الفصل (83) Garden of may_حديقة مايو,



## رواية: حديقة مايو (Garden of May)

### الفصل 83: ثمن الحماية وحرب العقول

"تلك الفتاة كادت ألا تعود إلى (سانت لويس) أبداً. وكان مقدراً لها أن تفوتها حفلة التخرج والـجولة الكبرى".

في ذلك اليوم، وبعد نظرة غاضبة وطويلة وصامتة وجهتها الماركيزة نحوها وهي تجلس في مكتب مدير المدرسة، نهضت أخيراً وغادرت. في ذلك الوقت، ظنت فانيسا أن بلير وروزالين سيتظاهران بعدم معرفتها مطلقاً مع بداية الفصل الدراسي الجديد. ولكن عندما بدأ الفصل، شعرت بارتياح عارم وهي بين ذراعي روزالين التي احتضنتها بابتسامة دافئة. غير أن اكتشافها الآن بأن روزالين قد عانت من تلك الإهانة والحبست بسببها خلال العطلة... جعل عيني فانيسا الرماديتين ترتجفان من أثر الصدمة والذهول.

تابع بلير بنبرة مثقلة بالمرارة: "لم يكن أمامي خيار آخر سوى قبول خطبتي من (سيسيلي) لرفع الحبس عن روزالين... ومن أجل حمايتكِ أنتِ أيضاً؛ فقد كانت والدتي قد أرسلت بالفعل رسالة شديدة اللهجة إلى مدير المدرسة تطالب فيها بطردكِ نهائياً".

حدقت فانيسا في بلير بذهول وحيرة عارمة. كانت تعلم أن خطبته المفاجئة من سيسيلي بدت غريبة في حينها، لكنها لم تكن تتخيل أبداً أن مثل هذه التضحيات والظروف القاسية كانت تقبع خلفها. وبدا الأمر الآن منطقياً بشكل عجيب؛ فمنذ أن كانوا صغاراً جداً، كانت سيسيلي تمازح بلير بإلحاح بشأن الزواج، معلنة أنها ستعيش وحيدة طوال حياتها إن لم تتزوجه، ومؤكدة أن ثلاثتهم لن يكتملوا أبداً دون بعضهم البعض.

وتذكرت فانيسا بوضوح كيف تحولت نظرات سيسيلي الـمازحة تدريجياً و بثبات إلى صدق تام وعاطفة حقيقية. كما تذكرت ذلك الارتياح السري الذي شعرت به في قلبها عندما سمعت نبأ خطبتهما؛ فما دام تركيز بلير قد انصرف عنها، فلن تظل الماركيزة متوجسة منها...

وكما توقعت فانيسا تماماً، فبعد إعلان خطبة بلير، تركتهم الماركيزة وشأنهم، ولم تعد تبالي بما يفعلونه أو بمدى قربهم من بعضهم. بل إنها أخذت ترسل إلى فانيسا هدايا بين الحين والآخر، وكأنها تذكرت أخيراً، بعد كل هذا الوقت، أنها ابنة صديقتها الراحلة.

"بلير، أنا..." وتملّك فانيسا شعور عارم بالذنب والأسف، وبدأت تتحدث، لكن بلير ضاعف من ضغطه على معصمها برفق وكأنه يطالبها بالصمت. وبدا وجهه المتصلب بتعابير تجمع بين الألم ومحاولة الابتسام غريباً وغير مألوف لها على الإطلاق.

وتمتم بنبرة خافتة: "كنتُ أنوي إخفاء هذا السر عنكِ وعن روزالين حتى مماتي".

"...."

"لو لم تكن الأمور هكذا يا فانيسا..."

اقترب برأسه نحوها للحظة عابرة، مشفقاً على حالها ومثقلاً بمشاعره المكتومة، وعندما تراجع أخيراً، بدا نَفَسه مضطرباً ومتهدجاً. نظر إلى فانيسا التي كانت على وشك الانفجار بالبكاء، ثم أفلت معصميها بصمت واستدار عنها مغادراً. تراجعت خطواته الموزونة بريتم ثابت، وتلاها صوت إغلاق الباب خلفه. أما فانيسا، التي كانت بالكاد تسند جسدها على الحائط، فقد تخلت عنها قواها وسقطت ببطء لتجلس على الأرض، وشعرت وكأن كل شيء حولها قد أظلم تماماً.

"مَن كان ليتوقع هذا؟" كانت الأجواء تقترب من ساعات الصباح الأولى قبل الفجر. ومع كل خطوة يخطوها، كانت الأتربة الجافة تتساقط من حذاء بلير، وهي بقايا جولته وسط أكوام التربة التي حُفرت حديثاً لزراعة شجيرات الورد الجديدة. تفقد بلير الأرجاء الخافتة للمقصورة الخشبية ببرود مصطنع وتابع تهكمه: "أن نجد الدوق، الذي يبحث عنه ملك (إنغرام) بكل قوته واستماتة، منزوياً في مثل هذا المكان... الضيق والوضيع".

كان المشهد داخل الكوخ يبدو شاعرياً للغاية؛ نافذة مفتوحة تحيط بها أحواض زهور متراصة، طاولة خشبية صغيرة تحفها بضعة كراسي، وموقد صغير متنقل يغلي فوقه إبريق الشاي ببخار دافئ... كانت تفاصيل الغرفة تتناقض تماماً مع وصف بلير الفج لها بأنها "وضيعة وضائعة". كانت حديقة الصيف تضج بالورود النابضة بالحياة بالخارج، والسرير الذي يظهر من خلف الستار المتموج يبدو مريحاً. و أحزن هذا المشهد بلير وزاد من غيرته وغضبه، متخيلاً كم كانت الأوقات بينهما مشتركة ودافئة في هذا المكان المنعزل.

وقعت نظرات بلير على شريط قماشي تلطخ ببعض بقع العشب الأخضر، كان يستقر فوق الطاولة المجاورة للسرير. أظلمت عيناه لثوانٍ، قبل أن يستعيد هدوءه المصطنع ويلتفت عائداً، محافظاً على تعابير وجهه المحايدة بجهد كبير.

وتابع كلماته اللاذعة كأنه عاجز عن تحمل لحظة صمت واحدة، وبدت عليه معالم التحفز والعدائية: "لقد تناهت إلى مسامعي شائعات كثيرة عن... أطواركِ الغريبة وتصرفاتك غير المألوفة".

تأمل «ثيودور» هذا الضيف غير المدعو بعينين هادئتين وراسختين. إن ذلك الشاب المهذب واللطيف الذي قاده ماركيز «وينشستر» قبل بضعة مواسم فحسب لتقديم التحية والاحترام، قد اختفى تماماً دون ترك أي أثر، ليحل محله هذا الكائن المتهكم الذي يشتعل عداءً كحيوان بري تم اقتحام منطقته ونفوذه. وبدا المشهد مثيراً للسخرية في نظر ثيودور؛ فالكلاب التي تنبح نادراً ما تعض، ولو كان بلير يملك القوة الفعلية لمواجهته وإلحاق الأذى به لما أضاع وقته هنا في الحديث العقيم.

ألقى ثيودور نظرة خاطفة على ساعة معصمه، ثم وضع سيجارة بين شفتين وأشعلها ببرود، مستنشقاً دخانها بعمق، ثم ضيق عينيه الزرقاوين الساطعتين؛ وخرج الدخان من بين شفتيه كأنه زفير عميق ومثقل بالتحدي واللامبالاة وقال:

"إذن... بالتأكيد أنتَ لم تأتِ إلى هنا في هذه الساعة المتأخرة والغير مألوفة من الليل بمجرد التأكد من صحة أطواري الغريبة وتصرفاتي".

Sweetnoveltime 

تعليقات

"ركن الحكايات.. حيث تذوب القلوب بين السطور

قائمة الاعمال المترجمة

The duke's bed warmer

-الفصل (1)- صحوة النظام

المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي

الفصل (1) ثمن الابنة