الفصل (14) ثقل الذكريات

 


دفعها فضولها وقلقها إلى الأمام. اقتربت من الباب وطرقت برفق، لكن لم يأتِ رد. ترددت للحظة، ثم دفعت الباب برفق ونادت:

"ليلى، هل أنتِ هنا؟"

كانت الغرفة غارقة في الظلام، باستثناء ضوء خافت ينبعث من مصباح بجانب سرير الطفلة. تقدمت أوليفيا بحذر نحوه، ووقع نظرها على الطفلة الصغيرة التي تبكي بلا انقطاع. بدت وجنتا الطفلة المنتفختان دليلاً على بكاء طويل.

وقفت أوليفيا أمام السرير، متجمدة في مكانها، لا تدري ماذا تفعل. مدت يدها بتردد، وأصابعها ترتجف وكأنها تخشى إزعاج هذا الكائن الرقيق. كسر صوتها الرقيق المفعم بالشفقة الصمت:

"شش، يا صغيرتي. اهدئي... أين أمك؟ لا أعرف كيف أهدئكِ... ششش."

لكن بكاء الطفلة ازداد حدة، متجاهلاً محاولاتها اليائسة. وأخيرًا، انحنت ورفعت الطفلة بحذر شديد، كما لو كانت تحمل قطعة كريستال رقيقة قد تتحطم بين يديها.

بدأ بكاء الرضيعة يهدأ وهي تستقر على صدر أوليفيا. شيئًا فشيئًا، انتظمت أنفاسها، وتوقفت دموعها، وكأنها وجدت ملاذًا مؤقتًا في حضن أوليفيا المتردد.

بينما كانت أوليفيا تُهدهد الطفلة برفق، انفتح الباب فجأة، ودخلت ليلى مسرعةً، ووجهها يعكس قلقًا وشعورًا بالذنب. تحدثت بسرعة، وصوتها يملؤه الذعر:

"سيدتي أوليفيا، أنا آسفة جدًا على التأخير! كنت أتحدث مع أخي وتركتها وحدها."

نظرت إليها أوليفيا بابتسامة خفيفة، تخفي حزنًا عميقًا لمع في عينيها.

"لا بأس. إنها هادئة الآن."

اقتربت ليلى، ومدت ذراعيها لتأخذ الطفلة. لكن أوليفيا لم تتركها على الفور، وظلت نظرتها مثبتة على الطفلة وكأنها تتمسك بلحظة هشة عابرة لا تستطيع تحمل خسارتها. قطع صوت ليلى الصمت، حازمًا ولطيفًا في آن واحد:

"سيدتي، أعطيني الطفلة."

بعد تردد قصير، سلمت أوليفيا الطفلة دون أن تنبس ببنت شفة. استدارت فجأة، بخطوات سريعة كأنها تهرب من ثقل أفكارها المكبوتة. لكن قبل أن تغادر، مدت ليلى يدها وأمسكت بمعصمها برفق، بصوتٍ خافتٍ يملؤه القلق:

"هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة جدًا. تبدين... مختلفة."

سحبت أوليفيا يدها، بنبرةٍ منخفضةٍ تكشف عن قلقها:

"أنا بخير. شكرًا لسؤالك."

ابتسمت ليلى بحرارة، كلماتها تهدف إلى تخفيف التوتر:

"هذا يُريحني. ظننتُ أن ابنتي قد أزعجتكِ. لكن كما تعلمين، يبدو أن لديكِ حنانًا تجاه الأطفال، أكثر مما كنتُ أتوقع. ربما عليكِ أن تُنجبي طفلًا."

تسمّرت أوليفيا في مكانها، وكأنّ الكلمات قد أثقلت كاهلها. وقفت للحظة، وجهها مزيج من الألم والاستسلام. ارتسمت ابتسامة باهتة حزينة على شفتيها وهي تجيب بصوتٍ بدا وكأنه يسخر من مصيرها:

"أجل... ربما عليّ فعل ذلك."

دون أن تنبس ببنت شفة، غادرت الغرفة، خطواتها مثقلة بعبء الذكريات. امتدّ الممر أمامها، لكن وجهتها بدت أبعد من أي وقت مضى. كان قلبها يدقّ بقوة في صدرها، يتردد صداه بألم حقائق لا مفرّ منها.

أغلقت أوليفيا الباب خلفها بقوة، وكأنها تحاول منع العالم الخارجي من اختراق جدران عزلتها. كانت أنفاسها تخرج متقطعة وسريعة، ويدها ترتجف وهي تشقّ طريقها إلى الزاوية المظلمة من غرفتها حيث توجد خزانة ملابس صغيرة.

فتحتها على عجل، وأخرجت منها ثلاث زجاجات من الخمر وكأسًا. وضعتها على الطاولة بإهمال قبل أن تنهار على الأرض، وكأنها فقدت القدرة على الوقوف.

بدأت تصب الشراب في الكأس، ترتشفه بسرعة، وكأنها تبحث عن عزاء في مرارته اللاذعة، متمنيةً متنفسًا من ثقل أفكارها. ارتشفت من الكأس الأول، ثم الثاني، ومع كل رشفة، كانت مشاعرها تغلي في داخلها، تحرقها كاللهب.

أطلقت ضحكة مريرة، ضحكة بدت وكأنها تحمل مرارة العالم بأسره، وقالت بصوت مخنوق:

"ها ها... ربما أستحق هذا؟ يا أوليفيا، كيف تجرؤين على قول هذه الكلمات؟"

وضعت الكأس جانبًا، وأمسكتها بكلتا يديها، محاولةً يائسةً صدّ الصور التي بدأت تغمر ذهنها. لكن الذكريات انهارت كموجة عاتية، أغرقتها بماضٍ لا مفرّ منه. وجدت نفسها تغرق في دوامة من الذكريات، تعود إلى اليوم الذي غيّر كل شيء.

كانت أوليفيا جالسةً على سريرها، تحمل طفلها بين ذراعيها. لم تكن تفعل شيئًا سوى البكاء، ودموعها تنهمر بلا هوادة، راسمةً مسارات حزينة على وجهها الشاحب. نظرت إلى القابلة التي كانت تقف بجانبها، عاجزةً عن قول أي شيء قد يخفف ألمها.

"أرجوكِ..." قالت أوليفيا بصوتٍ بالكاد يُسمع وسط شهقاتها. "لماذا طفلي باردٌ هكذا؟ لماذا لا يتنفس؟ لماذا؟"

 خفضت القابلة رأسها، عاجزةً عن النظر في عيني أوليفيا، ثم تحدثت بنبرة حزينة:

"سيدتي... للأسف، وُلد ميتًا. لا حيلة لنا. أعطيتكِ الطفل لتريه قبل دفنه. أرجوكِ، سلميه لي."

لكن أوليفيا رفعت رأسها ببطء، وملامحها جامدة وباردة كالثلج. أجابت بصوتٍ أجشّ من الصدمة:

"لا أريد. هذا طفلي... لن أدعكِ تأخذيه."

حاولت القابلة إقناعها بلطف، لكنها كانت تخاطب امرأةً في حالة إنكار، امرأةً سحقها القدر:

"سيدتي، لقد مات. عليكِ بالصبر."

ظلت أوليفيا صامتة، تحمل الطفل بين ذراعيها كما لو كان جزءًا من روحها لا يمكن انتزاعه. همست له بكلمات متقطعة:

"أمك هنا يا صغيري... سأبقى معك... سأحميك."

استغاثت القابلة، خوفًا من حال أوليفيا، بزوجها ماتياس. دخل الغرفة بهدوء، لكن عينيه الحمراوين كانتا شاهدتين على الألم الذي حاول إخفاءه. اقترب منها ومدّ يده قائلًا:

"أوليفيا، ناوليني الطفل. سآخذه لدفنه... لقد مات."

رفعت أوليفيا عينيها إليه، وقد امتلأتا بازدراء وغضب، وكأنها لا تراه إلا خائنًا. صرخت بصوت مرتعش:

"لا أصدقك... أنت أيضًا تريد دفن ابننا! إنه بخير، لا يعاني من أي شيء!"

ظل ماتياس متماسكًا، رغم الحزن الذي خيّم على وجهه. انحنى نحوها وقال بحزم:

"أوليفيا، ناوليني الطفل... الآن!"

رأت في عينيه قسوة لم تعرفها من قبل، قسوة تخفي أعماقًا من الحزن واليأس. أخيرًا، رضخت، وسلمته الطفل في صمت، وكأن تسليمه كان بمثابة تسليم جزء من قلبها.

غادر ماتياس الغرفة، يُرتب لجنازة صغيرة. لكنها لم تكن هناك. لم تستطع أن تُجبر نفسها على الحضور، فبقيت حبيسة غرفتها، تغرق في اكتئابها، تعيش كل لحظة وكأنها عالقة في دوامة ألم لا تنتهي.

عادت أوليفيا من ذكرياتها إلى قبضة الواقع القاسية. كانت الزجاجة أمامها شبه فارغة، والكأس لا يزال عالقًا في يدها. أطلقت ضحكة متعبة، ثم همست لنفسها بصوت أجش:

لا بد أن يكون لديك طفلاً... اه.. ليلى، لو كنتِ تعلمين...

واصلت تمتماتها الهذيانية، تترنح، بعد أن أفرطت في الشرب حتى استسلمت تماماً للسكر. حملت كلماتها ثقل سنوات وآلام الماضي؛ انكسر صوتها، وانهمرت دموعها بلا هوادة. همست، وهي تمسك بكأسها بقوة:

"لقد قضيت حياتي أكره تلك المرأة... لطالما قلت إنني سأكون أماً أفضل منها... لكنها لم تقتلني، أنا من قتلت طفلي!"

عضت شفتها السفلى بشدة حتى تمزقت، وتدفق الدم بغزارة وهي لا تُبالي بالألم. لامست يدها المرتعشة رقبتها، محاولةً فكّ الفستان. لهثت لالتقاط أنفاسها، تتحدث بصوت متقطع:

"آه... هذا الفستان ضيق... أحتاج إلى بعض الهواء."

ترنحت، تكافح للوقوف، بالكاد تستطيع قدماها حمل جسدها المنهك. اجتاحتها موجة من الذعر، وأصبح تنفسها أقصر و ازدادت ثقلًا، وبدأت الذكريات تُطبق عليها كالجدران، تخنقها. خرجت من غرفتها متعثرة، مُتشبثة بالجدران، يائسةً من أجل الراحة.

سارت في الممر المُظلم بخطوات ثقيلة، ثم فجأةً، انقطع نفسها تمامًا، وسقطت على أحد الأبواب. بصوت خافت مُرتجف، بدأت تطرق، وكأنها تتوسل إلى أي روح أن تُنقذها من الاختناق.

على الجانب الآخر من الباب، كان ماتياس يجلس خلف مكتبه، غارقًا في أوراقه. فجأةً، سمع صوت سقوط، أعقبه طرق خفيف، فرفع رأسه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح القلق. نادى قائلًا:

"تفضلي بالدخول."

لكن لم يأتِ رد. نهض قلقًا، واتجه نحو الباب، ففتحه ليُصدم برؤية أوليفيا متكئة عليه، وجهها شاحب، ويدها مضمومة إلى صدرها، وعيناها تلمعان بالدموع، تكافح من أجل التنفس. اتسعت عيناه في ذهول قبل أن يهرع إليها.

"أوليفيا!"




تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة