الفصل (20) الحاجز
في اليوم نفسه الذي تلى الحادثة.
دوى طرق خفيف على الباب السميك المختوم بالمانا، بالكاد يُسمع صوته وسط همهمات التعاويذ التي تُزيّن جدران الغرفة.
"سيدي، وصل التقرير من المختبر"، جاء صوت هادئ شاب.
"تفضل بالدخول"، أجاب فاسرا دون أن يرفع رأسه.
انفتح الباب على الفور، مصحوبًا بفحيح خافت مع انفكاك أقفال المانا تباعًا.
دخل شاب، لم يتجاوز العشرين بقليل، بخطوات وقورة.
انحنى، ثم اقترب من المكتب المصنوع من حجر الأوبسيديان المصقول، ومدّ بكلتا يديه لفافة بلورية مختومة.
تقبّل فاسرا التقرير بإيماءة. "يمكنك الانصراف".
لم يسأله الرجل.
انحنى مرة أخرى باحترام، وظلت عيناه تحدقان في هيئة فاسرا بإعجاب واضح، نظرة من ينظر إلى أسطورة لا إلى رجل.
خرج في صمت، وأُغلق الباب المختوم بالمانا خلفه بصوت ارتطام مدوٍّ.
فتح فاسرا اللفافة.
تراقصت الأرقام والرسوم البيانية وأنماط المانا المتبقية في الهواء من حوله. لم ينطق بكلمة، لكن نظراته ضاقت.
عادت إليه ذكرى محفورة في ذاكرته من ساعات مضت.
عودة إلى المشهد قبل لحظات
كان كايلين ملقىً بلا حراك على أرض الغابة الممزقة، جسده غارق بالدماء، وعظامه متصدعة، وحياته معلقة بخيط رفيع.
كان جيريد، القريب منه، يكافح للنهوض، لكن ساقيه لم تستجيبا لأنه لم يكن يملك ساقين.
ارتجف الهواء.
استعد وحش ضخم يشبه الطائر، بريش حاد كالشفرات وعيون قاسية ثاقبة، صوّب نحوه.
كان كايلين عاجزًا عن الدفاع عن نفسه، والموت على بُعد نبضة قلب.
ثم...
<لحظة>
تحطّم العالم.
كل شيء. الهواء، الوحوش، الصوت، حتى الضوء تجمد.
توقف الزمن.
في تلك الأبدية المتجمدة، شقّ صوتٌ حادٌّ وخفيفٌ السكون. فوق وحش الطائر، انكسر الفضاء بصيحةٍ حادة، ومن الشقّ خرج رجلٌ يرتدي رداءً أسود وأبيض مطرزًا بخيوطٍ ذهبية.
فاسرا.
عميد الأكاديمية.
نزل ببطء، بنظرةٍ هادئةٍ متأنية. لوّح بيده، وأشار إلى كايلين أولًا، ثم إلى جيريد.
<قفل الزمن>
انطلقت رموزٌ ذهبيةٌ من أصابعه وغرست في أجسادهم.
لم يكن قفل الزمن إيقافًا للزمن.
بل كان تجميدًا للحياة. للحظة وجيزة، توقف تدفق الموت نفسه، وأوقف الانهيار النهائي لأجسادهم، وحفظهم في تلك اللحظة الدقيقة من الوجود بين الحياة والآخرة.
ثم تقدم خطوة. ركزت عيناه على الوحش المعلق في الهواء، وريشه متجمد في لحظة الهجوم.
عاد الزمن إلى طبيعته.
توقفت المنطقة بأكملها، التي تمتد لما يقارب 500 ميل، لمدة ثانية واحدة بالضبط.
كان هذا كل ما يحتاجه فاسرا.
دويّ.
سقط الوحش الشبيه بالطائر على الأرض، هامداً. لم تكن هناك جروح ظاهرة. لم يتحطم جوهره. لكن روحه انفصلت، بلا أثر.
لم يمت من قوة، بل من مفهوم يفوق إدراكه.
تجهم وجه فاسرا. "هذا ليس لقاءً عابراً"، تمتم لنفسه.
ثم، بحركةٍ بارعة، شقّ شقاً آخر في الفضاء، أضيق وأكثر استقراراً، وأدخل يده داخله.
وبعد لحظة، سحب رجلاً عجوزاً أشعثاً من ياقته.
"يا للهول، يا فاسرا!" صرخ الرجل العجوز، ونظارته مائلة.
"ألا يضرك أن تحذرني؟! ظننت أنني على وشك الرحيل إلى العالم الآخر مجددًا!"
"أنقذهم يا تاشي." تجاهل فاسرا تذمره وأشار إلى الصبيين.
كان تاشي معالجًا ذائع الصيت عالميًا، ويرأس حاليًا القسم الطبي في الأكاديمية، تذمر لكنه تقدم للأمام.
نظرة واحدة إلى إصابات كايلين جعلته يتوقف.
"ما الذي فعلته بهم بحق إلدراوس؟!"
لم يُجب فاسرا.
جلس تاشي القرفصاء واستدعى نورًا أخضر مقدسًا من كلتا يديه. <استعادة!>
نبضت حرارة لطيفة للخارج، فغطت الجلد الممزق، وأصلحت الأنسجة السطحية، وثبّتت الصدمات الداخلية. توقف تدفق الدم. عاد التنفس.
لكن الإصابات الأعمق بقيت دون علاج.
"كسور في العمود الفقري. مفاصل مهشمة. أحدهم فقد أطرافه، وكاد يتحول إلى هريس..." نقر تاشي بلسانه.
"حتى مع الترميم، فإن أجهزتهم العصبية على وشك الانهيار. لا أستطيع إعادة إنماء ذراع مفقودة بالكامل دون إكسير إلهي لإعادة النمو. وتلك الساق..."
هز رأسه. "لو تأخرنا ثانية واحدة فقط، لكانوا قد فارقوا الحياة.
التفت إلى فاسرا، والغضب يحرق عينيه المنهكتين. "أنت واختباراتك الوحشية! هذا هو الحد. أنت تلعب بحياتهم. لسنا آلهة. خطأ واحد، وحتى أنت لن تستطيع إعادتهم."
لم ينطق فاسرا بكلمة. وجهه، كعادته، كان غامضًا لا يُقرأ.
نهض تاشي. "هذا المكان تفوح منه رائحة المانا الفاسدة. أحضرهم إلى حضانتي. سأثبت حالتهم هناك."
دون أن يرد، فتح فاسرا بوابة، فازداد زمنه، واستقر للسفر.
خطا عبره، رافعًا كايلين في الهواء، وسار بجانبه. طفت أجسادهم برفق، كما لو كانوا تحت الماء، معلقين في حالة سكون زمني.
خلفهم، تبعهم تاشي بملامح قاتمة، يتمتم بشتائم عن العمداء المجانين والجداول الزمنية الجاحدة.
بالعودة إلى ساحة المعركة، وصل مسعفون متخصصون من الأكاديمية. مهمتهم: جمع ما تبقى من الأطراف.
ستكون عملية طويلة ومروعة. بعض الأجزاء كانت سليمة. والبعض الآخر تحول إلى معجون.
في مكان آخر، تحت القشرة
بعيدًا عن أرض البشر، في أعماق كهفٍ تتخلله عروق الحمم البركانية، جثا مخلوقٌ هائل. كان جلده داكنًا كالحجر البركاني، والضغط الذي ينبعث منه يشوّه الهواء المنصهر المحيط به.
همس المخلوق، ورأسه منحنٍ: "يا سيدي... لقد وجدنا موقع الأكاديمية... لكن المهمة فشلت. لقد تدخل فاسرا..."
صوت هدير.
انطلق قوسٌ نقيٌّ من المانا الخالصة يشقّ رقبة الوحش.
سقط الرأس على الأرض، لكن الجسد لم يتحرك. بل انحنى الرأس المقطوع مرة أخرى، وعيناه متسعتان من الإجلال.
"شكرًا لك يا سيدي... على هذا اللطف."
رفع رأسه، مثبتًا إياه كما لو كان مجرد خوذة، ثم استدار ليغادر.
لم يكن هذا عقابًا. بل كان نعمة، علامة رحمة.
حاضر في غرفة قيادة الأكاديمية
بالعودة إلى الحاضر، وضع فاسرا التقرير البلوري، وشفتيه مضمومتان في خط رفيع.
تألق الباب مجددًا. هذه المرة، لم يتكلم.
"هل ناديتني، أيها العميد الجليل؟"
دارت الغرفة، وظهرت أمامه بالك، ولكن ليس بهيئتها المعتادة.
اتخذت هيئة امرأة فاتنة بشعر بنفسجي ينسدل كالحرير، وعينين تتألقان بسحر الجمشت. كان جسدها يشع أنوثة مع كل حركة.
لكن فاسرا بالكاد رمش.
"يبدو أن موقعنا قد انكشف. نحتاج إلى حاجز أقوى."
اتكأت بالك على الحائط، ووضعت ذراعيها على صدرها بتكاسل.
"أقوى كيف؟ لديّ عيون على الحرم الجامعي بأكمله، وأنتِ تعلمين أنني قد أنشأتُ بالفعل ثلاث طبقات من الحواجز الملحمية. هل تريدين المزيد؟"
"نعم. أريد إخفاء هذا المكان تمامًا، على الأقل ضمن دائرة نصف قطرها ألف ميل. لا تدعي أي تعويذة، أو عين، أو نية تخترق حجابنا."
رمشت بالك. "هذا ليس حاجزًا. هذا بمثابة إعلان حرب على قوانين الفضاء."
"هل يمكنكِ فعل ذلك؟"
"بالتأكيد. لكن الموارد..." مررت إصبعها في الهواء، تاركةً آثارًا متوهجة من الضوء البنفسجي.
"كم؟"
ابتسمت بالك ابتسامة خبيثة. "ما يعادل تقريبًا تكلفة تشغيل مدينة من الرتبة الذهبية. سلاسل إمداد كاملة. خدمات لوجستية. دفاع. ثروة طائلة، حقًا."
لم يتردد فاسرا. "افعليها. وأنهيها غدًا."
أمالت بالك رأسها. "جادة جدًا... حسنًا. ولكن في المقابل."
ارتجفت عين فاسرا.
"أعطيني ثمرة التيمبوفير."
انقبض قلبه.
أومأ برأسه ظاهريًا فقط. "تم."
صرخ في داخله.
ضحكت بالك، واختفت في دوامة من بتلات البنفسج. "كنت أعرف أنك ستكون كريمًا."
حدق فاسرا في الفراغ حيث كانت تقف.
تنهد.
"هذا الشيطان اللعين سيدمر خطتي الناجحة..."
كانت ثمرة تيمبوفير من أندر المواد الزمنية التي يمتلكها. تنمو على كرمة بلورية تشيخ عكسيًا، أقدم عند جذورها وأحدث عند أطرافها. لم تُثمر سوى ثمرتين طوال عمرها الذي يبلغ سبعين عامًا.
وقد حصد فاسرا واحدةً منها للتو من عالمه الداخلي الخاص، ملاذ زمني يتدفق فيه الزمن أسرع بعشر مرات من العالم الخارجي. كانت هذه الثمرة مُخصصة لتحقيق إنجازه المستقبلي.
خارج المستوصف، كان الطلاب يضحكون، واستؤنفت الدروس.
في الداخل، كان صبيان نائمين، غافلين عن أن نجاتهما قد أيقظت قوى الظلام وجعلتها أكثر حذرًا... وأن الأكاديمية، التي كانت ملاذًا آمنًا، قد أصبحت الآن ساحة معركة بين جبابرة خفيين.

تعليقات
إرسال تعليق