الفصل (17)

 



تسللت أشعة الشمس الأولى من خلال الفتحات الضيقة في الستائر الثقيلة، راسمةً خطوطًا لامعة مغبرة على الأرضية الخشبية.

تحركت ديليا، وأطلقت أنينًا خافتًا وهي تغوص أكثر في الدفء المحيط بها. تقلبّت في نومها، باحثةً عن الراحة، لكن ألمًا خفيفًا نابضًا في رأسها بدأ يوقظها من غفوتها. كان ذلك ألمًا مألوفًا، غير مرغوب فيه، كصداع الكحول. دليل على ما فعلته الليلة الماضية.

فتحت عينيها ببطء، ترمش في وجه الضوء المتسلل. بدت الغرفة غريبة في البداية، مساحة دافئة خشبية تعجّ بصمت الكتب. ركزت عيناها تدريجيًا، وأدركت أنها مستلقية على الأريكة الطويلة الوثيرة التي تذكرتها بشكل مبهم من الليلة الماضية.

كان معطف رجالي رسمي يلف جسدها كغطاء ثقيل مريح. كان داكن اللون، ومُفصّلاً بدقة متناهية، تفوح منه رائحة عطر فاخر، ورائحة سيجار، ورائحة أخرى مميزة له.


"هل غفوت؟" همست لنفسها بصوت أجش. عادت ذكريات الليلة الماضية في ومضات متقطعة: طعم النبيذ، ودفء النار، وضحكتها العفوية، ثم... سيل من الاعترافات المؤلمة. غمرها شعور حارق بالحرج.


نهضت وجلست، وتجمع معطف الدوق في حجرها. وبينما أدارت رأسها، كاد قلبها أن يقفز من مكانه. كان إريك يجلس على الأرض بجانب الأريكة، غارقاً في نوم عميق. كان رأسه مستنداً على الوسادة قرب موضع قدميها، مستنداً على ذراعيه المطويتين. كان شعره الأسود، الذي عادةً ما يكون مثالياً، مُبعثراً قليلاً، وفي نومه، بدا وجهه الوسيم الصارم أصغر سناً وأكثر براءة. لقد مكث هناك، على الأرض، طوال الليل.


انتابتها موجة من الذعر، باردة وحادة. فسارعت، بحذر، إلى تفقد نفسها. كان فستانها لا يزال مُزرراً بشكل صحيح، وملابسها الداخلية في مكانها، ولم تشعر بألم في جسدها إلا من النوم في وضعية غير مريحة، لا من أي شيء آخر. كانت بخير. لم يحدث شيء غير لائق.

تنهدت بارتياح طويل ومرتجف. نظرت إليه للمرة الأخيرة، إلى الدوق القوي نائمًا على الأرض ككلب حراسة عادي ليضمن سلامتها. كانت لفتة غير متوقعة، مناقضة تمامًا لسمعة الرجال ذوي النفوذ، لدرجة أنها تركتها في حيرة وتأثر غريب.


بحذر، كي لا توقظه، نزلت من الأريكة. كان أرضية الخشب باردة تحت قدميها المرتديتين الجوارب. أخذت لحظة لترتيب فستانها المجعد قدر استطاعتها. وجدت الشريط الأزرق الذي استخدمه على الأرض، فجمعت شعرها المبعثر بسرعة وربطته بنفسها. كان عليها أن تغادر قبل أن يستيقظ، قبل أن يضطرا لمواجهة حديث صباح اليوم التالي المحرج.


بينما كانت تنظر حولها في الغرفة الهادئة التي تتخللها أشعة الشمس، سيطرت عليها فكرة أكثر جدية، طردت آخر آثار صداعها. لقد أبرمت صفقة، عهدًا جريئًا ويائسًا. لكن ماذا لو كان كل هذا مجرد لعبة بالنسبة له؟ ماذا لو استيقظ وغير رأيه؟ لو عادت إلى منزلها الآن، لتواجه غضب البارونة ودموع آن الانتقامية، لكانت ستدخل في فخ. لن تدع أوغستا هذه الإهانة تمر دون عقاب. استطاعت ديليا أن تتخيل بوضوح القسوة، والجوع الشديد، والاتهامات المحتملة التي قد تدمرها تمامًا، أو ما هو أسوأ.

"إذا عدتُ إلى المنزل الآن دون أي ضمان،" فكرت، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، "فسأكون في ورطة. سأموت للمرة الثانية. وأعلم أنه لن تُتاح لي أي فرصة أخرى بعد هذا."

كانت بحاجة إلى خطة بديلة. إلى ضمان. وقعت عيناها على مكتبه، على كومة الورق المرتبة، والقلم، والمحبرة. وبسرعة، توجهت إلى المكتب، وأخذت ورقة نظيفة، وبدأت الكتابة.

كان خطها مرتعشًا بعض الشيء، لكن كلماتها كانت واضحة. بعد لحظة، طوت الرسالة، ثم توقفت، وقد خطرت لها فكرة جديدة. مدت يدها إلى محفظتها الصغيرة التي لا تزال مربوطة حول خصرها، وأخرجت منها النقود القليلة المتبقية. وضعتها على المكتب بجانب الرسالة، ثم غادرت المقصورة بهدوء كما دخلت. كان هواء الصباح الباكر منعشًا وباردًا، وهي تُخبر سائق العربة الذي استيقظ الآن أن يُعيدها إلى المنزل.

بعد ساعة أو نحوها، استيقظ إريك. كانت الشمس قد ارتفعت، وأصبح ضوؤها أكثر سطوعًا. مدّ عضلاته المتصلبة، فتأوّه من ألم النوم على الأرضية الصلبة. أول ما خطر بباله كان هي. نظر إلى الأريكة فوجدها فارغة. كان معطفه مطويًا بعناية حيث كانت مستلقية. لقد رحلت.

نهض، والتقط معطفه. رفعه إلى وجهه، وكان ينوي في البداية نفض التجاعيد، لكنه توقف. كانت تفوح منه رائحة خفيفة من الخزامى. كانت رائحتها. تذكرها حين كان يحتضنها، ورأسها مستقر على كتفه. كانت رائحة نقية، بسيطة، ومريحة بشكلٍ مدهش.

قال بصوت عالٍ في الغرفة الفارغة، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه: "يبدو أنها تعشق الخزامى".

اتجه نحو النوافذ ليسدل الستائر ويسمح لضوء الصباح بالدخول. عندها رآها. كانت قطعة من الورق مطوية موضوعة في منتصف مكتبه المرتب. التقطها وقرأها.

شكرًا لك على حضورك الليلة الماضية، يا صاحب السمو. أعتقد أن لدينا اتفاقًا لم يُحسم بعد. إذا تأخرتُ كثيرًا، هل يمكنك أن تأتي لاصطحابي؟ لقد استعرتُ عربتك أيضًا لأعود إلى المنزل. أوه، وقد  دفعت ثمن نبيذك. أنا آسفة لأنني شربتُه كله.

ديليا.

قرأ إريك الرسالة مرة ثانية. لم يكن سطر "إذا تأخرتُ كثيرًا، هل يمكنك أن تأتي لاصطحابي؟" سؤالًا بسيطًا. بل كان تلميحًا ذكيًا . كانت تخبره أنها قد تكون في ورطة، وأن عودتها إلى عائلتها محفوفة بالمخاطر. كانت تختبره، لترى إن كان سيحترم جانب الحماية في اتفاقهما الجديد.

ثم وقعت عيناه على كومة صغيرة من العملات الذهبية بجانب مكان الرسالة. التقطها، وشعر ببرودة المعدن على جلده، وعدّها. عشر قطع. على الأرجح آخر ما تبقى من مالها. لقد سددت له ثمن النبيذ.

في البداية، ابتسم فقط. ثم انطلقت منه ضحكة مكتومة، سرعان ما تحولت إلى ضحكة مدوية ملأت أرجاء المقصورة الصامتة. لقد تفاوضت على عقد زواج من أجل السلطة والحماية، واعترفت له بأعمق جراحها، ثم تركت له مالًا لشراء زجاجة نبيذ.

قال لنفسه وهو يهز رأسه مستمتعًا: "إنها طريفة، وجميلة أيضًا".

طوى الورقة بعناية، وتحولت ضحكته إلى ابتسامة دافئة. عاد إلى مكتبه، وفتح درجًا صغيرًا مغلقًا كان يحتفظ فيه بأغراضه الشخصية، ووضع رسالتها بداخله.








تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة