؟ امم... هذا..." تلعثمت دافي في الكلام. لم تتوقع أن يسألها الرجل مثل هذا السؤال. لم تتوقع أن يقرأ بسهولة المشاعر التي تكبتها بشدة في داخلها. لم يكن أمامها خيار سوى الاعتراف بذلك. "ممم... ليس الأمر كذلك تمامًا، لكن ربما لست معتادة على البقاء طوال اليوم داخل المنزل. خاصةً عندما لا تكون موجودًا، لكنني متأكدة من أنني سأعتاد على ذلك قريبًا."
"ماذا تريدين أن تفعلي؟"
"هاه؟" لم تكن دافي متأكدة مما يعنيه، فهي لا تريد التسرع في الاستنتاجات، خاصةً عندما يتعلق الأمر بهذا الرجل الغامض. حدقت به بفضول.
"لا يزال بإمكانكِ تحقيق حلمكِ إن أردتِ."
في اللحظة التي خرجت فيها هذه الكلمات من فم سي، وقفت دافي فجأة وكأنها لا تصدق ما قاله. فُتح فمها وهي تحدق في سي بعيون مليئة بالذهول. في تلك اللحظة التي وقعت فيها على ذلك العقد، تخلت ليس فقط عن جسدها، بل أيضًا عن مستقبلها وحلمها. كانت تدرك أنها لم تعد تملك نفسها، ولذلك، دفنت كل رغباتها متمنيةً أن تختفي مع مرور الوقت. ومع ذلك، ما هذا؟
أما سي، فلم يستطع سوى التحديق في وجه الفتاة المذهول. كان وجهها الصامت المليء بالذهول، وعيناها المتسعتان وفمها المفتوح، يثيران فيه شيئًا من الضحك. فكّر أنه ليس من السيئ مفاجأة هذه الفتاة بين الحين والآخر.
"طالما أنكِ لن تخالفي قواعدي، وطالما أنكِ تضعين مسؤوليتكِ تجاهي في المقام الأول، يمكنكِ فعل ما تشائين." تابع حديثه، وبعد صمت طويل آخر، بدأت الفتاة التي أمامه تمشي جيئة وذهابًا كآلة معطلة، وهي تقرص خديها بيديها.
بعد أن تأكدت من أنها لا تحلم، نظرت إليه بابتسامة عريضة جميلة، مليئة بالسعادة. ابتسامة ظنّ سي أنها أصدق وأنقى ابتسامة رآها في حياته.
ازدادت عيناها بريقًا، كما لو أن آلاف الماسات تنعكس فيهما. لم يستطع سي أن يُزيح عينيه عنها في تلك اللحظة. لم يتوقع أن تكون الفتاة بهذه السعادة، هذا ما استطاع أن يقوله في قرارة نفسه. «إذن هذه هي عندما تكون سعيدة حقًا، أليس كذلك؟»
«شكرًا لك»، قالت وهي تمد يدها وتمسك بيده الطويلة الأنيقة، تداعبها كما لو كانت كنزًا ثمينًا. «أقسم أن حلمي لن يأتي في المرتبة الثانية بعدك. ستظل دائمًا أولويتي، هذا وعد مني.»
كان سي مذهولًا. كاد عقله يتوقف للحظة. لم يتوقع الكلمات التي قالتها على الإطلاق.
وكأن تلك الكلمات كانت كافية!
فجأة، رفعت الفتاة يد سي بهدوء، وأغمضت عينيها، وقبلته كما لو كانت أميرًا رقيقًا من عالم القصص الخيالية، وأن سي هو أميرها المحبوب.
كان سي عاجزًا عن الكلام، ففي اللحظة التي لامست فيها شفتاها الدافئتان يده، شعر وكأنه صعق بالكهرباء.
الغريب أن عقله كاد أن يتوقف عن التفكير تمامًا.

تعليقات
إرسال تعليق