الفصل (9) سوء حظي هو أنني أحببتك - The Misfortune of Loving You,

 


## **الفصل التاسع**

صندوق صغير عريض، مزين بنقوش هندسية معقدة، كانت تصطف بداخله سيجار فاخرة.

تناول "روان" سيجاراً غير مشتعل ووضعه في فمه، ثم التقط إحدى الدعوات المتناثرة على مكتبه وقربها من لهب الشمعة. وعندما اشتعل طرف الورقة، قربها من شفتيه لينفخ فيها، ثم ضغطها على سيجاره واستنشق بعمق. انبعث الدخان من السيجار المشتعل بوهج أحمر.

مع زفير طويل، ألقى ببقايا الورقة في المدفأة، ولم يكن مصير بقية الدعوات بأفضل حال. كان النبلاء الذين يرسلونها يعتقدون بوضوح أنه مجرد عامي طموح، أعماه بريق المسار المهني، وسيهز ذيله فرحاً عند تلقي دعوة منهم. لكن روان لم تكن لديه أي نية لدخول ذلك العالم البراق والممل؛ لولا إلحاح الأدميرال، لما ألقى بالاً لكل هذا حتى يعود إلى "بلوا"، إلى مقر القيادة البحرية. فطموحاته كانت تكمن في مكان آخر تماماً.

«....»

طقطقت النيران في المدفأة وهي تلتهم الدعوات. راقب روان المشهد ببرود، ثم نقل ساقيه الطويلتين نحو الشرفة. في الخارج، صدمه هواء ليل الربيع الباكر ببرودته، ولامس النسيم أنفه حاملاً عطر الزهور الفواح.

لم يتذكر متى كانت آخر مرة زار فيها العاصمة، لكن من بقي في القصر يبدو أنهم عملوا بجد للعناية بالعقار المهجور، تماماً كما فعل البستانيون الذين لا بد أنهم حرثوا الأرض وزرعوا الزهور بجدية. كانت حديقة قصر "بارتيز" على وجه الخصوص تمتاز بجاذبية فريدة وغريبة، حيث اعتنى بها بستاني من بلد آخر؛ لدرجة أن كل سيدة حاولت التودد إليه كانت تختلق الأعذار لرؤية الحديقة.

ومع ذلك، كان روان، صاحب المكان، يولي ظهره لها، متكئاً بزاوية على سياج الشرفة، وكأن ذلك لم يكن كافياً، فأخذ نفساً طويلاً من سيجاره اللاذع ليغسل به رائحة الزهور الرقيقة. ففي النهاية، كان الوقت منتصف الليل، ولم يكن يمتلك ذلك الذوق النبيل لتقدير الزهور.

«هااا...»

تنهيدة ضحلة وخيط من الدخان الأبيض هربا من شفتيه. لم تكن هناك أي عاطفة في نظراته التي ألقاها عشوائياً في الظلام.

'أتساءل لماذا.'

لطالما حلم بنهاية عائلة "إيبرن"، متخيلاً كيف ستكون نهايتهم، وكيف سينظر إليهم من الأعلى. ولكن لماذا لم يكن الأمر مرضياً كما اعتقد، رغم أنه ركض بعيداً جداً من أجل هذه اللحظة؟ هل لأن هذا الانتقام لم يحققه بيده؟ أم لأنه فقط دفع الكونت إلى جحيم من صنعه؟

لم يكن يهمه حقاً كيف سقطت إيبرن؛ كان ممتناً لأنها دمرت نفسها دون أن يلوث يديه. كما أنه لم يؤمن بتلك الفكرة السطحية التي تقول إن الانتقام لا يؤدي إلى شيء في النهاية؛ فالاِنتقام كان هدفه الوحيد. إذاً، من أين يأتي هذا الفراغ الذي لم يمتلئ بعد؟

'هناك شيء مفقود.'

نعم، كان هناك شيء ناقص. عطش داخلي لن يرتوي بمجرد إخضاع إيبرن. المشكلة هي أنه لم يعرف ما هو؛ كمن ينظر إلى أسفل منحدر عبر ضباب كثيف، لم يستطع رؤية ما يكمن في القاع.

أمال روان رأسه للخلف بشرود بينما بدأ القلق يتلاشى. في تلك اللحظة، لاحظ القمر في سماء الليل؛ هلال نحيل كرمش العين، يتوهج بضعف مؤكداً وجوده، بينما تراقصت الزهور الداكنة في النسيم تحت ضوء القمر الخافت. كانت ليلة هادئة وجميلة، لكن جبين روان التوى كمن يرى أشياء لا يراها غيره.

لقد كره كل شيء في السماء؛ الشمس، القمر، النجوم، كل شيء. أحياناً كان يكره السماء حتى عندما تتلون بغروب الشمس. والسبب بسيط: إنها تذكره بـ "ديلنيا إيبرن". كم كان يكره اضطراره لتفقد سماء الليل ليجد طريقه عبر البحر المظلم.

ومع ذلك، وبمرور الوقت، تضاءل حضورها في ذهنه. ربما كان لقاؤهما مجدداً هو السبب، لكنها مؤخراً بدأت تغزو عقله الباطن بشكل متكرر، ولم تعد مجرد صورة ضبابية من طفولته.

«سحقاً...»

شتم بصوت عالٍ، محاولاً نفض هذا الشعور المزعج الذي بدأت وتيرته تتصاعد.

قطعت أفكاره أصوات خطوات عاجلة في الخارج. دفعه حدس مخيف للعودة إلى غرفته، وبينما كان يطفئ سيجاره في المنفضة، طُرق الباب.

«أيها الرائد، أنا ميلان، أحد الجنود يريد رؤيتك لأمر عاجل.»

لم يجب روان، بل فتح الباب بعنف. الجندي الذي تبع رئيس الخدم ألقى التحية فور رؤيته.

«ماذا يحدث؟»

تراجع رئيس الخدم الذكي خطوة للوراء، بينما تحدث الجندي الذي اقترب من روان بصوت منخفض: «الكونت إيبرن يبحث عنك، أيها الرائد.»

ارتفع حاجبا روان عند سماع الخبر غير المتوقع. لم يستطع تخيل أي شأن قد يحتاجه الكونت فيه، خاصة في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل.

«سأذهب فوراً.»

قبل روان الدعوة المريبة بترحيب. قاطعه رئيس الخدم: «هل أجهز الخيول؟»

«من فضلك.»

تفرق رئيس الخدم والجندي، بينما قام روان بتغيير ملابسه بسرعة وغادر القصر أيضاً. كانت الطرق مهجورة في ظلام الليل، فحث حصانه على العدو السريع. عند وصوله إلى القصر الذي سُجنت فيه عائلة إيبرن، سلم العنان لجندي منتظر وتوجه مباشرة للداخل.

«أيها الرائد.»

رآه الجندي الواقف للحراسة وألقى التحية قبل أن يفتح له الباب. خطا روان بخطى واسعة داخل الغرفة. رغم وجوده، كان الكونت إيبرن يجلس منكمشاً على كرسي متهالك كجثة هامدة؛ شعره المشعث ووضعيته المنهارة عكسا حالته الذهنية. صرف روان الجنود بإشارة من يده، واخترق صوت إغلاق الباب صمت الغرفة.

«لقد طلبتني.»

كسر روان الصمت أولاً، فالتفت الكونت أخيراً برأسه بكسل. التوى فم روان بابتسامة ساخرة ومريرة عند رؤية عينيه الغائمتين والفاقدتين للحياة.

«هل تشعر بالرغبة في التوسل من أجل حياتك الآن، أم أن لديك استياءً تود تفريغه؟»

سيكون روان سعيداً في كلتا الحالتين؛ ستكون متعة خاصة أن يشاهد توسل الكونت البائس وهو يزحف على الأرض. لهذا السبب جاء بسرعة كبيرة.

لكن عيني الكونت ضاقتا ببطء، ولم تكن ردة فعله كما تمناها روان.

«حسناً... لا أدري. ما أردت التحقق منه هو...»

«ماذا؟»

تمتم الكونت بشيء غير مفهوم، وعيناه مسمرتان على روان، وسرعان ما تحولت تسلية روان إلى انزعاج بسبب تلك النظرة الطويلة.

«أنت... تشبه كلوي.»

**كلوي.**

تصلب وجه روان فوراً عند سماع هذا الاسم المألوف.

«الآن... كيف تجرؤ على نطق اسم والدتي بفمك القذر؟»

لم ينكر الكونت ذلك، وظلت تعابير وجهه كما هي. وحده روان هو من تملكه غضب لا يمكن السيطرة عليه. حتى الآن، لم يستطع نسيان أي منهما.

الهزة العنيفة التي أيقظته في الليل، وجه والدته المرعب، والقبضة القوية على كتفه التي تركت كدمات.

«روان. ابقَ هنا واختبئ مع لينا. مهما حدث، لا تخرجا. هل تفهم؟»

أومأ روان برأسه، غير مدرك لما يجري وهو يقف أمام والدته.

«اعتنِ بلينا.»

مع تلك الكلمات الأخيرة، انغلق باب الخزانة بعنف أمام عينيه. شعر روان وكأنه لا يزال يحلم، رغم أن السحابة السوداء قد ولت منذ زمن طويل؛ كابوس سيء للغاية.

اندفع الخوف الغريزي بداخله، غير مدرك لما يحدث. شعر بالرغبة في البكاء، لكن كان عليه كبته؛ فكان من الأكثر إلحاحاً تهدئة شقيقته المنتحبة.

«لا بأس يا لينا.»

همس بتلك الكذبة غير المألوفة وجذبها إلى حضنه. لم يدرك كم من الوقت ظل حابساً أنفاسه عندما اندلعت جلبة في الخارج فجأة، وصرخة من صوت مألوف. جذب روان شقيقته بقوة أكبر، مغطياً أذنيها بيديه.

«أنا أتوسل إليك، إيفان. أرجوك لا تؤذِ الأطفال...»

«لم يكن يجب أن تتخلي عني في المقام الأول، يا كلوي.»

«أوه، أرجوك...»

كانت تنتحب، تتوسل لشخص ما، وكانت هناك بضع كلمات أخرى بعد ذلك، لكنه لم يستطع سماعها لأن دقات قلبه كانت صاخبة جداً.

«خذوها بعيداً.»

فجأة، توقف صوت والدته تماماً. كل ما كان يسمعه هو صوت غير مألوف. غرق جسده بالكامل في عرق بارد؛ كان خائفاً لدرجة أنه لم يستطع الحراك. لكن شقيقته الصغيرة، التي كانت تبلغ من العمر ست سنوات فقط، كانت أصغر من أن تعرف معنى الخوف.

«أوه، أمي...»

ارتاع لدرجة أنه غطى فم شقيقته الصغيرة وجذبها إليه بقوة. كافحت لينا للإفلات منه بوجه متألم، فشد روان قبضته أكثر، وضاقتا عيناه. لكن رغم جهوده لالتزام الصمت، كانت خطوات الأقدام تقترب أكثر فأكثر نحوهما.

**

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة