قيود من حرير أسود-الفصل(10) ثيودور كاستيلار: نذير العاصفة




 بمجرد أن لاحت أسوار دوقية كاستيلار العظيمة في الأفق، شعرت الدوقة الأم مارغريت بمزيج متضارب من الحماس والارتباك. كانت تحمل في جعبتها أخباراً ستزلزل أركان هذا القصر الصامد، لكنها، وبخبرة السنين في دهاليز الطبقة المخملية، ارتدت قناع الجمود والثقة، وأخفت توترها خلف نظراتها الثاقبة.

توقفت العربة، واصطف الخدم في صفين متوازيين يعكسان نظاماً صارماً، يتصدرهم "سيباستيان" الذي انحنى بوقار. ترجلت الدوقة وسألت بنبرة حادة لم تخلُ من القلق: "أين ثيودور؟ هل هو بالداخل؟"

أجاب سيباستيان بهدوء: "لا يا سيدتي، لقد أرسل خبراً بأنه سيبقى في المكتب بسبب..."

قاطعته بحزم وهي تواصل سيرها نحو الداخل: "أعرف السبب، العمل! ذلك العمل الذي ينهكني ويزيد من حدة صداعي. أرسل إليه فوراً، قل له أن يأتي الآن دون نقاش، الأمر لا يحتمل الجدال."

امتثل سيباستيان للأمر رغم حيرته، فالدوقة الأم بدت مختلفة هذه المرة. "هل حدث خطأ ما أثناء غيابي؟" سألت وهي تنزع قفازيها.

تردد سيباستيان لحظة: "في الحقيقة.. وقعت حادثة صغيرة وتمت السيطرة عليها، أرجو ألا تشغلي بالكِ بها."

لكنها، وعلى غير عادتها في تقصي كل شاردة وواردة، اكتفت بهز رأسها قائلة: "لا يهم الآن، استدعِ ثيو فقط."

استغرب سيباستيان هذا التجاهل؛ فالدوقة مارغريت لا تترك تفصيلاً يمر دون تمحيص. أدرك حينها أن "موجة سوداء" على وشك أن تضرب القصر، فالتفت إلى مساعده "إدوارد" وقال بهمس: "أوصل هذه الكلمات للدوق فوراً، وأخبره أن الأمر لا يقبل التأجيل."

دخلت الدوقة مكتبها الخاص، وارتمت على أريكتها الوثيرة، وغاصت في دوامة من الأفكار. كيف سيستقبل ثيو هذا الخبر؟ هي تعلم أن حفيدها صلب كالفولاذ، لكنها عزمت على ألا تتراجع، حتى لو اضطرها الأمر لقطع صلتها به تماماً حتى يذعن.

بعد فترة، وصلت سيارة الدوق. ترجل ثيودور ووجهه يفيض بالانزعاج؛ فهو الرجل الذي يقدس جداول أعماله ولا يسمح لأي كائن، حتى لو كانت جدته، بكسر روتين عمله.

"أين هي؟" سأل سيباستيان باقتضاب.

"في مكتبها، تنتظرك  ."

طرق ثيو الباب، ودخل ببروده المعتاد الذي يشبه صقيع الشتاء. استقبلته الجدة بنبرة رسمية غريبة: "فلتتقدم.. ثيودور كاستيلار."

تجمدت ملامح ثيو قليلاً؛ فقد تعلم منذ نعومة أظفاره أن نطق جدته لاسمه الكامل ليس علامة خير أبداً. إنه نذير بخبر صادم، أو محاولة لإرغامه على أمر يرفضه بشدة.

قال محاولاً تلطيف الأجواء ببرود: "حضرة الدوقة، كيف حالكِ؟ لقد فوجئت بذهابكِ المفاجئ إلى أكوجا."

عقدت مارغريت حاجبيها وردت بحدة: "حضرة الدوقة ... جدتي.. كم يلزمك من الوقت لتحفظ هذا الدرس؟ رغم براعتك في إدارة الدوقية، هل يصعب عليك حفظ لقب الجدة؟"

نظر إليها ثيو باستقامة، وكأنه استمع لهذه "السمفونية" مئات المرات من قبل، منتظراً الضربة القاضية.

وبالفعل، لم تتأخر الضربة. قالتها بكلمة واحدة هزت أركان الغرفة: **"ستتزوج."**

ساد صمت مهيب، ثقيل لدرجة أنه كاد يُسمع فيه نبض القلوب. حاول ثيو مقاطعتها: "أنتِ تعلمين رأيي في هذا المـ..."

لكنها صرخت بحزم لم يعهده منها: "ستتزوج! لا جدال في هذا يا ثيودور كاستيلار! لقد وجدت لك الزوجة المناسبة."

سخر ثيو بمرارة وهو يجلس ببرود: "وهل جلبتِ لي زوجة من  قرية ريفية؟ لماذا قد أقبل بهذا العبث؟"

أجابته بنبرة حملت وزناً تاريخياً: "إنها ابنة أرستقراطية سابقة.. ابنة عائلة بيلوفا."

ضحك ثيو بسخرية لاذعة: "حسناً، أظنني كنت سأقبل بعامية  على أن أقبل بـ 'أرستقراطية ساقطة' وابنة رجل وُسم بالخيانة للإمبراطورية!  هل تحاولين إغراقي في وحل عائلة مطرودة؟"

ردت بقوة: "أنا لا أحاول إغراقك، بل أنقذك من الغرق في عملك وعزلتك."

نهض ثيو بحدة وقال: "لدي عمل كثير، أظن أن هذا الحديث انتهى اليوم وإلى الأبد."

وبينما أدار ظهره قاصداً الخروج، نطقت الكلمة التي شلت حركته تماماً: **"أنا أموت."**

توقف ثيودور في مكانه وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميه. شعر بكلماتها تنزلق في أذنيه كالسُم، ترفض عواطفه تصديقها.

كررتها بصوت متهدج: "أنا أموت يا ثيودور."

تأكد ثيو الآن أن نطق اسمه الكامل اليوم كان نذيراً بمصيبة حقيقية. أكملت: "منذ مدة، أخبرني طبيب الدوقية أنني مصابة بمرض نادر في الدم، لا علاج له.. إنه يقتل ببطء."

**"سيباستيان!!!"**

دوى صوت ثيودور في القصر بصرخة كادت تهدم الجدران. هرع سيباستيان مذعوراً، ليجده ثيو يصيح بجنون: "استدعِ الطبيب ديريك الآن! فوراً!"

قالت الدوقة بيأس مصطنع أتقنته تماماً: "قلت لك ليس له دواء."

رد ثيو بلهفة وغضب: "سنجوب الإمبراطورية، بل سنخرج خارج حدودها، سأحضر لكِ أعظم الأطباء!"

قالت الدوقة وهي تتصنع الضعف: "لن أرى أحداً غيره، لقد رضيت بقدري. والآن، إن كنت لا تريد أن تراني ميتة قبل الأوان، فلتنفذ رغبتي. أريد أن أراك متزوجاً، أريد أن أؤمّن عليك وعلى مستقبلك. الطبيب قال إن أمامي عاماً واحداً.. أو أقل."

تنهد ثيودور، ولأول مرة انكسر بروده وظهرت ملامح الانكسار على وجهه: "منذ متى علمتِ؟"

"منذ شهر تقريباً."

"ولماذا لم تخبريني يا جدتي؟" سأل بصوت خافت مليء بالألم.

في تلك اللحظة، شعرت الدوقة بطعنة حقيقية في قلبها؛ لم تكن تتوقع أن ترى هذا القدر من الوجع في عيني حفيدها "الجليدي". شعرت بذنب عظيم لتمثيلها عليه، لكنها في ذات الوقت شعرت بالرضى؛ لأنها أدركت أن خلف ذاك الجمود نفساً تحبها بصدق، وهذا الحب هو ما سيجبره على قبول رينا.

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة