الفصل (13)
كانت الرحلة إلى الكوخ طويلةً ومُرهقةً، يسودها صمتٌ خانق. لم يُسمع سوى صوت حوافر الحصان المنتظم وهز العربة برفق، تاركًا ديليا وحيدةً مع دقات قلبها المتسارعة. كل دقيقة تمر تبدو كأنها دهر، تُزيد من حدة قلقها في معدتها. جلست بلا حراك، يداها متشابكتان في حجرها، ونظرها مُثبت على المنظر المظلم العابر من النافذة. ماذا فعلت؟ بخطوةٍ جريئةٍ واحدة، حجزت لقاءً خاصًا مع الدوق، ولكن بأي ثمن؟
خاطرت بإلقاء نظرة خاطفة عليه. كان إريك يجلس مقابلها، بظهرٍ مُسترخٍ، وتعبيرٍ هادئٍ وهو ينظر من نافذته. بدا مُرتاحًا تمامًا، رجلًا يُسيطر على الموقف تمامًا. هذا زادها توترًا. لقد لعبت لعبة ذكاء وفازت بالجولة الأولى، لكنها الآن تتجه إلى أرضٍ مجهولةٍ بلا خريطةٍ ولا خطة، يقودها رجلٌ نواياه لغزٌ مُحير.
أبطأت العربة سرعتها أخيرًا، وانحرفت عن الطريق الرئيسي إلى ممر فرعي صغير خفي قبل أن تتوقف تمامًا. أطلّت ديليا من النافذة. هناك، في فسحة صغيرة، تغمرها أشعة القمر الفضية الناعمة، كان كوخ صغير جميل. بُني ببراعة من جذوع أشجار داكنة متينة، بمدفأة حجرية ونوافذ كبيرة بدت وكأنها تراقبهم بصمت. بدا المكان هادئًا، يكاد يكون رومانسيًا، ولكنه مع ذلك يثير القلق.
فكّ السائق، دون أن ينبس ببنت شفة، رباط الحصان بمهارة وقاده نحو إسطبل صغير منعزل بين الأشجار.
"يأتي إلى هنا كثيرًا"، فكّرت ديليا، وقد أدركت حقيقةً مُرّة. حركات السائق الروتينية، والطريق المُعتنى به جيدًا، ووجود هذا المكان المنعزل نفسه - كل ذلك يشير إلى استخدامه المتكرر. تبع ذلك على الفور فكرة أكثر شؤمًا، غير متوقعة وغير مرغوب فيها. "إنه يُحضر نساءه إلى هنا".
أرسلت هذه الفكرة قشعريرة لا إرادية في جسدها، قشعريرة لا علاقة لها بهواء الليل. تخيلت صفًا طويلًا من السيدات الجميلات الراغبات يُقتدن إلى هذه الكابينة، ويختفين خلف بابها المتين. هل كانت هي أحدث ضحاياه في سلسلة نزواته؟ تبددت الجرأة التي شعرت بها في الحديقة، وحل محلها خوفٌ فطريٌّ جارف.
"أحم!"
أحمم إريك، صوتٌ خافتٌ كسر الصمت وأخرج ديليا من شرودها. رفعت بصرها فرأته واقفًا عند باب العربة المفتوح، يده ممدودة لا إليها، بل نحو مدخل المقصورة.
"تفضلي يا سيدتي،" قال بصوتٍ هادئٍ ومنخفض. انحنى انحناءةً خفيفةً رسمية، لفتةٌ من فرط المجاملة بدت غريبةً تمامًا نظرًا لطبيعة موقفهما الفاضح.
رسمت ديليا ابتسامةً مصطنعة على وجهها. بدت متكلفةً وغير طبيعية، قناعًا ضعيفًا يخفي الذعر الشديد الذي كانت تشعر به. أخذت نفسًا عميقًا ونزلت من العربة، تشعر بقدميها ترتجفان. سارا الدرجات القليلة إلى الباب الأمامي، صوت حذائهما على الطريق الحصوي عالٍ بشكلٍ غير طبيعي.
دخلا المقصورة وتوقفا عند باب، ووقفا هناك للحظة، يحدقان في الخشب الداكن غير المطلي. أدار إريك رأسه قليلًا، بريقٌ مرحٌ في عينيه. "أليس كذلك؟" "هل ستفتحينها؟" سأل، ونظره ينزلق إلى المفتاح الذي لا يزال في يدها.
نظرت ديليا إلى يدها وكأنها فوجئت بوجود المفتاح هناك. أدركت فجأة عواقب قرارها. تذكرت كيف انتزعته من على المقعد، وكان كل تركيزها منصبًا على هزيمة آن، على تحقيق هذا النصر. "فعلت ذلك لأغضب آن"، فكرت بذعر، "والآن ورطت نفسي في مشكلة كبيرة".
رفعت بصرها إليه ولوّحت بالمفتاح بعصبية، وأطلقت ضحكة مكتومة أشبه بسعال مكتوم. قالت بصوت مرتعش: "بالتأكيد".
التفتت نحو الباب، ويدها ترتجف وهي تحاول إدخال طرف المفتاح الحديدي في ثقب الباب. احتكّ المفتاح بالصفيحة المعدنية لكنه لم يدخل. سحبته وحاولت مجددًا، وكان تركيزها شديدًا لدرجة أنها كادت تتنفس. لكنه لم يدخل أيضًا. بدلًا من ذلك، انزلق المفتاح من بين أصابعها المرتعشة، وسقط على الشرفة الخشبية.
مع شهقة خفيفة، انحنت والتقطته. حاولت مرة أخرى، وهي تتمتم في إحباط: "لماذا لا يدخل؟".
فجأة، غطّت يد دافئة يدها، فأوقفت حركاتها المضطربة برفق. انتفضت فزعةً من لمسته. كانت أصابع إريك ثابتة ودافئة حول أصابعها. اقترب منها أكثر، وانخفض صوته إلى نبرة منخفضة أجشّة هزّت كيانها.
قال بهدوء، أنفاسه الدافئة تلامس أذنها: "لا تقلقي كثيرًا. أعلم أنها المرة الأولى لكِ. سأحاول ألا أكون قاسيًا عليكِ."
كانت كلماته، بنبرته المثيرة حدّ السخافة، أرسلت موجة صدمة في جسدها. كان الأمر واضحًا، وقد أكّد أسوأ مخاوفها. ظنّ أنها هنا من أجل... ذلك. كان يداعبها، يتلاعب بها، ويستمتع برعبها.
أخذ المفتاح برفق من يدها المرتخية. بحركة سلسة وبسيطة، أدخله في القفل وأداره. أصدر القفل نقرة مُرضية. دفع الباب ليفتح على الداخل المظلم، ثم أشار لها بالدخول. بعد أن خطت بتردد فوق العتبة، تبعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفهما، وأدار المفتاح في القفل مرة أخرى. دوّت النقرة الأخيرة الثقيلة في المكان الضيق، وكأنها تُحكم إغلاقهما. .
كان قلب ديليا يدقّ بقوة في أذنيها. أسندت ظهرها إلى الباب، وهي تستعد لما لا مفر منه. ولكن ما إن اعتادت عيناها على الضوء الخافت المتسلل من النوافذ، حتى عجزت عن تصديق ما تراه.
لم تكن الغرفة غرفة نوم. لم يكن فيها سرير كبير فاخر ذو ملاءات حريرية. لم تكن تفوح منها رائحة عطر أو نبيذ. بل وجدت نفسها في ما يمكن وصفه فقط بأنه مكتب خاص أو غرفة دراسة.
امتدت أرفف الكتب من الجدار إلى الجدار، مكتظة بكتب مجلدة بالجلد من مختلف الأحجام. في المنتصف، كانت هناك طاولة بسيطة أنيقة، يحيط بها كرسيان مريحان. وعلى أحد الجدران، كانت هناك أريكة استرخاء طويلة ووثيرة، مثالية للقراءة. وفي الزاوية، موضوعة لتستقبل أفضل ضوء من نافذة كبيرة، كان هناك مكتب وكرسي. لم يكن المكتب فارغًا؛ بل كان مغطى بأكوام مرتبة من الكتب، ودفاتر حسابات مفتوحة، ولفائف من الرق، مع أقلام ريش ومحابر جاهزة للاستخدام.
وقفت ديليا جامدة، وفمها مفتوح قليلاً. لم يكن بوسعها سوى التحديق. كل افتراضاتها المرعبة، وكل السيناريوهات الفاضحة التي نسجتها في ذهنها، تلاشت كالغبار. همست لنفسها: "لقد اصطحبني إلى مكتبه".

تعليقات
إرسال تعليق