قيود من حرير أسود-الفصل (12)- موكبٌ عسكري وجمالٌ خادع
في صباح اليوم التالي، ومع أولى خيوط الفجر، وصلت رسالة مختومة بختم الدوقية الملكي إلى منزل "بيلوفا". كانت الكلمات رقيقة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها حزماً لا يلين: "عربة الدوق ستكون في انتظار الآنسة ريلينا باكراً". الرسالة تضمنت تبريراً بارداً بأن الزفاف سيكون هادئاً ومقتصراً على التوقيع بسبب "التزامات الدوق الكثيرة"، مع وعدٍ بحفل أسطوري لاحقاً يليق بمكانتها.
انتاب ريلينا شعور غريب؛ فاليوم ستطأ قدماها "قلعة كاستيلار"، واليوم ستتغير حياتها للأبد. أما بخصوص العرس، فرغم إحساسها بأن هناك شيئاً مريباً خلف هذا الاستعجال، إلا أنها شعرت براحة داخلية. كانت ريلينا تمقت الإسراف والترف المبالغ فيه، ورأت في غياب المظاهر فرصة لتبدأ حياتها الجديدة بعيداً عن صخب النبلاء المتصنع.
لكن فيكتور ومارثا لم يشاطراها هذه الطمأنينة. كانا يتبادلان نظرات القلق الصامت: "أعمال؟ أي أعمال هذه التي تحول حفل زفاف إلى ما يشبه إجراءً إدارياً بارداً؟". أحسا أن ابنتهما ستواجه "باباً حديدياً" صلداً، دوقاً يُقال إنه لا يعرف الرحمة، ومجتمعاً أرستقراطياً ينتظر سقوطهما بفارغ الصبر. أرادت مارثا أن تصرخ، أن تمسك يد ابنتها وتمنعها من الرحيل، لكن عندما نظرت إلى عيني ريلينا، رأت إصراراً جعل صراخها يختنق في حلقها.
بدأت ريلينا بحزم أغراضها ببساطة تامة: بضعة فساتين عملية، أدوات الرسم التي تعشقها، خيوط التطريز، ومجموعتها الخاصة من الكتب. لم تكن من هواة تكديس الأشياء، فلطالما آمنت بأن الإنسان يرحل بما في روحه لا بما في حقائبه.
بعد ساعات، شق صمت القرية صهيل أحصنة قوي ومدوٍ، لم يكن صهيلاً يبشر بفرح، بل كان كإعلان حرب يقرع الطبول. خرجت العائلة، لتجد أمامها موكباً يخطب الأنفاس. عربة سوداء ضخمة تفوق في حجمها أي عربة رأتها ريلينا من قبل، تقودها اربع من الخيول السوداء المطهمة، وعلى جوانبها نقوش ذهبية تلمع بهيبة مخيفة. وخلفها، اصطفت مجموعة من العربات الأخرى التي بدت وكأنها فيلق عسكري منظم.
تمتمت ريلينا في سرها: "نعم.. هذا أقرب لموكب عسكري منه لموكب عروس. هل ينوي الدوق دهسي بهذه العجلات؟ لماذا أشعر أن نية القتل تطغى على نية الزواج؟".
توقفت العربة الرئيسية، ونزل منها رجل طويل القامة، ذو ملامح ناعمة وراقية. كان يملك عينين بنيتين غائرتين تميلان للسواد، وشعراً بنياً قاتماً مرتباً بدقة، وبشرة صافية تلمع تحت ضوء الشمس. كان يبدو مثالياً، مهندماً بأسلوب يجمع بين الرقة والهيبة.
خفق قلب ريلينا، وقالت في نفسها بذهول: "هل هذا هو الدوق؟ لماذا يصفونه بالمخيف؟ إنه يبدو كأنه خرج من لوحة فنية!". التفتت إلى والدتها وهمست: "أمي.. أهذا هو الدوق؟".
وقبل أن تجيب مارثا، تقدم الرجل ونطق بصوت رخيم ومحترم: "الآنسة ريلينا، تشرفت بمعرفتكِ. لقد أرسل قصر كاستيلار هذه الهدايا تعبيراً عن امتنانا لقبولكِ بهذا الزواج".
انبهرت ريلينا بكلماتهيا إلهي، هل هذا هو الدوق؟ إنه محترم جداً! ربما كانت مخاوفي مجرد أوهام حدثت نفسها
تقدم فيكتور وقال بوقار: "شكراً لكم، لم يكن هناك داعٍ لكل هذه الهدايا".
رد الرجل بابتذال مهذب: "هذا واجبنا، في الحقيقة كنا نود جلب المزيد، لكن المساحة لم تسعفنا، نعتذر عن التقصير".
هنا، ابتسمت ريلينا وقالت بلطف: "شكراً لك حضرة الدوق، نحن ممتنون حقاً".
فجأة، ساد صمت مطبق. تجمد الرجل في مكانه، وشحب لون والديها، وحتى الخدم في الخلف تبادلوا نظرات الرعب. أحست ريلينا ببرودة تسري في المكان، وتساءلت بذعر: "هل قلت شيئاً خاطئاً؟ هل لا يجب التكلم معه قبل الزواج؟ هل هو فأل سيء؟".
تنفس الرجل الصعداء أخيراً، وقال بابتسامة مرتبكة: "احم.. سيدتي، أنا سيباستيان، مساعد الدوق الخاص. لقد طرأ أمر طارئ جداً منع الدوق من الحضور بنفسه".
في تلك اللحظة، تمنت ريلينا لو أن الأرض تنشق وتبتلعها. احمر وجهها خجلاً، وقالت بتلعثم: "أوه.. أنا.. أنا آسفة حقاً! حقيقة كونك وسيماً جداً وذو حضور راقي ومحترم.. جعلتني أظن أنك الدوق. أعتذر بشدة!".
عاد الصمت ليخيم مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مشوباً بالقلق؛ فلو سمع الدوق "الجليدي" أن من ستكون زوجته تمدح وسامة مساعده في أول لقاء، لربما كانت العواقب وخيمة. رد سيباستيان بهدوء محاولاً تدارك الموقف: "لا عليكِ سيدتي، شكراً على المديح. هل نحن مستعدون للذهاب؟".
"نعم.. ليس لدي أثاث، كل شيء جاهز".
التفت سيباستيان نحو والديها وانحنى بوقار: "حضرة الكونت والكونتيسة بيلوفا، تشرفت برؤيتكم".
استدارت ريلينا نحو أهلها. لم تكن هناك كلمات قادرة على وصف حرقة الوداع. رأت في عيني والدها خوفاً دفيناً، وفي عيني والدتها دموعاً محبوسة بصعوبة. لم تجد ريلينا سوى كلمتين لتهدئة روعهما، فاقتربت وهمست: "سأكون بخير".
ثم صعدت إلى تلك العربة السوداء الضخمة، لتبدأ رحلتها نحو المجهول، تاركةً خلفها بساطة أكوجا ودفء عائلتها، لتواجه عالماً لا يرحم الضعفاء.
صعدت ريلينا إلى العربة الملكية، وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، شعرت وكأنها دخلت عالماً آخر معزولاً عن الواقع. كان سيباستيان يجلس في المقعد المقابل لها، محافظاً على مسافة مهذبة وهدوء رصين، بينما كانت هي لا تزال تشعر بحرارة الخجل تكسو وجنتيها كلما تذكرت كيف خلطت بينه وبين الدوق.
التفتت ريلينا نحو النافذة الصغيرة، ووضعت يدها على زجاجها البارد وهي تراقب منزلها الصغير يبتعد، وأشجار أكوجا التي تعرفها غصناً غصناً تتلاشى في الأفق. همست بصوت رقيق يملؤه الشجن: "إذن.. هذا هو الوداع يا موطني. يا أكوجا، لن أنساكِ أبداً، وسأزوركِ يوماً ما حين.
هذه روايتي الخاصة الاولى كتبتها بكل شغف أرجو ان تعجبكم
أكمل هذا الفصل
ترى ماذا سوف يحدث مع رينا 🥹
ماذا تتوقعون

تعليقات
إرسال تعليق