قيود من حرير أسود- الفصل (11)- قيدٌ من أجل الوفاء
بعد أن عصفت تلك الأخبار بكل كيانه، جرّ ثيودور خطاه نحو مكتبه، ليس كدوقٍ مهاب، بل كطفلٍ تاه في غابةٍ من الفقد. لم يشعل الأضواء، بل ترك الغرفة تغرق في ظلامٍ دامس، ظلامٍ كان يراه انعكاساً دقيقاً لأيامه القادمة بدون "مارغريت".
كانت الدوقة الأم بالنسبة له هي الثابت الوحيد في عالمٍ متغير؛ كانت الأم التي لم يعرف غيرها، والأب الذي استمد منه القوة، والصديق الذي يقرأ صمته، والملجأ الذي يلوذ به من صخب السلطة. ورغم أن لسان ثيودور كان شحيحاً بكلمات المودة، إلا أنه كان يؤمن يقيناً أن جدته تدرك حجم تعلقه بها. فالحب بينهما لم يكن بحاجة لوساطة الكلمات، بل كان حقيقة بديهية كشروق الشمس؛ فإذا لم يحب ثيودور المرأة التي وهبته حياتها، فمن يحب في هذا العالم الجاف؟
لم يفكر ثيو في موضوع الزواج بحد ذاته، ولم يشغل باله بهوية العروس أو لقبها؛ فكل مغريات الدنيا ومخاوفه تضاءلت أمام فكرة انهيار عالمه برحيلها. جلس خلف مكتبه، وانحنى بجسده المرهق، واضعاً ذراعه فوق عينيه ليحبس دمعةً أبت أن تسقط، وتمتم بصوتٍ مخنوق: "نعم.. إذا كان هذا ثمن سعادتها، إذا كان هذا سيريّحها.. فليكن".
في خضم هذا الصراع الداخلي، قطع سيباستيان الصمت بطرقاتٍ خافتة: "سيدي الدوق، الطبيب ديريك بالخارح."
رفع ثيو رأسه، وبرقت عيناه ببريقٍ مخيف وسط الظلام، وقال بصوتٍ أجش: "أدخله فوراً."
دخل الطبيب ديريك، وكان العرق يتصبب من جبينه رغم برودة القصر. وقف أمام الدوق الذي كان ينظر إليه كصقرٍ جريح يبحث عن فريسة.
ثيو بحدة: "ديريك، أخبرني الحقيقة.. هل فعلاً لا يوجد علاج؟ هل جربت كل شيء؟"
أطرق الطبيب برأسه، محاولاً الحفاظ على نبرة ثابتة: "سيدي الدوق، كما شرحت لصاحبة السمو، المرض نادر جداً ومستعصٍ.. . ، والعلم يقف عاجزاً هنا."
ثيو وهو يضرب المكتب بيده: "لا أريد أعذاراً علمية! سأجلب أطباء من أطراف الأرض، سأشتري أعماراً إن لزم الأمر! كم بقي لها فعلياً؟"
ديريك بصوتٍ خافت: "عامٌ واحد بحدٍ أقصى.. وقد يكون أقل إذا تعرضت لضغطٍ نفسي أو جسدي."
خارج المكتب، كانت الدوقة مارغريت تقف خلف الباب الموصد، تتنفس الصعداء. تذكرت كيف راسلت الطبيب ديريك سراً قبل عودتها من أكوجا، وكيف توسلت إليه وأمرته في آنٍ واحد أن يحيك معها هذه المسرحية.
أما الطبيب ديريك، فكان في داخله يعيش جحيماً من نوعٍ آخر. كانت أخلاقه المهنية تصرخ رافضةً هذا التزييف، فكيف لطبيبٍ أن يختلق مرضاً؟ لكنه حين نظر إلى وجه الدوقة التي كانت له بمثابة الأم، تذكر كيف انتشلته من أزقة الفقر، وكيف مولت دراسته وآمنت بذكائه رغم كونه "عامياً". لقد كانت هي من صنعت منه رجلاً، والآن طلبت منه رداً للجميل. "سأواجه غضب الدوق، وسأخسر مهنتي، بل وربما حياتي إذا اكتشف الأمر، لكنني لن أرفض لها طلباً قد يمنحها الطمأنينة التي تنشدها"، هكذا فكر ديريك وهو يخرج من المكتب بخطىً متعثرة.
خرج ثيودور من مكتبه بخطوات ثقيلة، يجر خلفه رداء الحزن الذي ألبسه إياه خبر مرض جدته. كان الممر الطويل المؤدي إلى جناح الدوقة الأم يبدو أطول من المعتاد، وكأن الجدران نفسها تشاركه هذا الضيق. توقف أمام باب جناحها الضخم، أخذ نفساً عميقاً يحاول فيه استجماع شتات نفسه، ثم طرق الباب بهدوء.
عندما دخل، وجدها تجلس بالقرب من النافذة، تتأمل الحديقة في سكون يحمل وقار الموت الذي ادعته. لم يتقدم كثيراً، بل وقف في منتصف الغرفة، وظله يمتد طويلاً بفعل ضوء الشموع الخافت.
نظر إليها ثيو، ولأول مرة بدت ملامحه لينة، خالية من ذلك التكبر والبرود المعتاد. قال بصوت منخفض لكنه حازم:
"جدتي.. لقد فكرت في الأمر."
التفتت إليه الدوقة مارغريت ببطء، وفي عينيها بريق من الترقب الذي حاولت إخفاءه خلف قناع التعب. لم تنبس ببنت شفة، بل انتظرته ليكمل.
تابع ثيو وهو يشبك يديه خلف ظهره:
". أنا موافق. فليتم الزواج في أسرع وقت ممكن."
اتسعت ابتسامة باهتة على وجه الدوقة، وكادت أن تنطق بكلمات الشكر، لكن صوته عاد ليقسو فجأة وهو يضيف شرطه:
"لكن.. لدي شرط واحد لا نقاش فيه."
عقدت الدوقة حاجبيها قائلة: "وما هو يا بني؟"
رد ثيو ببرود عاد ليغلف نبرته:
"لن يكون هناك لا احتفالات، ولا ضجيج. لن أسمح بأن يتحول هذا الزواج إلى استعراض أمام النبلاء . سيكون مجرد توقيع رسمي على الأوراق هنا في القصر، وكفى. ستدخل هذه الفتاة القصر كزوجة، دون أي مراسم إضافية."
ساد الصمت للحظات، كانت الدوقة تزن الأمور في عقلها. كانت تريد لابنة بيلوفا استقبالاً يليق بمقامها، لكنها علمت أن الضغط على ثيو أكثر قد يؤدي لنتائج عكسية، وأن الأهم الآن هو وقوع هذا الزواج بأي ثمن.
قالت بهدوء: "إذا كان هذا ما سيجعل الأمر أهون عليك يا ثيودور، فليكن لك ما أردت. المهم عندي هو أن أرى خاتم عائلة كاستيلار في يد الفتاة التي اخترتها قبل أن يدركني الوقت."
أومأ ثيو برأسه إيماءة قصيرة، ثم استدار ليغادر وهو يقول:
"سأرتب الأمور مع سيباستيان للذهاب إلى أكوجا غداً. ارتاحي الآن ."

تعليقات
إرسال تعليق