الفصل (82) Garden of may_حديقة مايو,
### الفصل 82: جدار الشكوك وشبح الماضي
قبض بلير أصابعه ببطء محولاً يده إلى قبضة محكمة، بينما أفلتت من بين شفتيه ضحكة خافتة وجافة. وتصلبت تعابير وجهه المثقلة بالخيبة، وبدا وكأنه يتحطم إلى أجزاء من الداخل.
تمتم وعيناه الزمرديتان الداكنتان تلمعان بريب غريب في الضوء الخافت: "فانيسا البريئة... أنتِ لا تملكين أدنى فكرة عن الكيفية التي ينظر بها رجال هذا المجتمع إليكِ، ولا تدركين مدى ضعفكِ وقلة حيلتكِ أمامهم".
وكيف لها ألا تعرف؟ لقد كانت تلمح نظرات الارتسام والذهول على وجوههم عندما يرمقونها، قبل أن يصطبغوا بالخجل ويشيحوا بنظراتهم بعيداً. كانت تلك النظرات تحيط بها كحصار خانق، محاولين في مخيلتهم نسج قصص وأوهام لا أساس لها من الصحة حول طبيعتها ونقاء سريرتها.
وكانت الصالونات المخملية تضج بهمس الشائعات الظالمة؛ حيث راحوا يتهامسون بأن فتاة تعيش في مثل ظروفها ومحيطها لا يمكن أن تحافظ على براءتها، وأنها لا بد وأنها فقدت نقاءها منذ زمن بعيد جراء نشأتها بين رجال عائلتها، وبالتالي لن تكون أبداً الزوجة الفاضلة والمثالية التي تبحث عنها العائلات المرموقة ذات الحسب والنسب.
ولهذا السبب تحديداً كان القلق يمزق أحشاء فانيسا؛ فبلير، صديق طفولتها المقرب الذي كان يفهمها أكثر من أي شخص آخر، تبدل الآن تماماً، وبات ينظر إليها بنظرات غريبة تماثل نظرات البقية المليئة بالشك والاندفاع.
تعثرت فانيسا بخطواتها إلى الوراء وهي تحاول التراجع قائلة بنبرة متوسلة: "انتظر يا بلير... لا تفعل هذا..."، لكن بلير استمر في التقدم نحوها، مقلصاً المسافة بينهما مع كل خطوة تتراجع فيها، حتى اصطدم ظهرها في النهاية بالحائط الصلب.
وفي اللحظة التي أدركت فيها أن مسارات الهرب قد أُغلقت أمامها تماماً، مد بلير ذراعيه ببطء ليحاصرها بين جسده والحائط. وبسبب الضوء الخافت المنبعث من خلفه، حجبت الظلال ملامح وجهه تماماً، فصار من المستحيل عليها قراءة تعابيره؛ ذلك الوجه الذي ظنت يوماً أنها تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
كان اندفاعه حاداً وقوياً، ورغم أنه لم يكن جندياً متمرساً كـ «ريفر روس» ولا يزال يفتقر إلى بعض الرصانة بسبب حداثة سنه، إلا أنه كان أضخم منها بكثير وأقوى بنية. وعرفت فانيسا جيداً ما قد تؤول إليه هذه المواجهة إن لم تدافع عن نفسها.
جمعت قبضتيها بكل ما أوتيت من عزم محاولةً دفعه والابتعاد عنه، لكنه كان أسرع منها؛ إذ قبض على معصميها وثبتهما بإحكام ضد الحائط، فكتمت صرخة ألم في حلقها. يبدو أن هذا المندفع لم يدرك بعد مدى القوة الجسدية التي بات يمتلكها، وظن واهماً أنه لا يزال قادراً على التعامل معها بخشونة وبساطة كما كانوا يفعلون في أيام طفولتهم، وشعرت فانيسا بوخز حاد في معصميها من أثر قبضته.
وقالت بنبرة حازمة: "لا تتصرف بهذه الطريقة !"
فرد عليها بنبرة غامضة: "وكيف لكِ أن تخمني ما أنوي القيام به؟" ثم أردف بسؤال مباشر يحمل غضباً مكتوماً: "هل تخلصتِ من قيودكِ وذهبتِ معه إلى أبعد مدى؟" الى اين وصلتما؟
عندما اعتادت عيناها على العتمة المحيطة بهما، تمكنت أخيراً من تبين ملامح وجهه؛ كانت ملامح موحشة، خالية تماماً من أي أثر للمرح أو الدعابة التي اعتادت عليها منه، ليحل محل الصديق القديم شخص غريب لا تعرفه.
وانعكست في عمق عينيه الزمرديتين المضطربتين صورتها كامرأة تملكها الخوف؛ ورغم أنها حاولت المقاومة والتحرك للإفلات منه، إلا أنه لم يتزحزح قيد أنملة. حدقت فانيسا فيه وعيناها متسعتان من أثر الصدمة:
"بلير، أرجوك... لا يمكنك فعل هذا بنا..."
"ولماذا لا أستطيع؟"
"لأننا... أصدقاء..."
أطلق ضحكة جافة وساخرة، ثم خفض رأسه قليلاً مقترباً من وجهها، فشعرت بأنفاسه المضطربة تقترب منها. ولم تعد فانيسا قادرة على تحمل هذا الموقف العصيب، فأغلقت عينيها بإحكام وضغطت على شفتيها بقوة ممتنعة عن مواصلة الحديث معه، وارتسم الشحوب على وجهها من فرط الضغط النفسي.
أثارت مقاومتها اليائسة والضعيفة ضحكة مكتومة من بلير؛ فقد بدت له ضعيفة للغاية، وكأنها تتصرف بهذا العناد لاعتقادها في أعماق قلبها بأنه لن يتمادى في ترويعها، ظناً منها أن الصمت وإغلاق عينيها يشكل دفاعاً حقيقياً في وجه ثورته.
أخذ يتأمل رموشها المرتجفة في صمت لبرهة، ثم تحدث فجأة بنبرة متهدجة وكأنه تذكر أمراً هاماً: "والدتي تعتقد وتؤمن تماماً بأن براءتكِ قد سُلبت منكِ بالفعل داخل أسوار قصر عمكِ".
اتسعت عينا فانيسا وبدأت ترمش بتسارع وصدمة: "…… هل حقاً تفوهت الماركيزة بمثل هذا الكلام الرهيب عني؟"
أجابها بلير بمرارة: "الشائعات القديمة التي كانت تحوم حول عمكِ وطبيعة حياته كانت مرعبة وشنيعة للغاية كما تعلمين. وتلك الحادثة القديمة وحدها... جعلت والدتي تشعر بالذعر الشديد على سمعتنا، بينما استشاطت (روزالين) غضباً وأمضت العطلة الصيفية بأكملها حبيسة غرفتها ترفض الخروج".
رمشت فانيسا بسرعة وهي تحاول استجماع ذكرياتها؛ وتذكرت على الفور تلك العطلة الصيفية الثانية لهما في أرض (سانت لويس)، عندما كانت الرسائل التي ترسلها إلى صديقتها روزالين تعود إليها واحدة تلو الأخرى دون أن تفتح. في ذلك الوقت، ظنت فانيسا أنها أخطأت في كتابة العنوان، أو أن ساعي البريد كان يمزح معها مزحة ثقيلة وقاسية.
وظلت غافلة عن الحقيقة... حتى جاء ذلك اليوم الذي قامت فيه ماركيزة «وينشستر» بنفسها بإلقاء حزمة الرسائل المرتجعة كاملة فوق حجرتها دون مبالاة بمشاعرها.
Sweetnoveltime

تعليقات
إرسال تعليق