الفصل (14) - رجل متزوج
نظرت الأميرة إلى الأسفل، وتحدثت بصوتٍ خافتٍ يملؤه الحزن: "أشعر بخيبة أملٍ كبيرةٍ لرؤيتك تزداد وقاحةً، أيها الجنرال فون روديغا". تنهدت، ورفعت رأسها ببطءٍ لتلتقي عيناها بعيني الجنرال. "هل السبب هو زواجك الآن؟ ولكن لماذا لا أرى زوجتك هنا؟ لا تقل إنها هربت منك بعد أن أدركت مدى وقاحتك".
ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ، لم تكن ابتسامةً خجولةً، على وجه الأميرة أماندا، ثم تحولت تدريجيًا إلى ضحكةٍ مكتومة، وكأنها تسخر من الرجل الذي أساء إليها. لم يكن هناك أي أثرٍ للحزن الذي كانت قد أظهرته سابقًا في صوتها.
مع ذلك، ظل الرجل يُظهر تعبيرًا غير مبالٍ على وجهه، وكأنه لم يتأثر بأي سلوكٍ قامت به المرأة التي أمامه. بينما كان يراقبها وهي تسخر، علّق قائلاً: "من الجيد أنكِ أدركتِ أنني رجل متزوج الآن. لذا، أنصحكِ بالتوقف عن زيارة منزل رجل متزوج، حتى لو كان ذلك بحجة زيارة والدتي. سيساعدكِ هذا على إثبات أنكِ سيدة نبيلة ذات فضيلة." كان يعرف كيف يُسكتها.
اختفت الابتسامة من شفتي الأميرة مجدداً. بدا وجهها أكثر قتامة، لكنها سرعان ما سيطرت على مشاعرها، وتماسكت. "لماذا عليّ التوقف عن المجيء إلى هنا؟" أجابت وهي تهز كتفيها. "لم تمنعني السيدة فيونا قط من المجيء لمرافقتها. و... كما قلتُ سابقاً، لا أرى زوجتك هنا." حدّقت في الجنرال بابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها بعد أن نظرت حولها في الردهة وكأنها تبحث عن زوجة الجنرال المختفية.
انطلقت ضحكة مكتومة من شفتي كانيلاس قبل أن يُجيب الأميرة. "لا تقلقي بشأن ذلك يا أميرة. ستصل زوجتي قريبًا، فهي سيدة قصر فون روديغا، سيدة المنزل. وستكون هي من تُؤنس والدتي بصفتها كنّتها. لذا، لا داعي للقلق. أليس كذلك يا أمي؟" وجّه كانيلاس سؤالًا مفاجئًا للسيدة فيونا، التي راقبت بصمت التوتر بين الشخصين أمام عينيها، مما جعلها ترتجف من المكالمة المفاجئة.
مقارنةً بكنّتها، كانت السيدة فيونا تُكنّ للأميرة محبةً أكبر، إذ كانت تُعاملها كابنتها.
كان زوج السيدة فيونا، أليكس فون روديغا، جنرالًا قبل استشهاده في ساحة المعركة. وكان هو وشقيق الملك برام الأصغر، والد الأميرة أماندا، صديقين حميمين، وقد خدم كلاهما في جيش الملك.
وبصفته صديقًا مُقرّبًا، وبعد وفاة زوجته، كان شقيق الملك يطلب من السيدة فيونا مرارًا وتكرارًا رعاية أطفاله أثناء غيابه في ساحات المعارك.
لم يكن ذلك لعجزه عن تعيين خدمٍ ملكيين أو مربيات لرعاية أطفاله، بل قيل إنه أراد أن يتعلم أطفاله معنى الحياة البسيطة، لا أن يعيشوا حياةً زاخرةً بالمجد كما يُتباهى بها النبلاء.
لذا، في كل مرة كان شقيق الملك برام وزوجها يخدمان المملكة في ساحات المعارك، كانت السيدة فيونا، إلى جانب أطفالها، ترعى الأميرة أماندا وشقيقها الأكبر. مع مرور الوقت، نما في قلب السيدة فيونا عاطفة جياشة، خاصةً تجاه الأميرة أماندا. ظنت السيدة فيونا أن هذه العاطفة قد تكون نابعة من عدم إنجابها بنات.
لطالما تمنت أن تصبح الأميرة أماندا زوجة ابنها. إلا أن كونها وزوجها، وأبناءها، لم يكونوا من الطبقة الراقية، حال دون زواج الأميرة من ابنها.
إضافةً إلى ذلك، لاحظت السيدة فيونا، بناءً على ملاحظاتها، أن كانيلاس قد تغيّر، وكأنه لم يكن يكنّ أي عاطفة للأميرة قط. بل كان ينظر إليها بازدراء كلما ظهرت أمامه.
لم تكن السيدة فيونا تعرف أسباب هذا السلوك، فكلما سألت كانيلاس عن الأمر، كان يرفض الإجابة. كان يميل إلى ضمّ شفتيه بشدة، أو تحويل الحديث إلى موضوع آخر، أو الانصراف في صمت.
على النقيض من ذلك، لم تتردد الأميرة أماندا في إظهار مشاعرها الرومانسية تجاه الجنرال. لم يكن من الصعب على السيدة فيونا أن تدرك ذلك، إذ بدت الأميرة غير مكترثة بإخفاء مشاعرها، رغم علمها بعدم جدوى ذلك، لأن الرجل الذي تكنّ له مشاعر يجهلها.
كان الأمر أشبه بهذه المرة، عندما كانت تأتي إلى قصر فون روديغا حالما علمت بعودة الجنرال من ساحة المعركة. كانت تدخل القصر دون أدنى شك، رغم علمها بأنها ستُقابل ببرود وفظاظة من الجنرال.
كانت السيدة فيونا تعلم أيضًا أن نبأ زواج ابنها من سيدة من الأرض قد أثار حفيظة الأميرة، حتى أن الأميرة طلبت منها معارضة هذا الزواج.
ومع ذلك، ورغم معارضة السيدة فيونا الشديدة لزواج ابنها من سيدة من خارج أرتشيس، لم يكن بوسعها مخالفة مرسوم الزواج الصادر عن ملك أرتشيس نفسه.
إضافةً إلى ذلك، لاحظت أن ابنها لم يُبدِ أي استياء أو اعتراض على هذا الزواج المدبر، فتم الزواج.
وما قاله كانياس للأميرة لم يكن خاطئًا. لقد أصبح رجلاً متزوجًا الآن. ورغم غياب زوجته لتواجدها في وطنها، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أنه متزوج.
لا تزال السيدة فيونا تتذكر الحوار المتوتر بينها وبين ابنها ليلة عودته من ساحة المعركة قبل أيام. لقد حُفرت في ذهنها الطريقة التي دافع بها عن السيدة وذكّرها بأنها زوجته، مهما أبدت استياءها. وكان كافيًا أن يخبرها بأنه يُقدّر زواجه من تلك السيدة الأجنبية.
ورغم أن السيدة فيونا لا تزال لا تُكنّ أي عاطفة لكنتها، إلا أنها لم تجرؤ على استفزاز ابنها وإحباطه منها، ثم الانحياز إلى جانب السيدة. خاصةً في ظل حالته النفسية الراهنة.
إضافةً إلى ذلك، لم يكن من اللائق لسيدة ملكية كالأميرة أماندا، خاصةً وهي لا تزال عزباء، أن تزور منزل رجل متزوج بشكل متكرر.
رغم أن زيارتها كانت بحجة زيارة والدة الرجل، كما اعتادت قبل زواجه، إلا أنه كان من الأفضل لها الابتعاد عن مسكنه. بهذه الطريقة، ستخمد الشائعات التي بدأت تنتشر عنها في المجتمع والتي من شأنها أن تمس كرامتها وشرفها.
لذا، عندما طرح عليها ابنها هذا السؤال، لم يكن أمامها سوى محاولة الحياد. لكن كيف لها أن تفعل ذلك دون أن تنحاز لأحد الطرفين؟ السيدة فيونا، التي لم يسبق لها أن مرت بمثل هذا الموقف، فكرت ملياً في الرد الذي يجب أن تقدمه.

تعليقات
إرسال تعليق