الفصل (15) هو يعلم
"أوليفيا! ماذا حدث لكِ؟" سألها بصوتٍ يملؤه القلق وهو يمسك بكتفيها، لكنها لم تتلقَّ أي رد.
حملها بسرعة بين ذراعيه ودخل بها إلى مكتبه. جثا بجانبها على الأرض، يراقب أنفاسها المتقطعة ونظرة الضياع في عينيها. وضع يديه برفق على وجهها وتحدث بصوت هادئ لكن حازم:
"أوليفيا، انظري إليّ. أنتِ تُعانين من نوبة هلع، أنتِ لستِ تختنقين. حاولي أن تتنفسي ببطء... أنا هنا."
لكن كلماته المُطمئنة لم تصل إلى عقلها المُشتت. بدأت تصرخ وسط بكائها الهستيري:
"لقد قتلتُ ابني... أنا السبب! أنا السبب!"
ضمها ماتياس إليه بقوة، مُحيطًا إياها بذراعيه كما لو كان يُحاول حمايتها من نفسها. همس بالقرب من أذنها، صوته يملؤه الحزن والحنان:
"أوليفيا، توقفي. لا تقولي ذلك. أنتِ لستِ سبب موته." أنا هنا، أنا معكِ... أنتِ لستِ تختنقين، صدقيني.
استمر في احتضانها، يربت على رأسها برفق، محاولًا تهدئتها حتى خفت شهقاتها تدريجيًا. انتظم تنفسها تدريجيًا، وانهارت بين ذراعيه، منهكة ومحطمة.
ما إن تأكد من هدوئها التام، حتى حملها برفق، كما لو كانت قطعة زجاج هشة قد تنكسر في أي لحظة. وضعها على الأريكة بعناية، ثم غطاها بمعطف كان قد أُلقي على كرسي. وقف صامتًا بجانبها، ينظر إليها بحزن في عينيه.
همس لنفسه، كما لو كان يخاطب جراحها التي ظن أنها قد شفيت:
"ماذا حدث لكِ اليوم يا أوليفيا؟ ظننت أن الوقت سيكفي لشفاء الجراح... لكنني كنت مخطئًا."
جلس على كرسيه، يراقبها وهي نائمة، وقلبه مثقل بذكريات الماضي وآلامه التي عادت لتطارده، مذكرةً إياه بأن بعض الجروح لا تندمل أبدًا.
كان الصمت يخيم على الغرفة، وكأنه يحاول ألا يوقظ النائم. استلقت أوليفيا على الأريكة الجلدية، جسدها مسترخٍ في وضع غير مريح، وعقلها غارق في دوامة بين النوم واليقظة. بدأت عيناها تنفتحان ببطء، تحدق في السقف وكأنها تتوسل للوضوح، لكن كل ما رأته كان صورة ضبابية تزداد تشوشًا مع كل محاولة للتركيز.
حاولت النهوض، دافعةً نفسها قليلًا للجلوس، لكن صداعًا مفاجئًا داهم رأسها كالعاصفة. رفعت يدها إلى جبينها، محاولةً تخفيف الألم، لكن الوخزات الحادة اشتدت مع كل نبضة. تمتمت بصوت خافت، بالكاد يُسمع:
"آه... رأسي... كيرا، أحضري لي كوبًا من الماء."
مرت لحظات من الصمت قبل أن تسمع صوت خطوات ثابتة تقترب. لم ترفع رأسها؛ فقد طغى الألم على كل إحساس آخر. مدت يد ناعمة كوبًا من الماء وحبة دواء. أمسكت بهما بسرعة، وابتلعت الحبة، وشربت بعض الماء وكأنها تتوسل لتخفيف ألمها الشديد. استندت إلى الأريكة، تتنفس بعمق بينما يغمرها شعورٌ بالانزعاج. مدت يديها خلف ظهرها، محاولةً فك أزرار الفستان الضيقة التي شعرت بها كسلسلة خانقة منذ الأمس.
تحدثت بصوت أجش:
"كيرا، ساعديني في فك هذا الفستان."
لم تكن تتوقع شيئًا مختلفًا. لكن بدلًا من سماع صوت كيرا المرح، شعرت بأطراف أصابع تُزيح شعرها برفق عن رقبتها. توقفت للحظة، وشعرت بإحساس غريب يتسلل إلى جلدها - بارد ودافئ في آن واحد. ثم بدأت الأزرار تُفتح ببطء وحذر، كما لو أن من يفعل ذلك يتجنب إزعاجها. تجمدت في مكانها، مدركة فجأة أن هذه اللمسة غريبة. استدارت بسرعة، وكانت الصدمة بانتظارها.
كان ماتياس يقف خلفها، تعابيره جامدة كتمثال، مع أن هناك شيئًا غامضًا يخفيه. كانت عيناه مثبتتين عليها، يراقب ردة فعلها دون تعبير واضح، كما لو كان يُدقّق في كل حركة تقوم بها. ساد صمت ثقيل بينهما، كما لو أن الزمن نفسه قد توقف. لكن الذكريات كانت قاسية. اندفعت شظايا الليلة الماضية إلى ذهنها، متقطعة ومختلطة، كما لو كانت تحاول استعادة تفاصيل حلم بعيد.
بدأت تتفقد المكان، الأثاث الفاخر، ورائحة الكتب القديمة التي تملأ الغرفة، والساعة المعلقة على الحائط - كل ذلك أكد لها الحقيقة التي كانت تحاول تجاهلها. كانت في مكتب ماتياس. أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها للحظة، محاولة استيعاب ما يحدث. أخيرًا، كسرت الصمت، وكان صوتها يحمل مزيجًا من الحيرة والإحراج:
"كم من الوقت نمت هنا؟"
وقف خلفها، يفك أزرار فستانها ببطء. كان صوته هادئًا، لكنه خالٍ من أي انفعال واضح، وهو يقول:
"ربما ساعتان، أو أكثر... لا أعرف. الساعة تشير إلى أنها تجاوزت الواحدة ليلًا."
تحركت أوليفيا بحذر، مبتعدةً قليلًا، وقالت بصرامة:
"يمكنك التوقف عن فك أزراري. سأتولى الأمر من هنا."
لكن ماتياس وضع يديه برفق على كتفيها، وأعادها إلى مكانها بثبات. ثبتت عيناه على عينيها كما لو كان مصممًا على تبديد أي شكوك قد تراودها. ظلت نبرته باردة، لكنها تحمل في طياتها حدةً:
"لا أعرف ما هي الأفكار السخيفة التي خطرت ببالكِ لتجعلكِ حذرةً مني، لكنني أخبرتكِ من قبل، وسأكررها: لن ألمسكِ أبدًا إلا بإذنكِ. لذا دعيني أنهي هذا. أحتاج إلى التحقق من شيء ما."
نظرت إليه بشك وحيرة، ثم سألته أخيرًا:
"أتفحص شيئًا؟ ماذا تقصد؟"
أنهى فك أزرار الفستان بهدوء، فسقط عن كتفيها واستقر عند خصرها. وقفت للحظة، تُفكّر في الموقف. تقدّم أمامها، واقفًا كالصخرة. رغم شعورها بالحرج من انكشاف جسدها، حافظت على هدوئها الظاهري، ثم تمكّنت من رسم ابتسامة ساخرة وهي تقول:
تقول إنك لن تلمسني، لكنك تتفحص جسدي بنظراتك بعد أن جرّدتني من ملابسي. التزامك بكلمتك... أمرٌ مثيرٌ للإعجاب.
ابتسم لها، وردّه يحمل نبرة سخرية لاذعة.
"لو أردتُ مضاجعتكِ، لفعلتُ ذلك وأنتِ ثملة. على الأقل كنتِ ستكونين أكثر طاعةً، دون الحاجة لتحمّل كلماتكِ الجارحة. ثم إنني رأيتكِ عاريةً من قبل." "لن يُغيّر المزيد شيئًا."
أدارت أوليفيا رأسها رافضةً كلامه في صمت، لكنه لاحظ. وقع نظره على الكدمات في رقبتها، وكشفت نظراته الحادة عن غضب مكبوت. مدّ يده ببطء وأزاح شعرها عن رقبتها ليتفحص العلامات بوضوح.
"ما الذي تظن نفسك فاعلاً؟!" صرخت وهي تبتعد عن لمسته.
لم يتأثر ماتياس بثورتها. بل مدّ يده نحو فكّها، رافعًا وجهها ليقابل نظراته. وبنبرة هادئة غير متوقعة، سألها:
"هل يؤلمكِ؟"
"ماذا؟ عمّ تتحدث؟" "لا تُراوغي!" ردّت متظاهرةً بعدم الفهم.
"الكدمات على رقبتكِ... هل تؤلمكِ؟"
توقفت أوليفيا للحظة، مدركةً أنها لم تعد قادرة على التهرب من الحقيقة. تذكرت السبب الحقيقي لارتدائها الفستان ذي الياقة العالية: لإخفاء الكدمات التي خلّفها خنق ديفيد لها. لكنها أجابت ببرود:
"لا، لا تؤلمني."
فجأةً، مدّ يده ولمس إحدى الكدمات، فشهقت أوليفيا بخفة من الألم، رغم محاولتها إخفاءه دون جدوى.
تحدث ماتياس بصوتٍ خافت، لكن نبرته كانت تحمل مسحة من الانزعاج:
"يبدو أنها تؤلمكِ حقًا."
سحب يده ونهض، مشيرًا إلى طاولة قريبة وُضع عليها قميص نوم حريري. قال دون أن ينظر إليها:
"إنه على الطاولة. أحضرتُ لكِ قميص نوم من غرفتكِ. ارتديه. أريد التحدث معكِ بشأن أمرٍ ما."
ثم غادر الغرفة بخطواتٍ ثابتة، تاركًا إياها تُبدّل ملابسها في صمت.
ساد الغرفة صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت خطوات أوليفيا وهي تقترب من الطاولة لتأخذ قميص النوم الحريري. لامست أصابعها القماش الناعم، وبدأت ترتديه. أخيرًا، شعرت براحةٍ، وكأن عبء اليوم قد زال عنها تدريجيًا.
لم تكد تنتهي من تغيير ملابسها حتى فُتح الباب، ودخل ماتياس حاملاً وعاءً من الماء وكمادة صغيرة. كان وجهه متوتراً بعض الشيء، وكأن عبئاً ثقيلاً يثقل كاهله. رفعت أوليفيا حاجبها باستغراب وسألت:
"لماذا أحضرت هذا؟"
تنهد ماتياس وهو يضع الوعاء على الطاولة القريبة:
"هل حقاً تحتاجين إلى السؤال عن كل شيء؟" ثم أضاف بنبرة عملية، وهو ينظر إليها:
"يبدو أنكِ انتهيتِ من تغيير ملابسكِ."
أومأت برأسها وأجابت بهدوء:
"نعم، انتهيت."
نظر إليها ملياً قبل أن يأمر:
"استلقي إذن."
حدّقت به بعيون متسعة، بدا لها طلبه غريبًا:
"ماذا؟"
كرّر طلبه، وقد نفد صبره:
"استلقي. ألم تسمعيني؟ أسرعي."
تردّدت للحظة، لكنها استسلمت لنبرته الآمرة واستلقت بهدوء على الأريكة. أخذ ماتياس الكمادة، وغمسها ببطء في الماء، ثم عصرها برفق قبل أن يضعها عليها، وكأن طاقة خفية تتدفق من أنامله. لاحظت أوليفيا الدفء الذي بدأ يملأ الغرفة، لكنها آثرت عدم السؤال. بدت على وجهه آثار انزعاج، فقررت أن الصمت هو الخيار الأمثل.
"ارفعي رأسكِ."
امتثلت دون تردد. رفعت رأسها قليلًا، فوضع الكمادة الدافئة على رقبتها. وما إن لامست بشرتها، حتى شعرت بالدفء يتغلغل عميقًا، وكأن الكمادة تحمل أكثر من مجرد حرارة. تحدث بنبرة جادة:
"هذه الكمادة ستساعد على التئام الكدمات. في الصباح، عليكِ أن تطلبي من الطبيب فحصكِ."
نظرت إليه أوليفيا بدهشة، وعقلها يسترجع ذكرياتهما المشتركة. لطالما كان ماتياس هكذا: يهتم بها، ويحترمها، حتى عندما كان وجوده في حياتها نادرًا ومحادثاتهما قصيرة. وحتى في لحظاتهما الحميمة، لم يحدث شيء قط دون موافقتها المسبقة.
نهض ماتياس من جانبها وجلس قبالتها، وعيناه الثاقبتان لم تفارقاها. ثم قال بنبرة هادئة تنم عن شيء من المرح:
"إذن... يبدو أنني أصبحت عمًا الآن."
ابتلعت أوليفيا ريقها بصعوبة، وشعرت بجفاف في حلقها. تسارع نبض قلبها، لكنها حاولت التماسك وهي تسأل:
"هل تتحدث عن ليلى الآن؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة وأجاب:
"حسنًا، يبدو كذلك. أهنئ نفسي."
رفعت حاجبها، ثم أجابت بنبرة هادئة، وإن كانت تحمل مسحة من السخرية:
"ألف مبروك لك. ألف مبروك لي أيضاً، فقد أصبحتُ عمة."
أسند رأسه على يده، مبتسماً بخبث، والتقت عيناهما للحظة، تحملان شيئاً لم يُنطق به. ثم قال بسخرية واضحة:
"لا، بل لأنكِ أصبحتِ عمة. أليس هذا يستحق الاحتفال؟"

تعليقات
إرسال تعليق