الفصل (16) الطلاق الحتمي
تسمّرت أوليفيا في مكانها، محاولةً تجنّب نظراته التي بدت وكأنها تخترقها كالسهم. لكنه لم يمنحها فرصةً للهرب. ازداد صوته تحديًا:
"ماذا؟ ألا تحبين أن تكوني خالة؟ الطفلة تشبهكِ تمامًا... أليست جميلة؟"
في لحظة غضب، نزعت الضمادة، وجلست بسرعة، معدّلة وضعيتها بانزعاج واضح. تحدثت بنبرة مزيج من الغضب والإحباط:
"إذن، أنت تعلم؟"
"ماذا تقصدين؟" أجاب بنبرة بريئة مصطنعة.
حدّقت به وقالت:
"كفّ عن هذه الألاعيب. أنت تعلم أنها ابنة كايل، أليس كذلك؟"
ابتسم ماثيوس بهدوء، صامتًا، وكأن صمته وحده كافٍ للإجابة.
صرخت في إحباط:
"من أخبرك؟"
رفع كأسه، الذي ملأه بقليل من النبيذ، وأجاب ببرود:
"الأمر واضح، لا أحتاج لأحد أن يخبرني."
ساد بينهما صمت ثقيل، غارقين في أفكارهما. فتح ماتيوس زجاجة النبيذ وسكب المزيد في كأسه. ارتشف رشفة صغيرة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"معذرةً. كنت سأقدم لكِ مشروبًا، لكن بالنظر إلى ما حدث الليلة... لا أعتقد أنها فكرة جيدة."
حدقت به أوليفيا، محاولةً فهم ما يدور في ذهنه، بينما اكتفى هو بابتسامة هادئة، وكأن كل شيء يسير كما خطط له تمامًا.
"إذن، ما الذي تنوي فعله؟" سألت أوليفيا، بصوت يمزج بين الفضول والقلق.
تنهد ماتياس، وكأنه يعيد ترتيب أفكاره قبل أن يجيب بنبرة هادئة، لكنها حادة:
حسنًا، هذه ليست حياتي. هما حران، بإمكانهما فعل ما يشاءان، لكن...
قاطعته بسرعة قائلة: "لكن ماذا؟"
حدّق بها بعينين ثاقبتين، بنظرة حازمة لا تلين.
"يجب أن ينفصلا."
اتسعت عيناها في ذهول، وكأنها سمعت شيئًا لا يُصدق.
"انفصال؟ ماذا تقصد؟"
توقف للحظة، يُفكّر في كلماته قبل أن يُكمل حديثه.
"حسنًا، سيضطران إلى الانفصال عاجلًا أم آجلًا."
تراءت على وجهها علامات التساؤل وهي تُحاول استيعاب ما يقوله.
"لا أفهم. لماذا سينفصلان؟ أليس لديهما طفل؟"
أجاب ماتياس دون تردد، بصوت حازم.
"لم أُثر هذا الموضوع لنناقش أسباب طلاقهما. أريدك أن تُقنعي ليلى بالانفصال."
ارتفع حاجباها في صدمة.
"أنا؟" لماذا أنا وليس أنت؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:
حسنًا، سمعتُ من الخدم أن علاقتكما جيدة. أعتقد أنها تثق بكِ. وأنتِ امرأة، ستستمع إليكِ أكثر من الرجل. لا تقلقي، سأعطيكِ كل ما تطلبينه: مجوهرات، فساتين، أرض. إنه اتفاق بسيط.
شعرت أوليفيا بنيران الغضب تشتعل في داخلها. لو كانت أوليفيا القديمة، تلك التي تفعل أي شيء لإرضاء والدها، لوافقت دون تردد. لكنها لم تعد تلك المرأة. أطلقت ضحكة مريرة.
الشخص نفسه الذي قال إنهم أحرار في تقرير مصيرهم، يريد الآن فرض الطلاق عليهم؟ هذا أمرٌ مثير للسخرية.
أجاب ماتياس ببرود، كلماته كالسهم الذي يصيب وترًا حساسًا.
"هاه، منذ متى أصبح عبد المال يهتم بحياة الآخرين؟"
تنفست بعمق، محاولةً كبح غضبها.
"لا يهمني، لكن أخي الصغير متورط في هذا. لذا، سأتدخل، تمامًا كما تتدخل أنت في حياة أختك الصغيرة."
رفع حاجبه ساخرًا.
"أخوك الصغير؟ هل أصبح أخاك فجأة؟"
كلماته اخترقت قلبها. منذ صغرها، لم تعتبر كايل أخاها الصغير حقًا، رغم محاولاته اليائسة لنيل رضاها. شعرت بالندم يتسلل إلى قلبها، لكنه سرعان ما اختفى خلف جدار غضبها المتزايد.
"لماذا هذا الإصرار الغريب على طلاقهما؟"
أجاب بهدوء، كما لو أن الأمر بديهي بالنسبة له.
"هناك أسباب كثيرة." ببساطة، هي من عامة الشعب، وهو من عائلة ملكية. لا يمكن أن يجتمع النبلاء والعامة.
صمتت أوليفيا، لكنها كانت تدرك تمامًا أثر الفوارق الطبقية على حياة الناس. كانت العائلة المالكة قاسية، وكون ليلى جزءًا منها يعني أنها ستكون كالحمل الوديع بين الذئاب.
تابع ماتياس.
بذلت ليلى كل ما في وسعها لتصبح طبيبة وتعيش حياتها كما تشاء. لا أريدها أن تضيع كل ما عملت من أجله لمجرد زواجها من العائلة المالكة. أنتِ تعلمين أنهم لن يسمحوا لها بالعمل كوريثة للعرش.
كانت كلماته كحقيقة قاسية لا يمكن إنكارها، لكن أوليفيا وجدت نفسها تجيبه بشكل عفوي:
"إنه يحبها. يجب أن يكون مع زوجته وابنته."
ضحك ماتياس بسخرية، وكانت ضحكته أشد إيلامًا من أي كلمة نطق بها.
"أتعلمين، لم أتوقع أبدًا أن أسمعكِ تنطقين بكلمة مثل 'حب'. ما هذا يا دوقة ليكرون؟ هل أصبحتِ فجأة لطيفة؟"
كانت سخريته تستفزها بشدة. شعرت أوليفيا بغضبها يتصاعد، حتى أنها قبضت على يديها بقوة، تاركةً جروحًا صغيرة من أظافرها في راحتيها.
"بإمكانه أن يأخذ ابنته. ليس لدي أي اعتراض. أختي لديها حياة تعيشها. لطالما أرادت أن تصبح طبيبة منذ صغرها." والآن وقد حققت حلمها أخيرًا، لن أدعها تدفن نفسها لمجرد أنها أخطأت وتزوجت.
نهضت أوليفيا فجأة، وضربت الطاولة بقبضتها بغضب.
"لقد طفح الكيل بك يا ماتياس. أنت تثير اشمئزازي حقًا. أتريد أن تفرق بين أم وطفلها؟"
امتلأت عيناها بالدموع وهي تستذكر طفلها الذي فقدته. اختنق صوتها وهي تضيف:
"أنت حقًا لا تستحق أن تكون أبًا. ربما لهذا السبب لم ترغب والدتك برؤيتك أبدًا، حتى بعد وفاة والدك."
نظر إليها ماتياس ببرود، بوجه خالٍ من التعابير، قبل أن يتحدث بنبرة هادئة لكنها لاذعة.
"يبدو أن نقاشنا لن يُفضي إلى شيء. على أي حال، لقد تأخر الوقت. يجب أن تنامي."
رفعت ذقنها بتحدٍ وقالت:
"حسنًا، سأنام."
غادرت أوليفيا المكتب، وأغلقت الباب خلفها بقوة. كانت ترتجف من الغضب، وأفكارها تتدافع في رأسها كالأمواج. "لا أصدق أنني أشعر بالندم لعدم مراعاتي لهذا الوغد."
لم تستطع إغلاق عينيها، ولا حتى للحظة عابرة. كانت نيران الغضب تشتعل في أعماقها، كالجمر الذي تحول إلى لهيب، يغلي تحت السطح. امتد الليل بلا نهاية، ولم يتسلل الضوء إلى غرفتها إلا مع بزوغ الفجر. كانت عيناها، المحاطتان بهالات داكنة، تحكي قصة ساعات من الأرق، مثقلة ليس فقط بالإرهاق، بل أيضًا بدوامة الأفكار التي لا تتوقف.
دخلت كيرا بهدوء، بخطوات خفيفة وكأنها لا تريد إزعاج الصمت الهش. كانت تحمل في يديها وعاءً من الماء، وبصوتٍ متردد، قالت:
"سيدتي... إنه الصباح. أرجوكِ، عليكِ الاستيقاظ."
لكن المنظر أمامها جمّدها في مكانها. كانت أوليفيا جالسة هناك، متأهبة على الأريكة، ساقها فوق الأخرى، وقد ارتدت ملابسها بالفعل، وتبدو مستعدة ليومها. كأنها لم تلمس فراشًا منذ أيام. كانت عيناها ثاقبتين، تشتعلان بنظرة حادة، وكان حضورها ينضح بجو من القلق جعل الغرفة تبدو أكثر برودة. وجهها الشاحب المتعب زاد من حدة هالتها.
نادت كيرا مجددًا، بصوتٍ أكثر رقةً، يملؤه التردد:
"سيدتي... سيدتي؟"
لكن لم يكن هناك رد. استجمعت كيرا شجاعتها، واقتربت أكثر، لتصبح في مرمى بصر أوليفيا. أخيرًا، تحركت أوليفيا، رافعةً بصرها ببطء. كان صوتها، حين خرج، باردًا وخاليًا من الحيوية:
"آه، كيرا، يبدو أنكِ قد وصلتِ. كما ترين، أنا جاهزة. لا حاجة لكِ. يمكنكِ الانصراف."
تماسكت كيرا، تخفي قلقها، وسألت بلطف:
"حسنًا، ولكن ماذا عن الفطور؟ هل أحضره لكِ؟"
لوّحت أوليفيا بيدها في استخفاف، بحركاتٍ فاترةٍ وباردة.
"لا... لستُ جائعة."
رغم الاستخفاف الواضح، تسللت عينا كيرا إلى الطاولة المزدحمة القريبة. كانت زجاجات النبيذ الفارغة متناثرة على سطحها، شاهدة صامتة على ليلة طويلة قضتها غارقة في أحزانها.
استجمعت كيرا شجاعتها، وتحدثت مرة أخرى بصوت منخفض مرتعش:
"سيدتي، سامحيني على جرأتي، لكن... أنتِ تزدادين نحافة يومًا بعد يوم. لم تأكلي منذ ثلاثة أيام. بالأمس، غادرتِ دون فطور، وعندما عدتِ، لم تمسي أي طعام."
أطلقت أوليفيا تنهيدة عميقة، بدت وكأنها تحمل ثقل العالم. استعدت كيرا للتوبيخ، متوقعة أن تُعاتَب على تجاوزها حدودها. لكن جاء رد أوليفيا خاليًا من الغضب، ومُشبعًا ببرود بارد:
"ببساطة، ليس لدي شهية يا كيرا. وقد شربتُ ما يكفي من النبيذ. لا حاجة للطعام. لا داعي للقلق عليّ."
وقفت كيرا هناك للحظات، تراقب سيدتها التي بدت وكأنها تنهار تحت وطأة أعباء خفية. أوليفيا، التي كانت ذات يوم شخصية مهيبة، بدت الآن كبرج على وشك الانهيار، تتصدع أساساته تحت ضغط غير مرئي.
دون أن تنبس ببنت شفة، خفضت كيرا رأسها باحترام وغادرت الغرفة. تركت أوليفيا وحيدة، يلفها عبق النبيذ الخافت وصمت أفكارها المطبق.
بعد لحظات، عادت كيرا إلى أوليفيا، وطرقت الباب برفق وكأنها تخشى إثارة عاصفة.
رفعت أوليفيا رأسها، وقد بدا عليها الإرهاق جليًا، وقالت بحدة:
"ما الأمر الآن؟"
ترددت كيرا، وارتجف صوتها من شدة الحيرة.
"سيدتي... صاحب السمو، ولي العهد، هنا. يطلب مقابلتك."
اتسعت عينا أوليفيا في ذهول، وقفزت واقفة كأن بركانًا قد ثار في داخلها.
"ماذا؟ إنه هنا؟ أين هو؟"
تراجعت كيرا خطوة إلى الوراء، وقد فاجأتها ردة فعل سيدتها الحادة.
"إنه في غرفة الضيوف، سيدتي."
"وأين السيدة ليلى؟"
رمشت كيرا، مرتبكةً من السؤال المفاجئ.
"إنها في غرفتها كالمعتاد. لماذا تسألين؟"
لم تُجب أوليفيا. بل انطلقت مسرعةً نحو غرفة الضيوف، وقلبها يخفق بشدة وكأنها تخشى أن تكون قد تأخرت كثيرًا.
لكن عندما وصلت، كان الأوان قد فات. كان الباب مواربًا، ومن خلال الفتحة الصغيرة، رأت المشهد: كايل، صاحب السمو ولي العهد، يقف وجهًا لوجه مع ليلى.

تعليقات
إرسال تعليق