الفصل (79) ولدت من جديد: هوس الدوق,
## الفصل التاسع والسبعون: حرب العقول وأسرار البارون إدغار
كان نزل (جراند ألبين) ينعم بالهدوء والسكينة في منتصف فترة ما بعد الظهيرة. دلفت «ديليا» إلى صالة الطعام الرئيسية بخطوات واثقة، وملامح وجهها تكسوها حيادية حذرة ومدروسة. لمحتْه جالساً خلف طاولة في أكثر زوايا الغرفة عزلة وخصوصية، وأمامه كأس من النبيذ لم تلمسه شفتاه بعد. رفع الدوق «فيليب» عينيه نحوها ما إن اقتربت منه.
وقال بمجرد أن جلست، وجاء صوته ناعماً يحمل تحدياً حريرياً ومبطناً: "لقد ظننتُ أنكِ لا ترغبين في المقابلة، بل واعتقدتُ أنكِ لن تأتي من الأساس". كان يختبر صلابتها ويبتز ردة فعلها منذ الجملة الأولى، ثم تابع: "ما الذي جعلكِ تغيرين رأيكِ؟"
وضعت ديليا يديها بهدوء فوق حجرها وأجابت بصوت متزن ومباشر: "أنتَ مَن كنتَ مُصراً وبشدة على هذا اللقاء يا صاحب الفخامة. ورأيتُ أنه من قلة الأدب والوقاحة أن أتجاهل دعوة ثانية موجهة من دوق".
ارتسمت ابتسامة صغيرة وضيقة على شفتي فيليب وقال: "أرى ذلك". ثم اتكأ إلى الخلف في مقعده، وراح يتأملها ويدرس تفاصيلها: "لقد ظننتُ أن بمقدورنا فهم بعضنا البعض، أنتِ وأنا؛ ولعل ذلك يرجع إلى كوننا نجد أنفسنا في وضع متشابه إلى حد كبير".
عقدت ديليا حاجببها بقليل من الريبة وسألت: "وضع متشابه؟"
أجاب فيليب، واتخذ صوته نبرة حزينة توحي بالسرية والاعتراف: "نعم... بلا عائلة، وبلا موطن حقيقي. هذا هو الوضع الذي أعنيه". ثم نظر إلى أسفل نحو كأس نبيذه، وكأنه يستدعي ذكرى أليمة من الماضي: "لقد توفيت والدتي وأنا لا أزال صغيراً جداً؛ قالوا إنه مرض، وكان الأمر مفاجئاً وخاطفاً. وبعد ذلك مباشرة، ظهرت زوجة أبي، الدوقة (ليرا)، في الصورة. لقد أحبها والدي حقاً، وكان يقول إنها ساعدته على الشفاء والتعافي من حزنه. وأنجبتْ له (إريك)، ثم (أمبر)، قبل أن يموت والدي... قبل أن يلقى حتفه في الحرب الأخيرة بين (ألبين) والقوات المحتشدة على الحدود الشرقية".
رفع عينيه لينظر إليها، وكانت نظرته تفيض بحزن مصنوع ومصاغ بدقة شديدة، وأردف: "في ذلك المنزل، كنتُ دائماً أُعامل بنصف القيمة التي يحظى بها الآخرون. كنتُ ابناً لأم مختلفة. ثم إن الشخص الوحيد الذي كنا نشترك فيه جميعاً، وهو والدي، قد مات. لقد كنتُ غريباً ومقصياً في منزلي الخاص".
كان يحاول حياكة جسر من التعاطف بينهما، جسر مبني على المآسي المشتركة. لكن ديليا لم تكن مهتمة بتاتاً بعبور هذا الجسر؛ فقد عاشت حياة ذاقت فيها الألم الحقيقي، وكان بمقدورها تمييز الأداء التمثيلي الأجوف والزائف لدى الآخرين بمجرد النظر إليهم.
أطلقت ضحكة قصيرة وساخرة تنم عن عدم تأثرها بادعاءاته: "لم آتِ إلى هنا لنتشارك القصص الحزينة عن خلفياتنا العائلية يا صاحب الفخامة".
عادت ابتسامة فيليب الضيقة لترتسم على وجهه، ونقر بخفة بأصابعه على ساقه اليسرى المصابة، ليلفت انتباهها إليها عمداً: "إذن، فلا بد أن الفضول يقتلكِ لمعرفة ما حلّ بساقي"، قالها وصوته ينخفض بنبرة غامضة، وتابع: "لا بد أن إريك قد أعطاكِ لمحة أو فكرة عن تلك القصة، وأنا على يقين أنها كانت رواية مقنعة للغاية". انحنى بجسده إلى الأمام وأردف: "هل وافقتِ على مقابلتي اليوم لأنكِ لم تستطيعي تصديقه تماماً؟ لأنكِ أردتِ سماع الحقيقة من الشخص الذي تعرض للحادثة بنفسه؟"
كانت كلماته بمثابة فخ ذكي ومدروس، صُمم خصيصاً ليجعلها تعترف بأنها تشك في نزاهة إريك. غير أن ديليا أطلقت زفيراً طويلاً وبطيئاً، ولامست شفتيها ابتسامة صغيرة وعارفة، ثم نهضت واقفة من مقعدها.
سألها فيليب بذهول، وقد تفاجأ بحركتها المباغتة: "ما الذي تفعلينه؟"
أجابت ديليا بكل هدوء وهي تنظر إليه بملامح لم تعد متحفطة، بل تفيض بيقين حاد وصارم: "أنا مغادرة. أنا لا أصدق أن إريك قد يفعل تلك الأشياء الفظيعة والشنعاء التي يحاول أشخاص أمثالك وأمثال (جورج بيمبروك) وصمه بها. صحيح أنني أردتُ السماع من الشخص الذي كان طرفاً مباشراً في الحادثة، لكني أجد أنني لا أطيق أسلوبك وتوجهك يا صاحب الفخامة".
واسترسلت، وصوتها يكتسب مزيداً من القوة والصلابة: "أنتَ من نوعية الأشخاص الذين يحاولون التلاعب بالآخرين وخداعهم من وراء الستار. تحاول استخدام استدرار العطف والأسرار كأوراق رابحة وأسلحة لك. وهذا الأمر يخبرني سلفاً بأنه لا يجدر بي تصديق أي شيء ينطق به لسانك". ثم رمقته بنظرة أخيرة مستخفة وقالت: "لقد أضعتَ وقتي فحسب".
انحنت لتقوم بإيماءة الاحترام التقليدية (التحية النسائية)، وهي لفتة جاءت مهذبة للغاية وفي الوقت ذاته حاسمة ولا رجعة فيها: "يجدر بي أن أكون في طريقي الآن، يا صاحب الفخامة".
وبينما استدارت لتغادر المكان، وظاهرها مستقيم ورأسها مرفوع بشموخ، اخترق صوتُه الأجواء ليناديها، مسمراً خطواتها في مكانها.
"ديليا إلينغتون".
توقفت، لكنها لم تلتفت لتوجه وجهها إليه.
سألها فيليب، وصوته قد تخلى تماماً عن نبرة الشفقة والمسكنة المصطنعة السابقة، ليحل محلها فضول حاد وقاسٍ؛ سؤال اخترق كل المظاهر والادعاءات ليصيب عمق وجوهر أسرارها الخاصة: "لماذا ستتزوجين؟"
أدارت جسدها ببطء لتواجه فيليب مجدداً، بعد أن تحطمت خطتها في الخروج السريع والحاسم بالكامل.
أما فيليب، الذي نجح في استعادة انتباهها الكامل، فقد استرخى في مقعده مجدداً. وشبك ذراعيه فوق صدره، وتكسو وجهه ملامح الرضا والغرور والشماتة؛ فقد بات هو المتحكم والمسيطر على مجريات هذا الحوار الآن.
بدأ يتحدث بنبرة اتخذت طابع العقلانية والمنطق: "فكري في الأمر يا ليدي ديليا؛ منسوجات عائلة (كارسون) ومنسوجات عائلة (إلينغتون). إحداهما مؤسسة ثرية ونافذة وصاحبة سلطة، والأخرى مؤسسة—واعذريني على صراحتي الفجة—بحاجة ماسة واستماتة للمال".
ترك جملته معلقة في الهواء لتلقي بظلالها، ثم تابع: "على السطح والمظهر الخارجي، لا تبدو هذه الزيجة صفقة سيئة. لكن هذا يجعلني أتساءل؛ لماذا تشعر عائلة إلينغتون بكل هذا الطمع والاستماتة؟ وبتعبير أكثر دقة وتحديداً... لماذا يقدم جدكِ، البارون (إدغار إلينغتون)، ما يعادل رشاوى ضخمة وفلكية فقط لإتمام هذا الزواج وجعله واقعاً بأي ثمن ووسيلة؟"
نظرت إليه ديليا، وقد تملكها ارتباك وضياع كامل؛ فلم تكن تملك أدنى فكرة عما يتحدث عنه. وسألته بصوت يرتجف قليلاً: "ماذا تقصد بذلك؟"
أجابها فيليب، مستخدماً نبرة تشبه أسلوب معلم يشرح مفهوماً بسيطاً لتلميذ بطيء الاستيعاب: "جدكِ، البارون إدغار، التقى مؤخراً بجدتي، الدوقة الأرملة. ولقد قام بإعادة جميع الأموال التي سرقها منها ومن العائلة قبل سنوات مضت؛ لقد كان مبلغاً ضخماً وهائلاً بحق". ورصد علامات الصدمة الحقيقية والذهول التي ارتسمت على وجه ديليا، ليعلم يقيناً أنه قد أوقعها في شباكه وشد انتباهها بالكامل، وتابع خبثه قائلاً: "إذا كان رجل مشهور بعناده الشديد وفخره وكبريائه، وشحه وقبضته الحريصة مثل البارون إدغار إلينغتون، مستعداً للتخلي عن كل ذلك وفعل هذا الأمر، فلا بد أن لديه هدفاً واضحاً وغاية في غاية الأهمية والخطورة يصبو إلى تحقيقها".

تعليقات
إرسال تعليق