قيود من حرير أسود -الفصل13- أصداء الخطى الأولى
،كان قصر **كاستيلار** يغلي كمرجلٍ من الحركة الدؤوبة. لم يكن الصخب هادئاً كالمعتاد، بل كان ضجيجاً منظماً يعكس هيبة الحدث؛ رنين الفضيات التي تُصقل بعناية، حفيف ستائر الحرير التي تُعلق على الشرفات، واختلاط روائح التوابل النادرة بعبير زهور "الزنبق الإمبراطوري" التي ملأت الأروقة.
كانت الدوقة الأم تقف في منتصف الردهة الكبرى، تراقب المشهد بعينين ثاقبتين وقلبٍ يثقله شعورٌ لا يبارحها: **الذنب**. كانت تعلم أن "رينا" تستحق ميسماً ملكياً وعرساً تُعزف فيه الأبواق السبعة، لكن الواقع كان مريراً؛ فالعلاقة الهشة والظروف المحيطة جعلت من الزواج مجرد إجراءٍ سطحي، عشاءً عائلياً يتخفى وراء الجدران العالية.
لم تكن آراء العامة تؤرق مضجعها، فهي تدرك أن خبر زواج "ثيودور" المفاجئ سيهز أركان الإمبراطورية كزلزالٍ غير متوقع، وقد جهزت درعها الواقي بالفعل: **"أعمال الدوقية الملحة"**. ورغم أن العذر بدا واهياً — فمن ذا الذي يضحي بليلة العمر لأجل دفاتر الحسابات؟ — إلا أنها كانت معتادة على مواجهة القيل والقال؛ فاسم "كاستيلار" لم يكن يوماً بعيداً عن ألسنة الناس.
لكن ما كان ينهش تفكيرها حقاً هو "رينا". كيف ستواجه تلك الفتاة الرقيقة نظرات المجتمع المتعالية حين يُكشف عن خلفيتها العائلية المتواضعة؟ لذا قررت حمايتها، بجعل ظهورها تدريجياً كالشمس وراء الغمام. وزاد حنقها تصرف ابنها "ثيودور" الذي لم يكلف نفسه عناء استقبال عروسه، مرسلاً خادمه الشخصي بدلاً منه.. *"آه يا ثيودور، التعامل معك يشبه المشي على زجاج مكسور، فكيف لهذه الصبية أن تحتملك؟"*
قطع حبل أفكارها صوت خطوات وقورة؛ إنه "جون" رئيس الطهاة، و"فيوليت" رئيسة الخدم.
انحنى "جون" باحترام قائلاً:
— "سيدتي الدوقة، أبلغكِ أن المأدبة باتت في أتم الجاهزية. الأطباق المختارة بعناية، من المقبلات البحرية النادرة إلى الحلويات المشغولة بماء الذهب، تنتظر إشارتكِ."
أومأت برأسها، لتكمل "فيوليت" بلهجة عملية:
— "لقد تم تجديد أثاث الجناح الزوجي بالكامل، واستبدال الأواني بالصواني الذهبية التي أمرتِ بها. أما خزانة الدوقة المستقبيلة، فقد ملأناها بأرقى التصاميم الجاهزة من (أتيليه لوميير) لضيق الوقت، مع إرسال دعوة فورية للمصممة الخاصة لتأخذ قياسات السيدة فيما بعد."
تنهدت الدوقة بعمق وهي تلوح لهما بالانصراف:
— "عمل جيد.. انصرفا الآن. أرجو فقط.. أرجو أن يحضر المعني بالأمر.. ثيودور."
داخل العربة الفارهة التي تشق طريقها عبر الغابات المحيطة بالدوقية، ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى إيقاع حوافر الخيول. كان "سيباستيان" يراقب "رينا" من طرف خفي. لقد بهره ثباتها؛ جلستها المستقيمة، ورقيّ تعاملها الذي لا تشوبه شائبة، وقدرتها المفاجئة على صياغة العبارات بذكاء ينم عن عقل راجح.
حدث نفسه بابتسامة باهتة: *"إنها نقيض الدوق تماماً.. هو كالجبل الجليدي وهي كنسيم الربيع.. يبدو أن القصر سيشهد حروباً من نوع مختلف تماماً."*
شعرت "رينا" بنظراته، وكانت تتوق لكسر هذا الصمت الذي يخنقها، فما زالت تشعر بالخجل من هفوتها السابقة. تنحنحت بخفة وقالت بصوت خفيض:
— "سيد سيباستيان. هل الدوق دائماً هكذا؟ أقصد.. يفضل الانشغال بالعمل على الاستقبالات الرسمية؟"
ابتسم سيباستيان بدبلوماسية:
— "الدوق رجلٌ يقدس الوقت يا سيدة رينا، لكنه أيضاً يقدر الجمال والذكاء حين يراهما.. وأظن أن وصولكِ سيغير الكثير من جدول أعماله."
ردت رينا بابتسامة غير مباليه:
— "أتمنى أن نتفق."
— "سيد سيباستيان، لقد لاحظتُ أن القصر يلقب الدوق بـ 'بجليد الإمبراطورية'، هل هو حقاً بصعوبة المراس التي يُشاع عنها؟"
اعتدل سيباستيان في جلسته، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة:
— "سيدتي، الدوق ثيودور لا يحب تضييع الكلمات فيما لا يفيد، هو كالسيف؛ حاد وواضح. لكنه يمتلك ولاءً مطلقاً لمن ينتمي لعائلته. نصيحتي لكِ هي الصدق، فهو يكتشف الزيف قبل أن ينطق به صاحبه."
نظرت رينا إلى النافذة وهي تداعب طرف فستانها:
— "الصدق.. هذا سلاحي الوحيد إذن. "....
ابتسمت رينا و نظرت الى سيباستيان" حسنا ارجو الا تتضارب افكارنا "
لم يفهم سيباستيان ما ترمي اليه لذا تجاهل الامر.
بدأت المناظر تتغير؛ تلاشت الغابات الكثيفة لتظهر من بعيد أسوار "لوستيريا" العظيمة. كانت العاصمة تشرق تحت أشعة الشمس المائلة للغروب كأنها قطعة من الذهب الخالص.
دخلت العربة عبر بوابة عملاقة مزينة بمنحوتات لفرسان كاستيلار التاريخيين. شعرت رينا بالرهبة وهي ترى الحراس ينحنون للعربة بمجرد رؤية شعار "النمر والوردة" المحفور على بابها.
كانت الشوارع مرصوفة بحجر الرخام الرمادي، وعلى جانبيها مصابيح سحرية بدأت تشتعل تلقائياً بضوء بنفسجي هادئ. رأت رينا المحلات الراقية، والناس بملابسهم الفاخرة الذين كانوا يتوقفون لمشاهدة عربة الدوقية تمر بوقار.
عبروا جسراً شاهقاً يربط العاصمة بضاحية الدوقية الخاصة، حيث كان النهر يتدفق بأسفله بقوة، ليعلن انفصال عالم العامة عن عالم النخبة.
كلما اقتربت العربة، زادت الضخامة التي تتضاءل أمامها الذكريات.
سارت العربة في طريق طويل تحفه أشجار السرو العالية، وكأنها ممرٌ نحو عالم آخر. لم تكن هناك منازل قريبة، بل فقط مساحات خضراء لا نهائية تابعة للدوقية.
حين توقفت العربة أخيراً، وجدت رينا نفسها أمام القصر. لم تكن الصدمة من حجمه فقط، بل من التفاصيل؛ النوافذ التي تعكس ألوان السماء، السلالم المرمرية التي بدت وكأنها لم تُمس من قبل، والخدم الذين اصطفوا في طابورين طويلين يرتدون زياً رسمياً يوحي بأنهم جنود في جيش منظم لا مجرد خدم في منزل.
نزلت رينا من العربة، وأخذت نفساً عميقاً وهي تنظر للأعلى. قصر عائلتها في "أكوجا" كان مجرد جناح صغير مقارنة ببهو هذا القصر. أحست بضآلة حجمها في هذه الإمبراطورية الصغيرة، لكن نظرة سيباستيان المشجعة جعلتها ترفع ذقنها للأعلى، وتخطو أولى خطواتها فوق السجاد الأحمر الممتد نحو الداخل، حيث ينتظرها قدرٌ لم تتخيله يوماً.

تعليقات
إرسال تعليق