الفصل (82) DeceivedYet Drawn to You,
## 📖 رواية خُدعت، لكنني انجذبت إليك - الفصل الثاني والثمانون: عاصفة تحت معطف الحداد
إذن، الدوقة إيزابيل تجاوزت الخطوط الحمراء. ولكن كيف فعلت ذلك تحديداً؟ استطاع إدموند أن يخمن الإجابة دون أن يسمعها، لكنه كان بحاجة إلى تأكيد قاطع من والده الذي يحتضر.
سأله إدموند ببرود: "المرأة التي رأيتها كانت تحترم زوجها وتخشاه وكأنه السماء نفسها. كيف لشخص مثلها أن يجرؤ على تحدي سلطتك؟"
لم يجب دوق "ليبرت"؛ كانت أصابعه جافة وذابلة كأغصان الأشجار الميتة، وتكافح بارتعاش لالتقاط الأنفاس. بدا وهج حياته هشاً وضعيفاً للغاية، وكأنه قد ينطفئ مع أي نسمة هواء عابرة.
همس إدموند: "أبي".
**دق، دق.** تسارعت دقات قلب إدموند. كانت نظرات الوالد "ويليام" تائهة في الفراغ، غائمة وغير مركزة، وصوت أنفاسه الأخيرة يتلاشى بضعف. حتى الأجواء المحيطة بالسرير بدأت تتغير؛ واختلطت رائحة الأعشاب الطبية القديمة بالبرودة التي بدأت تدب في الجسد، لتعلن عن اقتراب لحظة الموت.
تحركت شفتي الدوق بثقل وقال: "إدموند، إدموند…. أنت... أنت... وريثي الشرعي".
حتى مع تلاشي وعيه وغيابه عن الدنيا، كان الدوق يبحث بشكل غريزي عن امتداد دمه، كغريق يتشبث بآخر حبل نجاة. لكن إدموند كان يراقب والده بعينين باردتين تماماً.
فقد كان يعلم أن هناك قيمة واحدة فقط تهم الدوق طوال حياته: وهي شرف العائلة، واسم "ليبرت" العريق الذي توارثته الأجيال. ولأن هذا الاسم يعني النفوذ والامتيازات، لم يكن الدوق يسمح بوجود أي شرخ أو غلطة تشوهه.
بالنسبة للدوق، لم يكن الوريث مجرد شخص يأخذ الأموال، بل كان الوعاء الذي سيحمل شرف العائلة ويحافظ على اسمها عبر الزمن.
وربما لهذا السبب اعتبر تصرفات زوجته إيزابيل إهانة لسلطته؛ لقد رأى في فعلتها اعتداءً على ملكوته وتهديداً للنظام الذي بناه.
لذا، إذا كانت إيزابيل قد آذت "لورين" (والدة إدموند)، فإن غضب الدوق لم يكن نابعاً من حبه لعشيقته الراحلة، بل من شعوره بالإهانة لأن زوجته تصرفت دون إذنه. لم يكن الدوق من الرجال الذين يهتمون أو يحزنون لموت امرأة بسيطة، حتى لو ماتت بسبب المرض.
فكر إدموند: 'خطيئة الدوقة التي أنهت حياة أمي...'.
لقد فهم إدموند عقلية والده وطريقة تفكيره، لكن الفهم لا يعني الغفران؛ فبالنسبة لإدموند، كان والده شريكاً في الجريمة بصمته وتهاونه.
سأله إدموند مباشرة: "هل تعترف بالأمر إذن؟"
لكن لم يأتِ أي جواب. تحركت شفتا ويليام بصعوبة وسط أنفاسه المتقطعة والمجهدة، وقال كلماته الأخيرة: "كل من يتحدى سلطتي... يجب أن يدفع الثمن".
وبعدها، توقفت كل حركاته؛ وانقطعت الأنفاس الخافتة التي كانت تخرج منه، وتوقف الارتجاف البسيط في أصابعه تماماً.
خيم صمت بارد وثقيل على الغرفة. أغمض إدموند عينيه للحظة طويلة، ثم فتحهما ونهض من مقعده.
شعر الطبيب "بنجامين" الذي كان ينتظر في غرفة الجلوس بتغير الأجواء، فدخل بملامح حذرة وقلقة، وخلفه انحنى الخدم الذين يعتنون بالدوق وحبسوا أنفاسهم. أشار إدموند برأسه نحو السرير وقال باختصار: "تأكد منه".
تقدم بنجامين بهدوء ونبش معصم الدوق ليفحص نبضه المتوقف، ثم وضع أطراف أصابعه قرب أنفه ليتأكد من انقطاع أنفاسه. التفت الطبيب نحو إدموند وأومأ برأسه تأكيداً للوفاة. عندها، التفت إدموند نحو الخدم وأعلن بصوت خافت وثابت: "لقد توفي الدوق".
لم تكن هناك أي رعدة أو حزن في صوته وهو يعلن خبر الوفاة، وتابع بصرامة: "جهزوا لمراسم الجنازة فوراً، وفقاً للقواعد المتبعة".
بدأت العاصفة الممطرة التي كانت قد توقفت قليلًا، بالهطول بغزارة وشدة من اللحظة التي فارق فيها دوق "ليبرت" الحياة.
أبعدت بلير نظراتها عن النافذة بعد أن كانت تتأمل المطر المنهمر بالخارج بشرود. وفي تلك الأثناء، دخل إدموند إلى غرفة النوم، ووقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه بهدوء، وكانت ملامح وجهه خالية من أي تعبير كالعادة.
احترت بلير في نفسها: ما الذي يجب أن تقوله له في هذا الموقف؟ لم يظهر إدموند أي علامات حزن أو بكاء على وفاة والده، ومع ذلك، كان هناك شيء يشبه البركان الهائج يشتعل في داخله. باتت بلير الآن قادرة على معرفة مشاعره الحقيقية المخفية وراء قناعه المثالي البارد.
سألته بصوت منخفض وهي تحاول جاهدة إخراج الكلمات: "وصية الدوق…."
توقفت يد إدموند التي كانت تغلق الأزرار وصولاً إلى عنقه فور سماع السؤال، والتفت لينظر إليها بوجه هادئ لا يعبر عن شيء.
تابعت بلير: "متى سيتم الإعلان عنها للجميع؟"
أجابها باختصار: "بعد الجنازة. سيقوم المحامي بقراءتها بصوت مرتفع أمام العائلة والشهود".
سألت: "إذن…."
علق قائلًا: "علينا الانتظار لثلاثة أيام أخرى".
بعد أن أجابها، مشى نحو غرفة الملابس المفتوحة، واستطاعت بلير رؤيته بوضوح وهو يخرج شيئاً ويعود به؛ لقد كانت ربطة عنق، وهي نفس الربطة التي أهدتها له في وقت سابق.
قال إدموند بابتسامة خفيفة وهو يمد يده بالربطة السوداء الأنيقة: "اليوم يوم مهم".
أطلقت بلير تنهيدة خافتة، وسرى في داخلها شعور غريب ومربك. وتذكرت كلماته السابقة حين قال لها:
'سأرتديها في يوم مهم، وعليكِ أن تضعينها حول عنقي بنفسكِ حينها.'
هل كانت تظن أن ذلك اليوم المهم سيكون يوم جنازة والده؟
ولأنها لم تستطع قول هذا الكلام بصوت عالٍ، اكتفت بأخذ ربطة العنق الحريرية منه بصمت، ثم اقتربت خطوة لتقف أمامه، ورفعت يديها لتضعها حول عنقه.
وعندما لمست أطراف أصابع بلير مؤخرة عنقه برفق، تعمقت أنفاس إدموند التي كانت تلامس جبهتها لثانية، واتسع صدره العريض بصمت، وتحولت نظراته المثبتة عليها إلى نظرات عميقة وداكنة. رفعت بلير عينيها لتتفحص تعابير وجهه وسألته: "هل هي غير مريحة؟"
أجابها: "لا، إنها جيدة".
بدأت بلير في ربطها ببطء وحذر، وكانت حركات يديها وهي تشد العقدة لأسفل مليئة بالحرص. لم يكن بيدها حيلة؛ فإدموند الذي يستعد للجنازة كان يرتدي ملابسه بأناقة مثالية لا تشوبها شائبة، لكن كان هناك شعور حاد وخطير يحيط به، كأنه يمشي على حد السكين.
سألته بلير بتردد: "إذن... ما الذي سيحدث لي الآن؟"
استغرب سؤالها: "ماذا تقصدين؟"
أوضحت قائلة: "اللقب والمنصب. السبب الذي جعلنا نرتبط ببعضنا في البداية كان هذا اللقب. أعلم أنك لا تملك تأكيداً قاطعاً بعد، ولكن... أردت فقط معرفة رأيك وتوقعك للمستقبل".
صمت إدموند لبرهة، واكتفى بتأمل وجهها بعينيه الرماديتين العميقتين بـهدوء ودون استعجال. وجدت بلير صعوبة في تحمل نظراته الوجلية، فشغلت نفسها بتعديل عقدة ربطة العنق.
وجاءت إجابته بعد ثوانٍ بثقة تامة: "والدي ترك اللقب والميراث لي".
رفعت بلير رأسها لتنظر إليه بدهشة وسألته: "…حقاً؟ هل أنت متأكد؟"
رد إدموند دون أي شك: "أنا متأكد تماماً".
تسببت طريقته الواثقة والحاسمة في زيادة ارتباك بلير وحيرتها؛ فكيف يمكنه الجزم بالأمر؟ لا توجد طريقة تسمح له بـرؤية الوصية مسبقاً، فالوثيقة الرسمية تكون مختومة ولا تُفتح إلا أمام الشهود، وإذا فُتح الختم قبل ذلك تفقد قيمتها القانونية. إذن، لا بد وأنه حصل على هذا التأكيد من الدوق نفسه أثناء حديثهما المنفرد قبل وفاته بلحظات....
تابع إدموند بثقة: "روفوس لن يحصل على أي فرصة، ولو كانت صغيرة".
سألته: "وكيف عرفت ذلك؟"
أجابها: "لأن هذا هو العقاب الوحيد والقاسي الذي يمكن لوالدي أن يوجّهه للدوقة إيزابيل".
أمالت بلير رأسها وهي لا تفهم الرابط تماماً، لكن الموقف لم يكن يسمح بالإلحاح والأسئلة الكثيرة، فأنهت ربط العنق ورسمت ابتسامة هادئة وقالت: "إذن... هذا أمر يدعو للارتياح".
"...."
تابعت: "إنه يريحني حقاً، يا إدموند".
علق بهدوء: "شكراً لكِ".
أضافت بلير لتلطيف الأجواء: "ربطة العنق تناسبك كثيراً".
عندها فقط ابتسم إدموند، وخرجت منه ضحكة خافتة تلاشت سريعاً كالنسمة. وبملابسهما السوداء الخاصة بالحداد، وقفا صامتين يواجهان بعضهما بعضاً، كأنهما لوحة مرسومة بالأبيض والأسود.
وقال بصوت دافئ: "هذا يريحني أنا أيضاً".
وعاد الصمت ليخيم على الغرفة مجدداً. لم تبعد بلير نظراتها عن عينيه اللتين تتأملانها من الأعلى، وتطلعت في بؤبؤ عينيه الداكنتين اللتين تشبهان غيوم عاصفة مفاجئة. ورغم أنها لم تكن تعرف هذا الرجل بـعمق كما تعرفه الآن، إلا أن هذه اللحظة بالذات بدت لها غريبة وغير مألوفة على الإطلاق.
وسرعان ما عرفت سبب هذا الشعور الغريب؛
فقد انحنى إدموند نحو الأمام بخطوة واسعة، وأمال رأسه، وطبع قبلة دافئة على شفتي بلير. ولأنها اعتادت على لمساته، أغمضت عينيها تلقائياً وتقبلت الأمر، لكنها سرعان ما فتحت جفنيها بصدمة؛ ففي تلك اللحظة، كانت يداه الكبيرتان تقبضان على كتفيها بـقوة، وتثبتان حركتها حتى لا تتمكن من التراجع أو الابتعاد إلى أي مكان.
واستمرت القبلة بقوة وتحت تأثير نفوذه العارم، ودون أن يمنحها فرصة لاستيعاب الموقف.
تمتمت بصعوبة وسط القبلة: "…آه، إدموند، أنا…."
وتراجعت بلير خطوتين للخلف بسبب دفعه القوي واقترابه الجسدي الحاد، وأدارت رأسها جانباً لتتخلص من الموقف وهي تصيح: "لا...!"
ومدت يديها بسرعة لتدفعه بعيداً عنها. وبينما كانت تلتقط أنفاسها المقطوعة بصعوبة ، كان إدموند ينظر إليها من الأعلى بعينين تلمعان ببريق غامض ومشتعل.
قالت بارتباك وخجل: "لا يمكنك فعل هذا الآن…."
"…."
تابعت وهي تحاول تذكيره: "علينا الذهاب لإقامة مراسم الجنازة فوراً، لذا فإن مثل هذه الأمور لا تجوز في هذا الوقت…."
ورغم كلامها، وجدت بلير نفسها تتأمل وجهه بدقة؛ فقد كانت تريد معرفة ما يشعر به وهو ينظر إليها، وبماذا كان يفكر عندما قبلها بهذه اللوعة.
وقبل أن تصل إلى إجابة، أخذ إدموند نفساً عميقاً وتراجع خطوة للخلف، تاركاً مسافة صغيرة بينهما وقال بهدوء: "أنا أفهمكِ".
وبعد صمت قصير، التقط معطفه الأسود المعلق وصححه فوق ملابسه، ثم مد يده نحو بلير وقال: "هل نذهب؟"
أجابته بخفوت: "…نعم، لنذهب".
خرج الاثنان من غرفة النوم وسارا في الممر الطويل دون أن ينطقا بكلمة واحدة. وبينما كانا يتجهان نحو الكنيسة الصغيرة حيث ستُقام الجنازة، حاولت بلير كبت رغبتها الملحة في الالتفات والنظر إلى وجهه.
لكن الشيء الوحيد الذي كانت متأكدة منه تماماً، هو أن ذلك البريق الذي لمع في عيني إدموند قبل قليل لم يكن مجرد رغبة عابرة أو غريزة مؤقتة؛ بل كان أمراً أكثر إلحاحاً وعمقاً من ذلك بكثير، كان يشبه تماماً نظرته السابقة في منطقة "تشايلز" عندما كان على وشك فقدان عياره، نظرة مليئة بالتوق وتطالب بـالحب والاهتمام.
Sweetnoveltime #

تعليقات
إرسال تعليق