الفصل (21)
ملأت رائحة الأعشاب الطبية القوية غرفة آن. فتحت عينيها ببطء، ورأسها يؤلمها بشدة كأنه ضُرب بالحائط مرات لا تُحصى. أول ما رأته كان وجه والدتها القلق وهي تتحدث بصوت خافت إلى طبيب العائلة.
نادت آن بصوت ضعيف وواهن: "أمي!"
صرفت أوغستا الطبيب على الفور، وهرعت إلى جانب ابنتها. جلست، ووضعت يدها على جبين آن، تُمررها برفق على شعرها. "يا حبيبتي، كيف حالك؟"
أدرك الطبيب أنه لم يعد بحاجة إلى خدماته، فوضع بهدوء بعض الأدوية المهدئة على طاولة جانبية، ثم غادر.
عادت ذكريات الليلة الماضية - ديليا والدوق وهما يبتعدان معًا - تتدفق على آن، فبدأت الدموع تتجمع في عينيها. بكت بهدوء بين ذراعي والدتها الحنونتين، وهي تنتحب بلا توقف.
"ششش، يا حبيبتي، لا بأس،" طمأنتها أوغستا وهي تضمها إليها. "قال الطبيب إنكِ أغمي عليكِ من الصدمة، لكنكِ ستكونين بخير، حسنًا؟ لا داعي للقلق. سأعيد كل شيء إلى نصابه. أعدكِ بذلك."
"لا، يا أمي. كل شيء قد دُمّر بالفعل. لقد أفسدت ديليا عرض زواجي." قالت آن بين شهقاتها. "لقد دمرتني. لقد أخذت الدوق مني." كان جسدها يرتجف من الدموع المكبوتة. "لقد سرقته مني."
ابتعدت أوغستا عن آن، وتصلّبت ملامحها، فتحوّلت من تعبيرها المطمئن إلى غضبٍ بارد. قالت بصوتٍ منخفضٍ وخطير: "كل شيء سيكون على ما يرام. سأعود حالاً. أريد فقط أن أتحدث مع تلك الفتاة المغرورة. يبدو أنها نسيت حدودها بسرعة كبيرة."
سمعت ديليا خطوات تقترب، ثم صوت طقطقة قفل باب غرفتها. نهضت على قدميها لحظة انفتح الباب، فظهرت زوجة أبيها. دخلت أوغستا الغرفة، تاركةً الباب مفتوحًا خلفها، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن الأمر لم يكن مجرد نقاش، بل إعلانٌ قاطع. وقعت عيناها فورًا على الشريط الأزرق الداكن الذي يربط شعر ديليا. انطلقت من شفتيها سخريةٌ لاذعة.
بدأت أوغستا حديثها بنبرةٍ يقطر منها الازدراء، وهي تدور حول ديليا ببطءٍ كحيوانٍ مفترسٍ يُقيّم فريسته: "إذن، لأنكِ قضيتِ ليلةً واحدةً مع الدوق، أتظنين أن ذلك يعني شيئًا؟ أتظنين أنكِ انتصرتِ؟" ثم أطلقت ضحكةً قصيرةً قبيحة. "لا يا عزيزتي. لم يكن لذلك أي معنى. كنتِ مجرد لعبةٍ بين يديه. مجرد تسليةٍ مؤقتةٍ يستغلها ثم يتخلى عنها."
"ماذا... ماذا؟" تلعثمت ديليا، وقد صُدمت من الكلمات التي خرجت من فم البارونة. تلك الكلمات، بقسوتها العفوية، صدمتها كصفعةٍ على وجهها. شعرت بالإهانة، وبالتقليل من شأنها. كل الثقة التي كانت تشعر بها في مقصورة الدوق بدأت تتلاشى تحت وطأة كلمات زوجة أبيها القاسية.
رأت أوغستا بريق الألم في عينيها، فانتهزت الفرصة. سألتها بصوتٍ ناعمٍ لاذع: "وهل تعلمين ماذا يجعلكِ هذا؟"
وقفت ديليا صامتة، قبضتاها مشدودتان بقوة إلى جانبيها، وأظافرها تغرز في راحتيها. لن تمنح هذه المرأة متعة الرد.
قالت أوغستا: "عاهرة"، لفظت الكلمة كأنها مقززة. "أنتِ لا تختلفين عن النساء في بيوت الدعارة على الرصيف. بل إن وضعكِ أسوأ، لأنهن على الأقل يتقاضين أجرًا مقابل خدماتهن. أما أنتِ؟ فقد ألقيتِ بنفسكِ إليه مجانًا. عاهرة رخيصة بلا كرامة."
انهمرت دموع حارقة وحادة من عيني ديليا. قاومت دموعها بكل ما أوتيت من قوة، رافعة ذقنها قليلاً في حركة تحدٍّ صغيرة. لن تبكي. لن تُظهر أي ضعف أو ألم. ليس أمامها.
عندما رأت أوغستا الدموع التي لم تنهمر، ابتسمت ابتسامة قاسية منتصرة. عرفت أنها قد أصابت وترًا حساسًا، فتابعت كلماتها القاسية. سألتها: "هل تعلمين أي نوع من النساء يكرهه الرجال أكثر من النساء الممتلئات؟"، تاركةً السؤال معلقًا في الجو المتوتر قبل أن تجيب بنفسها. "النساء اللواتي يدنّسن أجسادهن. النساء بلا شرف، بلا طهارة، وأنتِ رميتِ جسدكِ له ليدوسه."
اقتربت أكثر، وتغير صوتها إلى نبرة شفقة زائفة. "جورج ما زال هنا، كما تعلمين. ما زال مستعدًا لقبولك مجددًا، حتى بعد كل ما فعلتيه من حماقات وفضائح. لقد كان ينتظر، وما زال ينتظر." هزت رأسها كما لو كانت ديليا حالة ميؤوس منها. "بدلًا من أن تكوني ممتنة له لقبوله لكِ كما أنتِ، أنتِ هنا، تُثيرين المشاكل، وتُخجلين هذه العائلة بأكملها، وتُفسدين عرض زواج أختكِ، وتجعلين نفسكِ أضحوكة."
بدأت ديليا حديثها بصوتٍ متقطعٍ يخنقه: "أنا...". أرادت أن تصرخ، أن تخبرها عن العقد، عن الصفقة، لكن الكلمات خانتها. لقد تركت سنوات الإساءة العاطفية أثرها، ولا يزال جزءٌ منها يشعر وكأنه تلك الطفلة الصغيرة الخائفة المحبوسة في هذه الغرفة بالذات.
رأتها أوغستا تتردد، فرسمت على وجهها ابتسامةً أموميةً زائفة، بينما بقيت عيناها باردتين كالثلج. قالت وهي تربت على ذراع ديليا في حركةٍ بدت أقرب إلى التهديد منها إلى المواساة: "لا تقلقي. سأرسل رسالةً إلى عائلة بيمبروك غدًا صباحًا. سنضطر إلى التعجيل بزفافكِ على جورج، بالطبع. إنها الطريقة الوحيدة للحفاظ على ما تبقى من كرامتكِ". ثم ضاقت ابتسامتها. "هذا أفضل ما يمكنني فعله من أجلكِ، كابنتي. زفافٌ سريعٌ وهادئٌ لإخفاء عاركِ. يمكنكِ..."
"ديليا".
دوى صوت رجل هادئ وقوي من المدخل. كان صوتاً غريباً عن هذا البيت، صوتاً اخترق كلمات أوغستا اللاذعة كالسيف الحادّ.
أثار هذا الصوت المفاجئ دهشة المرأتين وذهولهما، فالتفتتا نحو الباب المفتوح.

تعليقات
إرسال تعليق