الفصل (19)




 همست آن: "ماما"، وجهها شاحب، وعيناها متسعتان من الرعب، بينما ترددت كلمات ديليا الصاخبة في صمت الغرفة المتوتر. كان ذلك آخر صوتٍ نطقت به قبل أن تنقلب عيناها وتسقط على الأرض.

صرخت أوغستا: "آن!"، وقد نسيت كل ما يحدث في غمرة الرعب. هرعت إلى جانب ابنتها، وجثَت على ركبتيها فوق السجادة. "آن، حبيبتي، استيقظي!" فركت يديها الباردتين بعنف، ووجهها يعكس ذعرًا شديدًا.

صرخت في وجه الخادمات المذعورات اللواتي ظهرن عند المدخل: "أحدٌ ما، اتصلوا بالطبيب! الآن!"

وقفت ديليا هناك، تراقب بصمت الفوضى التي أحدثتها. وبينما ملأت صرخات أوغستا المذعورة الغرفة، ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة باردة الرضا. كان مشهد آن فاقدة الوعي وزوجة أبيها في حالة ذعر شديد بمثابة مكافأة مُرضية للغاية. لم يكن هذا سوى غيض من فيض المعاناة التي كانت تنوي إلحاقها بهم. "هذه مجرد البداية"، فكرت في نفسها، وكان هذا الوعد بمثابة حجر قاسٍ بارد في قلبها.

انتقلت نظرتها إلى جورج. كان واقفًا متجمدًا في منتصف الغرفة، وعيناه متسعتان من القلق وهو يحدق في جسد آن الساكن. بدا كرجل محاصر بين جيشين متحاربين، مشلولًا تمامًا وعاجزًا عن الحركة. اقتربت ديليا منه خطوة، بصمت تام.

همست بصوت منخفض ساخر موجه إليه وحده: "يمكنك الذهاب إليها الآن. أنا متأكدة من أنها ستحتاج إلى كل الدعم الذي يمكنها الحصول عليه."

أخيرًا، أزاح جورج عينيه عن آن ونظر إلى ديليا. كان وجهه لوحة من الحيرة والألم. سأل بصوت منخفض: "لماذا؟ لماذا تفعلين بي هذا؟"

كادت ديليا أن تضحك. كان لا يزال يعتقد أن الأمر برمته يدور حوله.

قبل أن تتمكن من الرد، وبعد أن اطمأنت أوغستا للحظة أن آن ما زالت تتنفس، وجهت غضبها نحو ديليا. صرخت قائلة: "يا حارس! اقبضي عليها! احبسيها في غرفتها ولا تدعيها تخرج!

انحنى حارس المنزل الضخم، الذي كان يقف متوترًا عند الباب، واتجه نحو ديليا. رأته قادمًا وكادت أن تهرب، لكنه كان أسرع منها. انقضت يده الكبيرة على ذراعها بقوة.

صرخت وهي تحاول جاهدةً انتزاع ذراعها من قبضته القوية: "أطلق سراحي!"، لكن دون جدوى. بدأ يسحبها خارج الغرفة بخطوات ثقيلة.

نظرت إلى جورج، الذي كان يقف هناك يراقبها، ووجهه يعكس حيرةً وترددًا مثيرين للشفقة. لم يحرك ساكنًا لمساعدتها، ولم يتدخل. كان عقله مترددًا بشأن ما يجب فعله. لقد كان مجرد جبان، عالقًا في خضم عاصفة ساهم في إثارتها.

صرخت ديليا في وجهه: "جبان!"، وكان صوتها مليئًا بكل الازدراء الذي تشعر به. كانت تلك آخر كلماتها قبل أن يسحبها الحارس إلى أعلى الدرج الكبير.

عندما وصل إلى باب غرفة نومها، لم يُعر الحارس أي اهتمام للمجاملات. فتح الباب، ودفعها بقوة إلى الداخل، ثم أغلقه بقوة. تعثرت ديليا إلى الأمام، وتمسكت بعمود سريرها قبل أن تسقط. دوى صوت طقطقة القفل الحادة والثقيلة من الخارج في الصمت المفاجئ الذي ساد الغرفة.

أصبحت أسيرة مرة أخرى.

وقفت للحظة بلا حراك. ثم اجتاحتها موجة غضب عارمة. اندفعت نحو الباب وبدأت تدق عليه بكلتا يديها. صرخت بصوت أجش: "أخرجوني! أخرجوني من هنا!"

استمرت بالدق، وراحتاها تحرقانها، وحلقها يبحّ، حتى نفدت قواها تمامًا. سقطت ذراعاها بلا حراك على جانبيها. شعرت بإرهاق شديد، فأسندت ظهرها على خشب الباب الصلب وانزلقت ببطء إلى الأرض. جلست هناك، ورأسها منحنٍ، وتتنفس بصعوبة. وفي ظلمة عقلها الهادئة، عادت إليها ذكرى مؤلمة.

~فلاش باك.~

ترددت الصرخات في الردهة. كانت أوغستا، وهي أصغر سنًا بكثير، تحدق في ديليا ذات السبع سنوات، بوجه صارم لا يرحم.

"لماذا أخذتِها منها؟" سألت أوغستا بصوت حاد.

ضمت ديليا الصغيرة ذات الشعر الداكن دمية قماشية بسيطة إلى صدرها. "إنها لي يا بارونة،" أجابت بصوت مرتعش. "آن لديها دميتها بالفعل."

تشبثت آن الصغيرة، وقد ارتسم الحزن على وجهها، بتنورة والدتها وانخرطت في بكاء مرير. كان البارون هنري قد عاد لتوه من رحلة وأحضر معه دميتين قماشيتين متطابقتين، واحدة لكل فتاة. لكن آن، كعادتها، أرادت كلاهما لنفسها.

انتزعت أوغستا الدمية بسرعة من يد ديليا وناولتها لآن الباكية التي صمتت على الفور. وبخت أوغستا ديليا قائلة: "ألا تعلمين أنها أختك الصغرى؟ أتحبين رؤية أختك تبكي؟"

هزت ديليا رأسها، وعيناها متسعتان من الخوف والحيرة. "لا يا بارونة، لم أرغب أبدًا في أن أبكي آن."

ردت أوغستا بصوت بارد: "لكنكِ أبكيتها. متى أصبحتِ بهذه القسوة؟ بهذه الأنانية؟" أمسكت بذراع ديليا الصغيرة وجرتها، وهي تقاوم، في الممر إلى غرفتها. دفعتها إلى الداخل وأغلقت الباب.

طرقت ديليا الباب بقوة حينها، ولم تُحدث قبضتاها الصغيرتان أي صوت تقريبًا على خشب البلوط الثقيل. صرخت بصوت مخنوق بالدموع: "أنا آسفة يا بارونة!" سأعطي آن ألعابي! سأعطيها كل ما تريده! لن أجعلها تبكي مجدداً! أرجوكِ، أنا آسفة!

جاء صوت أوغستا من الجانب الآخر، مكتوماً وبعيداً. "فكّري في أخطائكِ"، كان هذا كل ما قالته قبل أن تتلاشى خطواتها، تاركةً ديليا وحيدةً في الظلام.

~ نهاية الذكريات ~

عادت ديليا إلى الواقع فجأة، تاركةً الذكرى مرارةً في فمها. كانت لا تزال ملقاةً على الأرض، ظهرها مُلتصقٌ بالباب الذي كان سجنها آنذاك، ولا يزال سجنها الآن. تناثر شعرها تمامًا في صراعها، وتناثرت خصلاته الداكنة حول كتفيها في فوضى عارمة.

لمحت عيناها شيئًا أزرق على الأرض حيث أُلقيت. كان الشريط. شريط الدوق. التقطته، وشعرت بشريط القماش الرقيق وكأنه طوق نجاة في يدها.

ببطءٍ وحذر، جمعت شعرها وربطته بالشريط، بحركات هادئة ومدروسة. شعرت أن هذا الفعل البسيط بمثابة وعدٍ قطعته على نفسها. لم تعد تلك الفتاة العاجزة ذات السبع سنوات.

لقد استخدمت أقوى أوراقها. الآن، كل ما بوسعها فعله هو الانتظار.

همست في الغرفة الصامتة الفارغة، بصوتٍ يمزج بين الدعاء والترقب: "أتمنى أن يأتي قريبًا". لم يعد مصيرها في أيدي هذه العائلة القاسية، بل أصبح في يد الدوق.












تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة